أكادير أوفلا : التاريخ المنسي

روبورتاج من إعداد مصطفى جلال

قصبة البيكو كما سماها البرتغاليون أو قصبة أكادير أوفلا ، تعتبر من المناطق التاريخة الضاربة في القدم بمدينة أكادير ، و تتواجد هذه القصبة  فوق جبل يرتفع بأزيد من 200 متر عن سطح البحر  ، جاعلة عرشها  فوق ميناء المدينة و منها على المحيط الأطلسي ، موقعها الاستراتيجي المتميز جعل منها قبلة للسياح المغاربة و الأجانب ، صعود الجبل متاح للسيارات و الدراجات عبر منعرجات  مُعبّدة ، مما يجعلها تعج بالزوار الذين يستمتعون بمنظر ” بانورامي ” يُطل على المدينة و مينائها و خليجها .

تاريخ القصبة

تأسست قصبة أكادير أوفلا ، حسب المصادر التاريخية ، في عهد الحكم  السّعدي  على يد السلطان محمد الشيخ السعدي سنة 1540 م ، وكان الهدف من إنشاء هذه القلعة هدفا  عسكريا و دفاعيا محضا ، بغية التحكم في ضرب البرتغاليين الذين استقروا في سفح الجبل منذ 1470 م ، و ﻣﻜﻦ موقع القلعة ﺍﻻ‌ﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻲ ﻣﻦ ﻗﺼﻒ ﺍﻟﻤﻨﺸﺂﺕ ﺍﻟﺒﺮﺗﻐﺎﻟﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﺪﺍﻓﻊ  ﺳﻨﺔ  1541  م  حيث تم خلاله  ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﺤﺼﻦ ﺍﻟﺒﺮﺗﻐﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺴﻤﻰ آنذاك بـ “ﺳﺎﻧﺘﺎﻛﺮﻭﺯ” ، مما يبين الأهمية العسكرية الدفاعية لهذه القصبة السوسية .

كانت القصبة قديما عبارة عن مدينة صغيرة تحيط بها الأسوار من كل جانب ، تعج بالحركة و الحياة  ، منازل و أزقة و مسجد كبير بالإضافة إلى مرافق أخرى تُسَهل حياة قاطني هذه القصبة ،  تواجد الملاح بها دليل على تعايش المسلمين و اليهود

زلزال مدمر

حائط الذكرى
حائط الذكرى

” لئن حكمت الأقدار بخراب أكادير، فإن بناءها موكول إلى إرادتنا و إيماننا ”  ، قولة مأثورة لملك راحل ، أطلقها  آنذاك الملك محمد الخامس من اجل إعادة إعمار أكادير  ، و لاتزال كلمات هذه القولة إلى الآن محفورة على حائط الذكرى  بأحد شوارع المدينة مقابل القصر الجماعي لمدينة  الانبعاث ، هذه المدينة التي  انبعثت من جديد بعد ان خلف زلزالها المدمر الآلاف من الضحايا و دمارا هائلا  ، أصبحت الان من بين أهم المدن السياحية بالمغرب  .

العام الذي سقط فيه أكادير ، أصبح مرادفا لسنة 1960 السّنة السوداء في تاريخ المغرب و تاريخ أهل سوس ، زلزال مدمر خلف   في 15 ثانية  15 ألف قتيل ومفقود و 25 ألف جريح من جنسيات مختلفة ( مغربية، فرنسية، برتغالية، روسية، هولندية ) لم تسلم من دماره قصبة أكادير أوفلا ، حيث تعرضت القلعة لدمار كلي لتتحول في ثوان  لأطلال تخفي تحتها آثار حضارة عريقة وتاريخ مجيد ، أحياء إحشاش و فونتي و تالبرجت اكثر الأحياء دمارا بالمدينة .

