الدرب: خاصية اجتماعية رودانية

بقلم الكاتب والباحث الروداني علي هرماس

الدرب impasse ويجمع على دروب، هو مدخل وممر طرقي ضيق، قد يكون مغلق في عمقه وغير نافد، أو مفضي الى فضاء آخر، هذا التعريف يحيل على وصف مماثل هو السكة مثل سكة القطار وسكة المفتاح ، فالتسمية الرودانية الأمازيغية تسوكت غزيفن بجامع الكبير تفيد نفس الصيغة بأسلوب التصغير أي الدريبة الضيقة أو السكة الطويلة. من الناحية الديمغرافية يجسد الدرب صورة تجمع سكاني مصغر يطبعه تلاحم الجوار بين قاطنيه، قد يذهب بعيدا ليصبح وحدة تآخي مشترك في السراء والضراء بين الكبار والصغار : جيران الدرب، أولاد الدرب… بعد هذا التعريف نورد مجموعة أسماء دروب تارودانت بعضها اكتست صفة التاريخية ، بل منها ما هي ضاربة لقرون في عمق التاريخ الروداني، ثابتة التسمية بالحجة العدلية، تتواجد بأماكن محددة أي التجمعات السكنية المعلومة : رْبع القصبة، رْبع مجمع الأحباب، رْبع سيدي حساين جامع الكبير، ورْبع الزاويات / أسراك أوراغ . المظهر الأول لتسمية الدرب، ينسب لعائلات سكنت المكان أول الأمر وفق نمط الأسرة الوحيدة التي غدت مع تعاقب الأيام، جيل بعد جيل عائلة متفرعة، يصطلح عليها في علم الجغرافية البشرية شجرة النسب، تتكون من الجد والأبناء والأحفاد، وربما في حالات ناذرة جدا لم يعد لها وجود اليوم في الأوساط الحضرية عكس التجمعات البشرية الريفية، نجد أحفاد الأبناء نزولا أو الجد الأكبر صعودا. كان الجميع يقطنون أول الأمر قبل قرن من الزمن، ما دمنا نتحدث عن الأجداد، في سكن عائلي منفرد بجواره ملحقات تدبير الحياة اليومية العائلية كالبستان/بحيرة به معزل الحيوانات والطيور الأليفة ، وكلما استقر أمر زواج أحد الأبناء يتم اقتطاع طرف من البستان بالجوار الملاصق، وبناء مسكن أسري جديد ملحق مستقل هيكليا مدمج عائليا. بمرور الزمن تتفرع العائلة الى أسر تجمع بينها رابطة دم القرابة بالعمومة، فتبرز مع توالي الأيام الحاجة الى استقلال الذمة الأسرية الفرعية عن العائلة الأصلية خصوصا لما يطرح نقاش عائلي داخلي لتحديد ميراث ذوي الحقوق ، وتظهر معها الحاجة لشق ممر مشترك بين الدور السكنية، وهكذا يصل الوضع الى صورة اجتماعية رودانية كانت تسمى درب أيت فلان.

Advert Test

Composition5 المظهر الثاني ينسب الدرب لشخص من قاطنيه له اعتبار شخصي، كأن يكون ملاكا ميسورا وهو حالة درب أشتوك قديما بتالمقلات ليتغير الاسم لدرب توكاد حاليا، كلا الاسمين بوجه ما لهما ارتباط عائلي مع أسرة آل الخياطي الرودانية … بجانب الاعتبار الخاص الذي يصنف الشخص بناء عليه ويلحق الدرب باسمه، نجد حالة مشابهة وهي الاعتبار الاجتماعي تجسده حالة درب المامون بباب ترغونت، ودرب الفقيه بسيدي حساين، الأول نسبة للمقاوم الوطني مولاي المامون السكراتي، والثاني نسبة للفقيه الإمام المفتي قاضي رودانة لمرحلتين بداية من 1919موسى بن العربي الرسموكي. ومنه أيضا اعتبار خاصية بناء الدرب أو منشأة اجتماعية داخله،فنجد مثلا درب جامع ودرب الصابا الطويلة والصابا الملوية بأولاد بنونة ، ومنه الاعتبار الاثني/الديني درب ليهودي بنفس الحومة.

