“باحماد” وقصر الباهية بمراكش

علي هرماس

كانت عائلة ” باحماد ” عائلة عبيد وخدم تركها سيدي محمد بن عبد الله لوريثه المولى سليمان، وقد ترعرع أحد أبنائها أحمد بن مبارك في خدمة السلطان ليصبح أحد وزرائه رغم أصله … طيلة قرن من الزمن تقلد أفراد هذه العائلة مناصب ومسؤوليات رفيعة وجسيمة ، فأحد أبنائها سيصبح أمينا ووزيرا للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، كما أن أصغر أبنائها أحمد المشهور باسم ” با حماد ” ستكون له سلطة كبيرة بعد وفاة السلطان الحسن الأول … حيث أشهر سلطته ضد النخبة المتحضرة الفاسية والتي تكن له الكراهية وعلى رأسهم عائلة المعطي الجامعي(أخوال السلطان الحسن الأول) ومن فروعهم محمد الجامعي الذي عمل باشا بتارودانت من 1946م إلى أن طلب إعفاءه أيام الأزمة المغربية سنة 1953م. لم يستقر ” با حماد ” بمكناس لأنه كان يعلم أن خطر الانقلابات ضد السلطة يأتي في الغالب من سوس مهد المرابطين والموحدين والسعديين، لدا فقد رحل إلى عاصمة الجنوب الخليفية مراكش رفقة السلطان مولاي عبد العزيز و”الملكة” الأم رقية، وأصبح با حماد في طرفة عين شخصية قوية ومهابة.

نهاية القرن 18 كان الخليفة بمراكش شخص يدعى عباس بن داوود، كان على شاكلة باحماد صارما ، لكنه عادلا في أحكامه ومهاب الجانب وعلى قدر من التعلم. له بنت حباها الله بالحسن والبهاء اسم على مسمى – بهية وليس الباهية- تزوجها با حماد وافتتن بها لدرجة شيد لها قصرا على مساحة 10 هكتارات ، وسماه باسمها (قصر الباهية) تتبحبح فيه رغد العيش، لكن أيام الغر هذه لم تعمر طويلا ، حيث توفي باحماد في إحدى زياراته لجنوب سوس ومن المحتمل أن يكون مات مسموما سنة 1318هـ ودفن بتزروالت ناحية تزنيت المدينة التي شيد سورها المولى الحسن الأول بعدما أضحى لها في هذه الفترة دور بارز عسكريا ومهم تجاريا.

photo0298 طردت عائلة باحماد من مراكش وسلبت منها ممتلكاتها، ونفس المصير لاقاه صهره المدعو عباس بن داوود حيث نفي ولحقت به بنته الباهية هربا من الفوضى والخراب والنهب ، لم يكن للباهية أبناء من زوجها الوزير الصدر باحماد الذي تركها وعمرها لا يتجاوز 22 سنة حيث توفيت من هم وكمد بعده بسنتين.

ما العيش إلا ليلة ويـوم *** والعيش إلا يقظـة ونـوم

يعيش قـــوم ويموت قـوم *** والدهر قاض ما عليه لـوم

أحمد بن موسى بن مبارك السوسي المنبهي عمل حاجبا للسلطان المولى الحسن الأول وكان يطمع في رئاسة الحكومة، فلما ولاها السلطان لخاله السيد المعطي الجامعي، غضب أحمد كاظما الغيظ ضامرا للشر ، ولما توفي السلطان بتادلة أعلن أحمد بن موسى تتويج ابنه المولى عبد العزيز الصغير السن آنذاك. وما إن دفن المولاي الحسن بالرباط وحل موكب المولى عبد العزيز بمكناس أوعز الى حمو الجيلالي البخاري باشا المدينة بالقبض على المعطي الجامعي وأودعه السجن بتطوان حتى مات في فقر مدقع بعدما صادر كل أمواله، وفعل مثل ذلك بعمال النواحي وكافة الوزراء ، ثم رمى بالباشا حمو إلى تارودانت حيث مات 1318هـ ودفن بمقبرة ” سيدي وسيدي “.

