حديقة ماجوريل بمراكش

علي هرماس لسوس 24 جاك ماجوريل Jacque Majorelle 1886-1962 رسام مستشرق فرنسي وابن نجار شهير لفن الأثاث المعاصر الفاخر ébéniste لويس ماجوريل Louis Majorelle . اكتشف جاك المغرب في سنة 1917 بدعوة خاصة من المقيم العام الفرنسي شخصيا المارشال ليوطي، افتتن جاك بمدينة مراكش فقرر أن يتملك بها ، فاقتنى في 1923 بستان كبير من أشجار النخيل وهو ما يعرف اليوم تحت اسم حديقة ماجوريل رغم التغير الجدري اليوم للبنية الطبيعية بوجه مختلف.

photo0562في 1931 طلب من المهندس الفرنسي بول سينوار Paul Sinoir إعداد ورشة للرسم بأسلوب فن الديكور طلاها الرسام جاك ماجوريل بلون أزرق قاني Bleu foncée وهو الإلهام البصري الذي حمل لاحقا اسم أزرق ماجوريلBleu Majorelle نسبة لمبتكره قبل أن يتحول اليوم الى لون تزيين واجهات البنايات والأرصفة ببعض المدن المغربية الساحلية كالصويرة وأصيلا وطنجة ومؤخرا أكادير، والمدن البيئية كشفشاون . حول هذا اللون تمكن الفنان المبتكر من خلق تحفة للفن الحي “حديقة ماجوريل” أهم ما اشتملت عليه نباتات فريدة وغريبة وأصناف نادرة التي حملها معه أثناء سفرياته عبر أرجاء العالم . انطلاقا من 1947 قرر فتح حديقته للعموم، وفي هذه الفترة أيضا أي 1942 قرر ضابط الشؤون الأهلية بتارودانت القبطان دونا Denat إنشاء حديقته العمومية الحالية فيما كان يسمى وقتئذ المدينة الأورباوية بتارودانت La citée européenne ، لذا يمكن استنتاج أن هذه المشاريع الاجتماعية لم تكن بريئة في زمنها، لذا اتخذ منها المغاربة موقف الحياد والمقاطعة خصوصا في مدينتين مثل تارودانت ومراكش اللتان تعجان بعراصي التنزه، لكن دار الزمان وأضحت متنفسا وحيدا يتيما في المكان .

photo04761962 اختطف القدر جاك ماجوريل عقب موت مفاجئ فبدأ الإهمال يدب شيئا فشيئا لحديقته، إلى أن وصلت حالة مزرية في مدينة مغربية تشهد حرارة مفرطة صيفا وبردا قارسا شتاء. 1980 تدخل فرنسيان آخران من عشاق مدينة النخيل، هما رجل الأعمال بيار برجي Pierre Bergé مؤسس مقاولة متخصصة في صنع الأثواب الفاخرة وإعداد الألبسة الجاهزة Prêt à porté ، وصديقه المصمم العالمي الشهير styliste modéliste إيف سان لوران Yves Saint Laurent. اقتنوا الحديقة لإنقاذها من جشع لوبي المنعشين العقاريين سماسرة المضاربات الذين أبانوا عن تربصهم بها للسطو عليها، خصوصا وأن مدينة مراكش شهدت تحولات اجتماعية وعمرانية كبرى وتوسعت المدينة بشكل كبير، ولم يعد المكان خلاء كما كان سنة 1917، بل أصبحت معها الحديقة تحتل موقعا استراتيجيا للاستثمار العقاري التجاري وهي على بعد 300 متر تقريبا من المحطة الطرقية بباب دكالة، وأحد الشوارع الرئيسية الذي تسلكه مركبات النقل والتنقل ما بين مراكش وأسفي- الجديدة، ويعرف محليا ب”طريق اسفي” الذي تتفرع عنه زنقة ايف سان لوران موقع الحديقة.