Composition2 المظهر الثالث والأخير ظهر على الساحة العمرانية بتارودانت بالضبط 1980وما بعدها، يهم تلك العقارات التي كانت بالأمس القريب جنانات فلاحية تزيد من جمالية تارودانت وبهائها الخلاب، ثم تحولت إلى أراضي بيضاء بفعل تخطيط هيكلي مجالي فرض إداريا ، وتم تفتيت تلك البساتين الى “صناديق” اسمنتية يُشق بينها ممر ضيق بالكاد تلامس أشعة الشمس مساره، ويسمى درب فلان وينسب لصاحب البستان/جنان، أو المشتري المقاول الذي يعمد الى اعداد “تجزئة” لا تحمل من الهيكلة التقنية سوى الاسم، هذه “التجزئات” الدروب التي تحمل اسم المقاول أغلبها توجد اسفل ساقية تفلاكت ما بين باب الخميس وباب أولاد بنونة. من الدروب القديمة بتارودانت نجد: درب اداو منو بتالمقلات قرب فندق الزيتون، ويسمى أيضا درب الوردة. درب أشتوك / توكاد ساحة تالمقلات بالقرب من استوديو بورار. درب الماكينة وبعمقه صابا مغلقة قرب درب أشتوك ملاصق بعمارة أيت بنصالح. درب السقاية بجامع الكبير أمام السقاية التاريخية الملاصقة بالجامع . درب أخضار بجامع الكبير أمام مقبرة المحراب الملاصقة بالجامع من القبلة. درب أيت اقبلي مجمع الأحباب قبالة عمارة السميدة. درب أدوار مجمع الأحباب قبالة مدرسة آمنة بنت وهب درب “الكصب” القصب أمام باب مدرسة عبد الله بن ياسين درب تبحرين1924 بمجمع الأحباب تحول لاحقا لاسم درب الخيرية . درب الحمام بمجمع الأحباب خلف الحمام بساحة المسجد. درب أيت الفقيه حومة سيدي حساين حيث مقر الزاوية التجانية درب الفران منفذه الأصلي بطرق الحدادة والمنفذ الثاني جوار فندق الثمر. دريبة الصوف يمينا بمدخل السوق الكبير من جهة أسراك، جوار بنكBMCE

Composition4 درب التونسي الملاصق بالحمام قرب أسراك، الوحيد الذي يزال ينفرد بخصوصية تمتحي من الطابع الاجتماعي المحافظ للبيوت الرودانية سابقا، يكشف لنا درب التونسي عن مكنون متعدد الأوصاف المعمارية التي يجسدها “أعكمي” ، وهو ممر طويل / دهليز يربط بين الباب الخارجي وفناء وسط الدار، من مميزات “أعكمي” أنه يكون مكيف الهواء تلقائيا أثناء أربعينية قيظ الصيف/ سمايم العنصرة. هذا النموذج من الدروب/ أعكمي كانت تارودانت تجمع نماذج متعددة منه، قبل أن تأتي عليها عوادي الزمن؛ بقي نموذج وحيد بأصالته التقليدية لم يدخل عليه ترميم بالجبص ولا الاسمنت، يجسده اليوم درب التونسي بخاصياته المعمارية البسيطة التي تمكنت من الصمود والتحدي رغم مرور قنوات الصرف السائل للحمام من وسط الدرب مند 100 سنة الى اليوم، أول الخاصيات المعمارية بهذا الدرب النموذج spécimen الباب المزدوج المسمى “الزوزة” أو “الخوخة” رغم أن حجم الباب طولا وسمك خشبه لا يستوفي شرط التسمية الثانية، الخاصية الثانية صابة الأشقاف/”اضرسيس” بأذرع خشب الزيتون عرضا أقل من نصف متر بين الدراع والآخر، وأضلع خشب الأركان طولا تتجاوز المائة في كل صف مرصوص، طول وحدة الأضلع يتجاوز النصف متر بقليل كي ترسوا فوق الأدرع، لتثبت بكمية من التراب المخلوط بالماء ؛ فيما الصابة ككل فطولها 32 خطوة وعرضها 2,5 خطوتين ونصف الخطوة غير ممدودة ولا مجموعة. أما الخاصية الثالثة وهي استثناء روداني بهذا الدرب دون سواه، نظرا للاعتبار الاجتماعي لصاحبه المرحوم سي الحسن التونسي وأبناءه من بعده المرحوم الأب جيكو وشقيقه البروفسور سي عبد القادر بارك الله في عمره، فهي تواجد جلستين بالآجور المسطح “دكانة” متقابلتين قصيرتين مباشرة خلف الباب، تعتبران ملتقى الأصدقاء والأقران لتبادل حديث اللسان، وهي صيغة بديلة خاطفة لجلسات كأس الشاي المطولة تحت الأشجار الظليلة في الحديقة/ العرصة … درب النخلة بتفلاكت، جديد محدث نتج عن تفتيت العقار الفلاحي لمالكه الأصلي المرحوم أبا الهاشمي بوتفوست شيخ رْبع مجمع الأحباب زمن كان، ونضيف كون هذا الدرب ليس الوحيد بتارودانت الذي له مواصفة عمرانية تأهله لحمل ذات الاسم ، بل يوجد درب ثاني جديد في حي نيارة يمينا قرب مختبر التحليلات الطبية، ودرب ثالث يسارا قرب اعدادية رحال المسكيني ، ودرب رابع يسارا بمدخل البلاليع جوار ضريح سيدي الحاج ابوتابت، للأسف ثم اجتثاث النخلة المعمرة قبل أشهر بعدما تجاوزت ارتفاعا الدور المجاورة 25 متر، أي عمرها 150 سنة وزيادة، وحالة خامسة يمينا أمام مصبنة 20 غشت بأكافي سرى عليها حكم الإعدام ذات ليلة هي الأخرى …

