ندوب الزمان على جبين تارودانت

بقلم الكاتب والباحث: علي هرماس في كتاب “تاريخ غزوات مولاي رشيد” ص 466 الذي صدر بباريس للمؤلف مويت Mouette سنة 1683 يتحدث عن سوس يقول : “هذه المنطقة كثيرة الجبال وغنية بالمناجم والحبوب والفواكه كما توجد بها أعداد من القصور والقرى حيث يتحصن الأمازيغ، وبداخلها كان كل واحد يمتلك سلاحين أو ثلاثة للمبادلة بينها وبها يؤسسون ثروتهم، وكان السوسيون أخبر بالسلاح من بين جميع الأمازيغ الآخرين”. ثم نقرأ في كتاب رحلة إلى المغرب 1910-1911 ترجمة محمد ناجي صفحة 160 :”عند وصول المجموعة قصبة القايد الدردوري بأولوز، استقبالهم شقيقه الخليفة سي واحمان، بعد العشاء دار الحديث في مواضيع مختلفة حيث أظهر لنا واحمان الهدايا التي أعطاها إياه الألمان واستفسر عن عدم بيع الجنود الفرنسيين بنادقهم في الوقت الذي يبيع فيه تجار غير قانونيين السلاح بأثمان مرتفعة، وكان القايد يملك أسلحة ألمانية وانجليزية”. حديث مع الصورة يأخذنا هذه المرة لدراسة شاهد تاريخي بمثابة بصمة مادية فوق معْلم أثري روداني، يتعلق الأمر بعدد كثير من الثقوب الصغيرة أو هي بالأصح ضربات ظاهرة للعين في مقاطع متفرقة من الواجهة الخارجية التي لم تطلها عملية الترميم والإصلاح بسور تارودانت، خاصة ما بين باب اولاد بنونة والباب الجديد المفضي للحي الحسني، كما نجد عينة ثانية على مقطع من السور ما بين مطعم جنان السوسية ودار الدباغ قرب مستودع قنينات الغاز.

Présentation3 مؤخرا ساقت الأقدار وصدف السعادة أحد الرودانيين “الكبار” بارك الله في عمره، يدعى محمد عبوني فلاح روداني لازال محافظا على مسكنه التقليدي المبني بالتراب، وحديقته الفاكهانية jardin fruitier بالحي الحسني/ بيزمارن . كما جرى عرف حديث الكلام، كلما سنحت لقاءات الصدف العابرة مع هذه العينة المتفردة من الرجال، أحاول استنطاقهم باستدراج لسانهم ونبش ذاكرتهم الرودانية، فذكر لي أن تلك الثقوب التي كنت أظنها ضربات المقلعات المطاطية التي كنا نصطاد بها الحمام البري المعشش في غيران السور، هي أمارات إطلاق النار المتبادل في حقب قديمة، وأضاف أنه توجد بمنبسط البور خلف المزبلة القديمة المقابلة لمقطع السور المعني بأولاد بنونة، مقبرة تعود لنفس المرحلة الزمنية دفن بها محاربون عمالقة، ذوو قامات طويلة غريبة، يستنتج ذلك من رفات بقايا عظام الساق والأضلع هنا وهناك، كان يعثر عليها بين الفينة والأخرى الفلاحون الرودانيون من دوي حق الاستغلال الفلاحي لبورة لاسطاح / أرض أهل أرودان… هنا ودعت مضيفي الكريم بعدما أصغيت بإمعان حدق وتدبر مدقق لرواية شفوية على لسانه غاية في الأهمية بالنسبة لتاريخ تارودانت، لازلنا لحسن الحظ نملك عينات من عناصرها المادية، فقط على واجهة مقاطع محددة من السور الأصلي، بعدما اندثرت عدة نماذج منها بفعل القوة القاهرة للزمن، أوتدخل الإنسان اثر الرميمات الجزئية والإصلاحات الجذرية التي شهدها السور سنة 1930 و 1995 وما بعدها. لربط الرواية الشفوية لسي محمد عبوني الروداني بالمراجع التاريخية الموثوقة، دونت المستكشفة الفرنسية غينولد دو لاشاريير في كراسة رحلتها لتارودانت شهر ابريل 1911 صفحة 144أنه “كان ضمن فريقها المرافق من مراكش نحو سوس، دليل بدوي بساقين طويلين أشبه بسلوقي يسمى الكبير”، كما سبق وعممت بتاريخ 22 يوليوز 2014 ضمن مدونة دار البارود قلعة من زمن قطع الرؤوس بالفؤوس وثيقة فوتوغرافية من داخل القصر المذكور لعبد زنجي سوداني، له نفس الصفات الجسمية التي ذكرها الراوي والمستكشفة الفرنسية؛ إضافة إلى العديد من الوثائق/الصور التاريخية التي تجسد نفير حْركة المقاتلين أو العودة منها بنصر، لهم نفس مواصفات الهيئة الجسدية العملاقة، ترجع لاختلاط العرق السوسي مند غابر العصور بأجناس من أصول سودانية جنوب الصحراء ناتجة عن تجارة العبيد، وكانت تسمح “بالسفاح”،كما سمته غينولد دو لاشاريير، بين السيد والأمة “الخادم” التي تكون مملوكة في حكم عبيد النخاسة، بينما ابنها من سيدها مالك رقبتها في حكم الحرطاني/ حر ثاني ، ومن أجل إثبات ذاته قوة ونسبا، ينخرط في لجب الغارات وصخب الغزوات، وقد تحالفه سعادة الأقدار ويمسي سيدا أميرا أو حاكما بأمره، وهو نموذج حكم الممالك الأتراك العثمانيين بمصر والشام خلال القرنين 13 و 14 ميلادي.
Advert Test

