متناقضات زمن العبودية والأوبئة والمجاعات

بقلم الكاتب والباحث: علي هرماس نقدم هذه المدونة اعتمادا على مقتطفات من كناش رحلةcarnet de route للمستكشفة الفرنسية لادريت دو لاشاريير والذي صدر بتاريخ01/06/1913 تحت عنوان le long des pistes moghrébines يعتبر المؤلف من النصوص السردية القديمة في 306 صفحة ملكية المكتبة الوطنية الفرنسية، بشراكة مع مطابع hachette تمت رقمنته على بوابة gallica . المستكشفة زارت مدن المغرب التي كان لها حضور اجتماعي وسياسي 1910و1911، في هذا التاريخ بالذات وما قبله عرف المشهد السياسي والاجتماعي المغربي ارتباك كبير بل خطير، أهم ما ميزه ضعف السلطة المركزية بفاس وبعد المسافة بين فاس وسوس نتج عنه شبه استقلال في التسيير المحلي بالجنوب المغربي الذي طبعته مزاجية القواد والزعامات القبلية في نظام الجبايات والتجارة…

لعبت في هذا الإطار البعثات الاستكشافية الفرنسية أحد أهم الأدوار التي حسمت الموقف لصالح فرنسا بدل بقية الدول الأوربية ، منها بعثة Reynolde Ladreit de Lacharrière التي ركزت مهمتها على الشق الاجتماعي والجغرافي، وتعتبر أول “رومية” تغامر من دون مبالاة بحياتها وسط ظروف مناخية واجتماعية خطيرة كي تصل الى تارودانت قلب سوس بالجنوب المغربي على حد قولها. Présentation5وصلت إلى تارودانت الساعة الثانية عشرة وخمسة وأربعين دقيقة من يوم 21 أبريل 1911، والسلطة فيها متنازع عليها بين الباشا محمد بن علي الكابا صاحب دار البارود وحيدة بن ميس قائد قبيلة المنابهة، وغادرت تارودانت الساعة التاسعة وعشرين دقيقة يوم 24 أبريل 1911، لقد كانت أول أوربية تطأ رجليها هذه الأرض.

نورد هنا بعض المقتطفات ما بين مراكش وتارودانت من كناش الطريق والذي عمل على ترجمته مؤخرا الأستاذ الباحث محمد ناجي من كلية الآداب جامعة ابن زهر باكادير، على علل النص المترجم الذي لم يخضع للمراجعة قبل الطبع، وسقوط 299 هامش إحالة كان من شأنها أن تحلل وتفسر عددا من جوانب النص الأصلي الفرنسي، الأمر الذي لا ينقص في شيء قيمة الكتاب السردية الأدبية :

انتابتنا انطباعات القلق والدهشة أحيانا ، والخوف من الأهالي المتسخين والجدامى، وانطباع الإعجاب ببعض الأماكن الجميلة ،وثراء دور القواد التي ترقى البعض منها لدرجة القصر.

أحاط بنا النساء والأطفال، كان يعاني بعضهم من مرض”التونية” ، كما رأينا آثار الجدري على امرأة ، وفي المساء عاد خدامنا مخمورين من الملاح حيث يعد اليهود الخمر ووجهنا تهديدا شديدا إلى المخزني الأكثر سكرا بإرساله إلى الباشا إن هو كرر فعلته فأخذ يتوسل إلينا ويقبل ثيابنا لأنه يعلم ماذا ينتظره !!!

20 ابريل سجل المحرار ست وثلاثين درجة تحت الظل في الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة ، برياض أهداه المخزن لمضيفنا قادتني إحدى الخادمات الزنجيات إلى المنزل لرؤية النساء، كانت المضيفة تغالب النوم، فالعينان منتفختان ربما من اثر الكحول، والشفتان تميلان إلى اللون الرمادي، والكحل يغطي العينين، لباسها قفطان من ثوب موسلين مطرز تعلوه وزرة حمراء، حول عنقها عقد تتوسطه جوهرة كبيرة، تعلو جبهتها قطعة ذهبية كزمردة محاطة بقطع ذهبية صغيرة مربوطة بخيط صوفي اسود اختلط لونه مع شعر الرأس وتسمى هذه الجوهرة “العين” كما أحاط بمعصميها دمالج غليظة ، بينما امرأة في مقتبل العمر تلقم صغيرها ثديها، كانت بشرته سوداء فاحمة كلون أبيه، معظم صغار الخادمات ولدوا من “السفاح” ، ورأيت فتاة صغيرة واحدة ليس بعينها كحل، وشعرها مكشوف تضع حول جبينها خيط ابيض دليل عذريتها.Présentation1