قصبة تشكو ظلم ذوي القربى

أكادير أفلا
أكادير أفلا

في الوقت الذي يجب ان تتظافر فيه الجهود و تتّحد من أجل إنقاذ قصبة أكادير أوفلا ، تجد هذه المعلمة لا تزال تعاني من الإهمال و التهميش ،  حيث أن الزائر لهذه المنطقة بعد أن يصلها عبر منعرجات الجبل ، يرى سورها الأمامي المدعم بأبراج صغيرة يوحي منذ الوهلة الأولى  بغرضه العسكري الدفاعي ، مُعرّفا بفترة من فترات  تاريخية و حقبة مجيدة في تاريخ المغرب و تاريخ عاصمة سوس ، وبعد ولوج الزائر للباب الوحيد لهذه القلعة الذي بقي صامدا ، وصعوده بضع درجات ، يجد نفسه أمام أسوار متدهورة و فضاء يُرثي حاله ، فضاء تحولت جنباته إلى مكان للتسكع يتخذه بعض الأشخاص مكانا لتناول أنواع الخمور خاصة أثناء الفترات الليلية ، ناهيك عن  الفضلات المنتشرة في كل مكان ، وضع يستلزم أكثر من وقفة  والتفاتة  للوقوف على الأسباب  التي أوصلت هذه المعلمة لهذه الحالة التي تدمي قلوب أهل سوس ، فرغم ما تعانيه و محاولات الترميم التي لم ترقى لمستوى المعلمة التاريخية  ، تبقى قلعة  أكادير أفلا وحيدة تقاوم الزمن فوق جبل يُعتبر وجه المدينة ،  و هو الجبل الذي ما إن يراه الشخص داخل و خارج أرض الوطن إلا و يعرف انه لمدينة الانبعاث ، جبل يحمل شعار المملكة المغربية  و بأحرف بارزة ، الله الوطن الملك .

مرور 56 سنة عن سقوط القصبة

56 سنة بالتمام و الكمال مرّت على العام الذي سقط فيه أكادير  ،  سنوات خلت خلفت مآسي و جروح لم تندمل بعد رغم مرور كل هذا الوقت ، تمر السنوات سريعا و تبقى أطلال أكادير أوفلا شامخة فوق جبل يحتضن شعار المملكة ، مغربية أنا فخورة بانتمائي ، بناني الأجداد و تنكّر لي الأولاد هكذا حال أكادير أوفلا ،  مبادرات جمعوية سنوية  للتذكير بهذه الذكرى الأليمة ، ذكرى سقوط أكادير و معها قلعة أكادير أوفلا ، شاءت الأقدار و حكمت بخرابها ، لكن ما تبقى منها يبقى شاهدا على عصر من عصور مغربنا الحبيب .

أكادير أوفلا و السياحة

أكادير إغير
أكادير إغير

أكادير أوفلا اسم يؤكد إلى الآن مكانة و علو قدر هذه المنطقة   ، أوفلا بالأمازيغية تعني الأعلى ، القصبة العليا ، تُنعث بهذا الاسم  لتربعها على أحد أعلى التلال  بالمدينة ، و تُعدّ هذه الوجهة  من المناطق السياحية بامتياز اطلالتها على كل المدينة تغري السياح المغاربة و الأجانب ، مما جعل منها واحدة من المناطق السياحية المهمة بمدينة أكادير ، نسمات الهواء العليل فوق التّلة و المنظر البانورامي و الرغبة في الوقوف على قصبة أوفلا هي أكثر ما يجذب السيّاح لهذه المنطقة ، نظرة  إلى الأفق من على علو 236 مترا تغري زوار أكادير ، منظر سرعان ما يندثر أمام ما يجده الزائر من إهمال و خراب يطال هذه المعلمة التاريخية .

منظر من أعلى الجبل
منظر من أعلى الجبل

منطقة أكادير أفلا تحتاج لعملية انقاذ سريعة من طرف المسؤولين و القائمين على الشأن المحلي  والثقافي و السياحي ، بل و تحتاج لكل أبنائها الأبرار ، فقد سئمت القلعة من نظرات الزوار للكتابات الحائطية المنتشرة بشكل كبير على أسوارها و أبراجها و فضلات الحيوانات المنتشرة بجنباتها  ، ناهيك عن  الأزبال و القاذورات  المنتشرة في كل مكان .

كلمات دليلية ,
2016-09-03
المشرف العام