استنادا الى المراجع التاريخية لعهد قريب ومنها مؤلفات المختار السوسي، سجلت لنا أن تارودانت شهدت حصارا واقتتالا، دامت خلاله المرابطة حول تارودانت من الخارج، والعسس من فوق السور من الداخل مدة سبعة أشهر و17 يوما، لما فتك أنصار الشيخ الهيبة بالباشا الكابا، عقب تراجعه أثناء الزحف الجهادي في موقعة سيدي بوعثمان بمراكش ضد جيوش فرنسا، ليتحصن الشيخ الهيبة وأنصاره داخل سور تارودانت وإغلاق أبوابها بعد احتلالها، ومحاصرتهم من قبل جيوش حيدة ميس حتى تاريخ 17 جمادى الثانية 1331 /24 ماي 1913، الأخير انقلب على الهيبة بمراكش بعدما كان من أنصاره في زحف التقدم، ليصبح من أنصار فرنسا التي دعمته بالسلاح الناري الحديث الخفيف منه والثقيل، بعدما كان لفترة طويلة مخصوصا بالزعامات القبلية وحدها، فانتشرت على نطاق واسع البندقية العصرية التي يتم حشوها بخرطوش الرصاص الحي سميت”المكحلة”، وأصبحت البندقية التقليدية المسماة “بوشفر” التي تعمل بالبارود والحبة يحملها “زطاط” متجاوزة.

جميع المقاطع الأصلية من سور تارودانت، تلك التي حافظت على طبقة الملاط الجبصي couche de moulat للواجهة الخارجية، لازالت تحمل أمارات تبادل إطلاق النار بالرصاص، وان كنا نستبعد فرضية إرجاع بصمتها لفترة الصراعات التاريخية حول تارودانت، بين الإخوة الأعداء زمن حكم المولى اسماعيل العلوي نهاية القرن 11 الهجري 17 الميلادي، أيضا موجات هجومات النهب والسلب التي كانت تشنها قبائل هوارة على تارودانت خلال فترة حكم المولى الحسن الأول، ولو تعلق الأمر بأحداث تعود لهذه الفترات لطمست واندثرت تلك الأمارات القتالية بفعل المؤثرات الطبيعية من تعرية ريحية ومطرية؛ لهذا يرجح بقوة أن الأمر يتعلق بصراعات ترجع لقرن ونيف من التاريخ الحديث، استخدم فيها سلاح ناري عصري، بعد الوقوف لمعاينة تلك الثقوب/الضربات، نستنتج جليا أن قطر قرصها يقارب 10 سنتمترات بعمق 6 الى 8 سنتيمترات وتركز قصف على السور بلغ أقصاه 13 ضربة خرطوشة رصاص cartouche balle في المتر مربع.