Composition1 درب الهروب بحومة القصبة، هو الملاصق لمحكمة قضاء الأسرة، وبداخل حومة القصبة عدد من الممرات الرابطة تنسب مجازا لأسماء قاطنيها القدامى من سكان القصبة : درب أيت فلان. بقي عدد من الدروب بأسمائها ترقى في سلم كثافة النسمة السكانية اليوم لدرجة حومة / حي، منها درب يحيى بن الطالب /اوالطالب ودرب الوخشاشي / الحشيش وهما شخصيتان ميسورتان لهما أفاضل جمة على رقي العلم والعلماء والمتعلمين بمدرسة الجامع الكبير أيام الدولة السعدية من خلال العقارات التي قاموا بتحبيسها وقفا شرعيا لذات الغرض. درب الجزارين ودرب أهل أقا، جميعها أسماء رودانية لها ذكر في الوثائق العدلية بالحوالة الحبسية مند عهد دولة السعديين . أيضا درب الشنكيطي بباب الزرقان ودرب الضو ودرب المعلم محماد بباب ترغونت، ودرب الشريف باقنيس ودرب كسيمة بأسراك ودرب الزمالة بمجمع الأحباب ودرب الأندلس بسيدي وسيدي ودرب العفو بباب الخميس … هي بالأصح اعتبارا لكثافتها السكانية ونفاد عمقها بعد دخولها، يمكن تعدادها في خانة حومات قائمة الصفة الاجتماعية، على غرار تجمع توتجنت وتفلقت – هكذا سجلت عدليا- الذين لهما مواصفات الدرب ويمتلكان مع ذلك صفة الحومة، أيضا تسوكت غزيفن/الدريبة الضيقة حيث يتجاور عدد من العائلات الرودانية منهم المعتصم به والخليلي والرياحي وأمين …

Composition3 يسير على هذا المنوال فضاءات حضرية رودانية أخرى، لها حمولة تاريخية متجدرة دونتها كتب الرحالة الجغرافيون العرب والمستكشفون الأوربيون، كما أن لهذه الفضاءات دلالة محلية رودانية تحيل على التنوع البيئي وغنى المجال الطبيعي بمدينة تارودانت مند القدم الى حدود سنة 1980، تاريخ بداية موجة الجفاف الحاد المتواصل الذي جثم على المنطقة ككل، فأتى على الأخضر من الشجر ليحل مكانه الحجر، وغذى الحاضر المعلوم بالأمس، يحيل على مسمى مجهول غائب اليوم، وقد كانت وقتئذ ملهمة لأصحابها، يعشقون ويتفننون من بين ثلاثة أذواق منفردة أو مجتمعة ما يناسب الدوق الطبيعي والحس الجمالي ما بين الجنان النباتي والجنان الغذائي وجنان الغلل الموسميةjardin potager, jardin nourricier, jardin fruitier وما بين ظلالها وجنب سواقيها تعقد جلسات “كأس العصر” . بالرغم من الذي حل قدرا بالأجنات الرودانية، أرى من وجهة نظر شخصية وأتمنى أن تجد آذانا صاغية، أن نحافظ على تلك المدلولات التي تحيل على جمالية اسمية وطبيعية على غرار ما سارت وحافظت عليه، وتفتخر به وتغني عليه العاصمة السلطانية فاس نذكر جنان السبيل و”جردة” مردوخ ، وبالعاصمة الخليفية مراكش نجد عرصة المعاش وعرصة مولاي عبد السلام ، ونسجل على الأقل للتاريخ بتارودانت بعض الأسماء : جنان بلارج باب الزركان – جنان الزنبوحة بنيارة – جنان العنب باب ترغونت – جنان الرمان وجنان عبلة بتفلاكت – جنان الخير بأكافي كل زمن وتارودانت بألف خير

2016-08-11
المشرف العام