كلف الباشا إحدى الخادمات الزنجيات بمرافقتي إلى حريمه، استقبلتنا في الفناء امرأة شابة بسحنة صفراء وشعر اسود مسدل على الحاجب، وعينين قويتي اللمعان، وبقفطان أحمر يعلوه قميص مسلين أبيض وردي، وعقد مذهب تتوسطه حجرة كريمة، استقبلتنا بحفاوة وترحاب بينما كانت خادمة زنجية تعد الشاي، أخبرتنا مضيفتنا أنها كانت مريضة بالحمى قبل أن يوقظها الباشا، إنها المفضلة لديه في الوقت الحالي، أما الثمانية الباقيات فيُقمن بالقصر القديم ، هذه من اسطنبول ورفيقاتها الأخريات اشتريت حديثا . يبدو أن صديقتنا الصغيرة لم تألف بعد حياتها الجديدة ولا يعجبها الزي المغربي وتفضل الوحدة هي النحيفة بين رفيقاتها، لكل زوجة حديقتها الخاصة، وغرفتان معزولتان عن باقي البناية، للحاج التهامي خمسون طباخا يعدون الغذاء لثلاثمائة فرد يوميا، يأكل الباشا ما يحلو له من الأطباق أولا، ويترك ما يفضل للنساء، وخص العبيد والخدم بمطبخ خاص مستقل، لم يكن للزنجيات كبير مكانة عند الباشا ولا يقضين معه الليلة بأكملها، وعلى النساء أن يكن “مهيئات” في الساعة الثامنة لابسات وماشطات في انتظار قرار السيد أيهن حان دورها، وغالبا ما تحيط النساء بالسيد عندما يأكل، لأنه يحب أن يمزح مع التركيات لحضورهن الجميل … تكون للنساء الحرية التامة للقيام بما يحلو لهن، إلى حدود الساعة الخامسة مساء فيغيرن ملابسهن، إلى حدود العاشرة يتناولن وجبة العشاء فيقربهن إليه بعد أن يغتسلن جيدا …ويشربن الشامبانيا بعد العشاء ويتناولن الحلويات “المخدرة” ويختبئن للتدخين وتقوم إحدى الزنجيات بالمراقبة لتنبيههن إذا دخل السيد، فهو يقصدهن متى شاء، ويتهيبنه لطبعه الحاد ومزاجه العنيف، ربما كان ساديا وأنه يجد متعة في ضربهن أو جلد خدمه من المخازنية ، بعدها يضع لحريمه بعض النقود تحت تصرفهن لتقع أخيرا بيد أحد اليهود الذي يبيعهن مسائل تافهة، وكانت لهن خياطة يهودية.

19 مارس رأيت أوربيا يمر من ساحة جامع الفنا ويتبعه عدد من الأطفال ، سرعان ما لحق بهم جم غفير من الناس، تعالت الصيحات، لتتحول الساحة إلى حلبة اختفى إثرها الرجل وسط وابل من الحجارة كاد أن يلقى حتفه بسبب إقدامه على مغامرة حمقاء، فما كان عليه أن يتجول فوق دراجة هوائية يعتقد الأهالي أنها من صنع الجن !!!

Présentation3

في الرحلة من مراكش الى سوس كان بصحبتي مترجم جزائري اسمه عبد القادر بن الجيلالي يتكلم الفرنسية بشكل لا بأس به وثلاثة مراكشيين المعطي ومسعود وأحمد الفقيه وبدوي بساقين طويلين أشبه بسلوقي يسمى الكبير صاحب بغلات الرحلة.