المقطع الذي شهد أشرس المعارك، هو الواجهة الشمالية الغربية من سور تارودانت ما بين البرجين 8 و 9 يمين الخارج من باب أولاد بنونة ، أما عن سبب تركيز تبادل إطلاق النار بهذا النقطة بالذات من حزام السور البالغ طوله من الخارج 8كلم و200 متر ، فلكونه المكان الذي يتقارب فيه سور تارودانت مع مجرى الوادي الوعر، حيث لا يفصل بينهما سوى مسافة 14 متر تقريبا، ما يسمح لكلا الطرفين الهجومي المختبئ بأخاديد الوادي الوعر والجروف القائمة اليسرى لجنباته، والطرف الدفاعي المتحصن بأبراج السور وممر الحراسة فوقه لتسديد إطلاق النار بالبنادق من بين الشرفات، وكلما سرنا شرقا إلا وتقل آثار تبادل إطلاق النار على واجهة السور شيئا فشيئا حتى تختفي نهائيا، على بعد مسافة 60 متر تقريبا ما بين نقطتي الهجوم بالوادي الوعر وحراسة الدفاع فوق السور.

Présentation2

من بين عناصر “التكتيك” الدفاعي الحربي بهده المنطقة أيضا، نسجل تواجد خندق مائي عريض جدا وقديم، ردم وطمست معالمه الأرضية أثناء إعداد تهيئة طريق المدار الحضري بمحيط حزام السور، لتستمر عملية ردم ما بقي من الخندق الدفاعي بعد فتح الباب الجديد/الحي الحسني بإفراغ عربات بقايا البناء ليلا، ورمي النفايات المنزلية هناك نهارا، مما يضطر مصلحة المستودع البلدي من حين لآخر لتسوية الأرض بالجرافة، ولم يبقى من الخندق المائي سوى ملامح مصبه بجرف الوادي الوعر، بالنقطة التي اعتبرناها أقصر مسافة فاصلة بين الوادي والسور. الخندق المائي كان يؤدي وظيفة حاجز قبلي لكسر هجوم البغثة وعائق تسلل الغفلة، ويتم غمره من ساقية تافلاكت بباب الخميس، ويفرغ فائض حمولته بالوادي الوعر، على غرار خندق مماثل كان جوار السور الشرقي للقصبة السلطانية الذي يتم غمره من ساقية تاملالت – انظر الوثيقة الفوتوغرافية بمدونة المجاري المائية والتحولات الزمانية 26-04-2015- وهو من أوجه الدفاعات التقليدية، ونمط رفع مستوى التحصينات التي نجد لها ذكر في كتاب “مقدمة ابن خلدون” المتوفى سنة 1406 م/808 هـ باب العمارة العربية الفصل الخامس صفحة 220 .

ما بين باب اولاد بنونة وباب الخميس، حظي استثناء هذا المقطع من السور بأهمية خاصة من قبل السعديين، فهو الوحيد الذي يحتوي على أكبر نسبة من الجير الكربوني تصل 40% حسب تقرير خبرة LPEE لسنة 1995، ما سمح بصمود أطول المقاطع الأثرية التاريخية من السور شامخة مقاومة بعناد وتحد لصروف الدهر وتعاقب الأزمان، رغم تداعيات أسسها المنخرمة قبالة مدرسة باب الخميس، لكن الترميمات التي قام بها الأجانب المقيمون جوار السور بمقربة من باب أولاد بنونة طمست على إثرها ضربات تبادل إطلاق النار، التي نعتبرها آثار ندوب على خد وجبين تارودانت، وبصمات تاريخية من زمن السيبة وهجومات الحْركات والاقتتال الذي لا يتوقف إلا ليستجمع عدته البشرية وعتاده القتالي من جديد. وقد ذكر الأستاذ أحمد سلوان في معرض حديثه في ندوة علمية نظمت شهر مارس برواق باب الزركان، أن هذا المقطع بالخصوص كانت تتم به دورية حراسة مشددة ليل نهار من خلف الشرفات يتم خلالها التواصل نهارا بإشارات يدوية وإشعار الطوارئ ليلا بأمارات ضوئية أو صوتية، وهو المؤكد قولا عن سنة 1911 بتارودانت الذي وقفت عليه في كتاب غينولد دو لاشاريير ص 171 سطر7 تقول المستكشفة :” مرت عشر ساعات على وصولنا تارودانت، الليلة مظلمة والحراس يجلسون على قارعة الطريق يتبادلون إشارات وصفيرا هم وحدهم قادرون على فك شفرته، ونحن الآن محروسون برجال ينتشرون في كل زوايا الحديقة”. كل زمن وتارودانت بألف خير

2016-06-26 2016-06-26
المشرف العام