photo0208 كان الوزير الصدر أحمد بن موسى يقول عن رئاسة الحكومة إذ ذاك إنما ستر الفضيحة، وأنه لو تخلى عنها لفاح نثنها ولكن باحماد هذا الذي سطا على صدارة الوزارة، كما سطا عليها أبوه من قبل أيام المولى الحسن وبتعضيده لولده أصبح هذا الأخير حاجبا، لا يهمه إلا أن يكون هو وأنصاره وحدهم في الميدان. ولهذا السبب أرسل القايد سعيد الكليوي لجنوب سوس حول تزنيت، والباسا حمو البخاري إلى شرقيه وشماله حول تارودانت وكانوا أكثر الولاة الشرهين النهمين جبابرة سفاكين فكانوا سببا في نفور الرعية من ممثلي السلطة . يبدو قصر الباهية الذي شيده الصدر الأعظم باحماد بمراكش في مستوى أجمل القصور الملكية، أشرف على العمل الفني المعماري به المهندس الحاج محمد المكي، والقصر عبارة عن إضافة جديدة فخمة ضمت إلى قصر والد باحماد وهو موسى البخاري، ويشمل رياضا ممراته من الرخام الايطالي، والفسيفساء الفاسية وقام برصها وتصفيفها مع أشغال الزليج أمهر عمال جلبوا من فاس ومكناس، وحظيت القاعات الرئيسية بعناية فائقة بسقوفها الخشبية وجدرانها تغطيها الزخارف والكتابات الجبصية المشرقية والأندلسية. وقد وضع باحماد يده على عدد كبير من الدور المجاورة والأزقة فهدمها وأدخلها إلى قصره الذي ظل قابعا وسط مبان متواضعة ومتنافرة. توفي باحماد سنة 1318هـ/1900م، وكان شيئا عجيبا أن يتفرغ في أخر حياته لبناء قصره ملازما له أكثر وقته متيما ببهية مفضلة في عمر بناته، بينما كانت مهمته كصدر أعظم ووصى على العرش ومسير فعلي للدولة المغربية ، تقتضي منه أن يلتفت للأخطار المحدقة بحدود البلاد التي أمست هدفا من قبل الدول الأوربية الاستعمارية كالألمان بسوس والبرتغال بالجديدة والعرائش واسبانيا بالجنوب والشمال وفرنسا بالشرق، وأنشأ شقيقه سعيد المنبهي قصرا يحمل الآن اسم ” دار سي سعيد ” بمراكش وهو أصغر مساحة، به قاعتين عجيبتين فسحة وارتفاعا، جمعتا من الفنون العربية والمغربية الجبصية والخشبية والزخرفة ما يستوقف الزائر المتأمل مطولا، ويعفيه من الطواف بين كثرة الأروقة والممرات والباحات بنافوراتها والفسحات بأشجارها بقصر الباهية، دار سي سعيد اليوم، على غرار مزار قصر الباهية، حولتها وزارة الثقافة لمتحف به معروضات أسلحة نارية/بوشفر وبيضاء/خناجر وكُميات بمقبض من العاج وقرن أوداد وأواني الفخار لإعداد الكسكس والحساء وتخزين الإدام والحسكات الطينية والمبخرات المزلجة وصحون المقبلات، الكل يعود لفترة من تاريخ المغرب ما قبل استعمال ماعون المعدن، والزرابي الصوفية والكساء الأبيض الخشن وغطاء الحرير الحر الخاص بآنية الشاي، وأبواب خشب الأرز للمداخل والنوافد… جميع الوحدات المعروضة مصنفة تحف اثنوغرافية antiquité محروسة داخل عارضات زجاجية vitrine وكاميرات المراقبة، سعيد بن موسى شقيق باحماد هو الآخر توفي 1900، أما داره فتبلغ مساحتها3400م² بنيت أواخر القرن 19.

photo0238 كان الجيلالي الزرهوني (بوحمارة) مخزنيا في خدمة قائد الجيش عبد الكريم ولد با امحمد الشرقي، ومن هناك وجه في عهد السلطان مولاي الحسن نحو دراسة الهندسة العسكرية بالمغرب بإشراف ضباط فرنسيين ، زيادة على ما حصل عليه من معارف عسكرية وهندسية. وبدل أن يستفيد الجيش المخزني من تكوينه مهما كانت مردوديته عين كاتبا لدى الخليفة مولاي عمر بفاس، وهناك تعرف على أحد المخازنية الذي عمل ” مشاوريا ” بقصر الخليفة، وهو المهدي المنبهي شقيق باحماد الذي أصبح صديقا له. غير أن المنبهي رقاه شقيقه الصدر الأعظم بسرعة كقائد ، ثم أصبح وزيرا للحربية أيام المولى عبد العزيز الأمر الذي لم يكن يحلم به قط، وبذلك أثارت ترقية القائد الأمي غضب الكاتب المتعلم الذي كانت تجري على مشهد منه مظاهر التدهور والانحطاط في أوضاع الإدارة والجيش والحكومة والرعية، والتي كان سببها الصدر الأعظم باحماد. هذه هي الشرارة التي أدكت نار الفتفة لدى الجيلالي الزرهوني وهي التي اصطلح عليها في تاريخ المغرب ” ثورة بوحمارة ” .

كلمات دليلية , ,
2016-09-09
المشرف العام