21 مارس استضافنا مولاي رشيد وأسرع “عبد” خادم عمره ثماني سنوات، اشتراه سيده بمأتي بسيطة، للخادم رأس صغير مدور كرأس قرد، سكب القهوة المعطرة كمقبلات، بعد ترديد كلمة باسم الله المعتادة، كشف عن الطبق الأول فكان خروفا مشويا سلخ جلده الخارجي، ونثر فوقه مسحوق الكمون، لكنه لا يقارن بشواء خروف دون سلخ على الجمر في الهواء الطلق؛ أما الطبق الثاني فالدجاج المدفون في الكسكس المحلى بالسكر، تم جيء بالدجاج المخلل بالحامض ، وبعده الحمام البارد اللذيذ، تلا ذلك الكسكس باللحم والزبيب، يكوّر الرجال لقما كبيرة ثم يرمونها في أفواههم، جاء طبق آخر بالزيتون والحامض المخلل والعطور، ثم بعض الفجل المفروم وسط عصير ليمون، وختم المنظر كما بدأ بالشاي.

18ابريل 1911 عندما خرجت للنزهة بالزياتين المحيطة بالقصبة رأيت مشهدا ترك في نفسي أثرا عميقا، ففي ميدان جري الخيول شاهدت هيكلين بشريين يجلسان القرفصاء يلتقطان بأيديهما النحيلتين ويتتبعان بعينيهما الكليلتين حبات الشعير التي فضلت عن علف الخيول؛ وما إن يجد أحدهم حبة حتى يسرع لوضعها في فمه الجائع، وتجحظ عيناه بحثا عن المزيد. كان بعضهم ممددا أمام القصبة جلودهم ملتصقة بالعظام، والأفواه مفتوحة والعيون غائرة والأنوف منكمشة إنهم كالجثث الهامدة ليس بينهم وبين الموت إلا خروج أرواحهم.

المغاربة يستيقظون مع طلوع الشمس، الوجبة الأولى هي الحريرة المطبوخة بالبيض والزعفران والزبدة وأحيانا مع اللحم، في العاشرة فطور “الكسرة” أساسه الخبز والزبدة واللحم المفروم والقطبان والشاي، الساعة الثانية والنصف وجبة الغداء من ثلاثة أو أربعة أطباق من لحم الغنم والدجاج والحمام، في الثامنة أو التاسعة مساء اللحم والكسكس والشاي؛ عادة لا يأكل الرجل مع نسائه بل مع أخيه أو صديق، وأمه وأخته ونساءه يأكلن لوحدهن، ويأكل العبيد والخدم ما تبقى من الطعام، الأطفال من سبع الى ثمان سنوات يأكلون مع أبيهم وقبل هذا يتناولون الطعام مع أمهاتهم.