photo0577 من يومها حديقة ماجوريل أعيد تهيئتها من جديد، ومجموعات النباتات ثم اغنائها بشكل واسع بأغراس مبتكرة ، أما محترف فن الرسم الذي خلفه ماجوريل فتحول إلى متحف لعرض قطع الثقافة البربرية berbère La culture ، ومقصف للمشروبات المنعشة والدافئة المختارة Buvette ، ومكتبة للمطالعة الحرة ، هكذا فكر مشاهير العالم ، برجي ولوران أصحاب موهبة الذوق الرفيع، لتطوير أداء حديقة ماجوريل وتكامل وظيفتها السياحية الثقافية : حديقة خاصة برونق طبيعي خاص، يمكن الزائر من ظرفية للمطالعة وارتشاف فنجان قهوة دافئة بنكهة مختارة تحت ظلال أشجار وارفة الظلال محفوفا بأصص Pots زاهية الأغراس والألوان. photo0537بعد وفاة ايف سان لوران Yves Saint Laurent في 2008، أسس بيار برجي Pierre Bergé مؤسسة خيرية أطلق عليها اسم Yves Saint Laurent Pierre Bergé- Fondation تحولت لاحقا لاسم آخر هو مؤسسة حديقة ماجوريل Fondation jardin Majorelle ، وفي التفاتة لا تخلو من دلالة أحدث داخل الحديقة تذكار mémorial للمصمم العالمي ايف سان لوران . مؤسسة حديقة ماجوريل هيئة مدنية مغربية معترف لها بصبغة النفع العام، تؤمن عمل الحديقة وتضمن المحافظة عليها بفضل مداخلها الخاصة ، وتعمل في ذات الوقت على استثمار الفائض كليا داخل المغرب عن طريق دعم المشاريع التربوية والاجتماعية والتظاهرات الثقافية وتنظيم الندوات البيئية والأدبية والتعريف بالثقافة البربرية بالمغرب والخارج ، أيضا تحويل إعانات مادية لفائدة المؤسسات الثقافية والتربوية بالمغرب : اوركسترا فيلارمونيا المغرب – المركز السينمائي بطنجة – المدرسة العليا للفنون البصرية بمراكش، تمويل منح الطلبة المغاربة بالخارج، مساعدات تحول لفائدة الأعمال الاجتماعية بالمغرب.

الموارد المالية لمؤسسة حديقة ماجوريل هي التي مكنت من فتح المتحف البربري شهر دجنبر 2011، وستعمل على تاسيس مشروع متحف ايف سان لوران بمراكش في 2017 جنب الحديقة . الحديقة توفر عمل دائم وقار ل93 عامل ومستخدم واستقبلت 683000 زائر خلال سنة 2015 ضمنهم 155000 زاروا المتحف البربري . photo0530

أشير أن تذكرة الدخول بالنسبة للسياح الأجانب هي 100 درهم للشخص وبالنسبة للأجانب المقيمين بالمغرب وعموم المغاربة تسعرة التذكرة هي 40 درهم، أما تذكرة زيارة المتحف البربري 30 درهم ، جميع العمليات مضبوطة بنظام معلوماتي وكاميرات المراقبة ، ورجل أمن برتبة ضابط غير بعيد عن المدخل. بعد أداء واجب الدخول كان رقم تذكرتي 1237853 . كانت زيارة بطعم خاص وإحساس مختلف وشعور ارتياح كبير ونشوة انشراح عميق مختلف تماما عما عشته في المآثر التاريخية بمراكش . بعد نهاية زيارتي التي استغرقت قرابة الساعتين – مر خلالها ثلاثة أفواج من سياح الرحلات المنظمةvoyage organisé دون الحديث عن السياح العابرين – بالقرب من باب الخروج ، جلست في مقعد Banc، أخذني تيه تأمل واسترخاء كلي، تأسفت لوصول مسار الزيارة منطلق البداية او هي نقطة النهاية، كأنما زحمة مخاض الخروج تدفع بي وتطردني خارج الجنة.

2016-09-11
المشرف العام