Présentation4

زرنا سوق العبيد رفقة مخازنيين ، تركت بغال التجار أمام الباب يحرسها بعض الأطفال، وشرع أحد الأهالي في الصلاة على النبي والآخرون يرددون وراءه معلنا بدء المزاد والناس يتتبعون العملية ، اد كانت عبارة عن معرض مفتوح يأخذ “الدلال” الطفل أو المرأة من اليد ويعرض سلعته على المشترين رافعا صوته بآخر مبلغ قدم ثمنا له أو لها، كان المساكين مشدوهين وقلوبهم تخفق بقوة تحت قطعة الثوب التي أُلبسوها ، ثم يأتي الدور على زنجية مرتدية قطعة ثوب قطنية مزينة بورود حمراء، قاموا بفحص صدرها، وأسنانها، وزادوا في قيمتها لأنها تحسن الطبخ … ومرت امرأة من السودان أمامنا نحيفة وسط حايك أبيض بحزام يحيط بخصرها، رأسها صغير رقيق وتحمل طفلا زنجيا صغيرا معقود حولها بقطعة صوف، وقدرت ثمنها إحدى الخلاسيات، وهي امرأة بين البياض والسواد، بمائة وستين دورو، والطفل الزنجي الصغير بمائة وخمسين بسيطة ، ورأيت فتاة من فرط نحافتها برزت عظام جسمها الصغير لم يهتم أحد باقتنائها، فلم تساوم بثمن يذكر، فأشفقت عليها، فأردت أن أقدم لها شيئا تأكله لأن شبح الموت يخيم على وجهها، لكن مرافقي أكد لي أن صاحبها لابد أن يبيعها باي ثمن … وفي زاوية كانت تصرخ زنجيتان بحرقة ومرارة إحداهما في عمر الورود لم يتجاوز سنها السادسة أو السابعة ترتدي قفطانا قطنيا جديدا وبلغة، حديثة حلاقة شعر الرأس إلا ما كان من ذؤابتين تدلتا على جانبي الرأس، قدها ساحر بعينين في منتهى الجمال ، ترى، كيف ستقوم بأعباء وأشغال لا قبل لها بها ؟ لكنهم عاملوها كما عاملوا الأخريات، فتحوا فمها، فحصوا رجليها كما يفعلون مع البغال قبل أن تعرض في المزاد، ارتفع ثمنها بسرعة إلى خمسة وأربعين دورو، وما يبعث على الأسى والأسف أن عجوزا سودانية تذرف أدمعا بانكسار ويأس لم يتجاوز ثمنها أربعين دورو بعد أن فحصوا رأسها الرقيق، وأسنانها، وذراعيها ورجليها، وثدييها، مع وابل من الأسئلة كأنهم يحققون معها في جرم ؛ رأيت أيضا فتاة في الثالثة أو الرابعة عشرة لكن البؤس يظهرها في العشرين، عليها ثياب أنيقة زادتها إشراقا وبهاء يبرز نهديها الكاعبين تحت قفطانها فاق ثمنها بسرعة مائة وأربعين دورو، ورسا ثمن الزنجية الصغيرة على خمسة وخمسين دورو، وللوسطاء عمولة في كل صفقة بيع، اد كانوا يشترون الزنجية في وضعية سيئة ويعتنون بها لأيام ثم يعيدون بيعها بثمن أغلى، والبضائع الجيدة لا تعرض في السوق، بل يحظى بها الأعيان وتساق إليهم في منازلهم، وفضل في المزاد زنجي صغير أعور لم يهتم به أحد ، وغادرنا المكان حزينين قرفين على هذا المشهد اللاانساني.

Présentation2

يذهب المسلم الصغير إلى “المدرسة” في سن الخامسة ويأخذ المعلم عصا طويلة ويضرب التلميذ الكسول وسط أصوات متعالية بتلاوة القرآن المكتوب على ألواح ، ويطلب من الصبيان استظهار ما حفظوا ، أما الفتيات فيعهد أمر تعليمهن الى معلم أعمى في الغالب، ولا شأن له بتربيتهن.

لتجنب الثلوج التي تصفع الوجوه، لم تشغلني الأيدي والأرجل المجمدة بقدر ما أهمني أمر البغلة التي تنزلق قوائمها فوق الصخور، وأخيرا دخلنا قصبة سي الطيب الكندافي الذي فرح بقدومنا وقدم لنا أحد الخدم القهوة بالحليب الدافئ المنسم بالقرنفل، وكم كنا في أمس الحاجة إليه لتجمدنا من شدة البرد. ألح علينا القايد عدم التسرع لأن الجو غير مستقر، لكن شوقنا واستعجالنا للوصول الى تارودانت ، وجهتنا الخفية جعلنا ننطلق في الغد، أمدنا سي الطيب بثلاثة مرشدين يتقدموننا جريا ببنادقهم، رجالا يمشون بخطوات واسعة حليقي الرؤوس، باستثناء عرف من الشعر يتدلى من وسط الرأس ، صادفنا في الطريق بمشارف اجوكاك مجموعات من السوسيين وقد أنهكتهم المجاعة فبدوا كالأشباح من شدة الهزال يقصدون مراكش للاشتغال في موسم الحصاد، يحملون أمتعتهم في جلد ماعز مجفف، رأينا قردة بأعداد هامة، وآثار الخنزير البري. تفاصيل مكملة في مدونة سابقة بعنوان” مستكشفون أم عملاء”، أكان الأمر يتعلق بتارودانت أو مراكش أو فاس، الى الجانب السياسي هي مدن مغربية سجلت على الدوام حضورا تاريخيا متميزا بصم بذلك المشهد الاجتماعي. كل زمن وتارودانت بألف خير

2016-06-07 2016-06-07
المشرف العام