أية حجية لشبكة الأسعار المرجعية المعتمدة في تصحيح القيم والأثمنة التقديرية المصرح بها في ميدان الضريبة على الدخل المترتبة على الأرباح العقارية وضريبة التسجيل؟

2016 09 27
2016 09 27

بقلم :المختار السريدي

*** بعد طول انتظارو بعد مخاض عسير ، تم الإعلان من طرف الإدارة الضريبية – وبشراكة مع عدد من الفاعلين وذوي الشأن والصلة والإختصاص – عن شبكة جديدة مفصلة لأسعار العقار(1)، انبثقت عن توصيات المناظرة الوطنية للجبايات المنعقدة بالصخيرات وعن توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ، الهدف منها ضبط جميع العمليات والمعاملات العقارية وتنظيمها والتحكم فيها دونما تستر أو تلاعب أوصورية ، أملا في تحسين العلاقة بين الإدارة الضريبية والمتعاملين معها ورقمنة جميع الإجراءات الإدارية الجبائية ، بحثا عن الشفافية والوضوح والقطع مع جميع أشكال وأساليب التملص الضريبي المستشري في القطاع والحد ما أمكن من بعض المنازعات الإدارية والقضائية التافهة منها أو الكيدية . و تعد هذه الشبكة الوسيلة الإثباتية الوحيدة المتوفرة لحد الآن لدى الإدارة الضريبية ، من أجل القيام بأي تعديل أوتصحيح أومراجعة للقيم والأثمنة التقديرية المصرح بها أوالمعبرعنها في مختلف العقود والاتفاقات والإقرارات التي يودعها الخاضعون للضريبة لدى قباضات إدارة الضرائب سواء كانوا مفوتين أو مفوت لهم . وهي عبارة عن معطيات حقيقية وواقعية ومحينة يلجأ إليها مفتش الضرائب المختص ـ باعتماد المقارنة الدقيقة ـ كلما لاحظ أواكتشف أن هناك نقصانا في الأثمنة والقيم أوعدم مطابقتها لما هوموجود في سوق العقارفي تاريخ إبرام العقد أوالاتفاق . وحتى تكون هذه المعطيات قوية وذات حجية ويمكن اعتمادها في تصحيح الأساس الضريبي ، يجب أن تكون كتابية وصحيحة شكلا ومضمونا وذات قيمة قانونية ، وغالبا ماتكون عبارة عن عقود رسمية كانت أم عرفية أووثائق أوأوراق أو مستندات أومحاضرقانونية …

وبالرجوع إلى المدونة العامة للضرائب فإننا لم نكد نعثر ضمن موادها القانونية على أية إشارة سواء من قريب أومن بعيد إلى عناصر المقارنة كوسيلة من الوسائل التي يمكن اعتمادها في تصحيح الأساس الضريبي ، وبالتالي فإن باب الاجتهاد يبقى مفتوحا على مصراعيه أمام مفتش الضرائب في إطار السلطة التقديرية التي يخولها له القانون الجاري به العمل . وتهدف طريقة الإعتماد على هذه العناصر في تصحيح الأثمنة والقيم المصرح بها إلى ضمان حفظ حقوق الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية على حد سواء ، من حيث هفوات وزلات مفتش الضرائب أوالأخطاء التي يمكن أن تتسرب إلى قراره قبل أن يكون عنوانا لأي فرض ضريبي تكميلي ، وهوما يحفزهذا الأخير إلى دراسة الملفات المعروضة عليـه دراسة متأنية والتمعن والتعمق في اختيارعناصرالمقارنة ذات القوة التبوثية قبل إصدار أي مقرر في الموضوع . وهذه العناصر لايمكن الوثوق إليها إلا إذا كانت مطابقة ومشابهة في قيمها وأثمنتها مع القيمة أوالثمن المصرح به في العقد أوالإقرارموضوع التصحيح سواء من حيث الزمان أوالمكان أوالخصائص (2)، وهذا ما سنحاول تفصيله من خلال النقط الثلاثة التالية :

أولا : أوجـه التطابق من حيث الزمان :

يقصد بالتطابق مابين عقود المقارنة والعقد موضوع التصحيح من حيث الزمان ، هوأن يجمعها تاريخ واحد أوتاريخ متقارب على الأقل ، بمعنى أن يتم تحريرها في نفس السنة أوبفارق سنة واحدة أو سنتين اثنتين إلى ثلاثة سنوات على أبعد تقديرإذا كان هناك شح أوندرة أوغياب لعناصر مقارنة في نفس السنة ، وهذا ماجرى به العمل في العديد من المصالح والشعب المكلفة بتصحيح الأساس الضريبي ومراقبة التفويتات ، مع العلم أن العقار في ارتفاع قيمته أوانخفاضها قد يتأثر بالتحولات الإقتصادية والاجتماعية التي تحيط به وحتى السياسية أحيانا وقد يتأثر بعوامل أخرى كالجفاف وتراجع الوعاء العقاري وتقلبات سوق العرض والطلب … أكثرمن تأثره بعامل الزمان والوقت، فلا يمكن مثلا الركون إلى عناصر مقارنة تتعلق بسنوات 2006 و2007 و2008 التي عرف فيها العقار أوجه وارتفعت فيها أثمانه بشكل كبير، من أجل تصحيح أثمنة وقيم مصرح بها في عقود محررة سنوات 2013 و2014 و2015 حيث عرف العقار بعض الركود وتهاوت أثمانه وتراجعت أسعاره ، وبالتالي يكون من غير المنطقي بل من غير المقبول الإحتكام إلى عناصر المقارنة تلك في تصحيح الأساس الضريبي لما فيها من مس وإضرار بحقوق الخاضعين للضريبة الذين قد يضطرون إلى تفويت ممتلكاتهم العقارية بأبخس الأثمان بسبب ظرف من الظروف…..

ثانيا : أوجـه التطابق من حيث المكان :

لاشك أن المكان أوالموقع له أهمية كبيرة في تحديد قيمة أي عقار سواء بالزيادة أوالنقصان ، ولذلك فإن التطابق من حيث المكان مابين العقارات موضوع العقود المعتمدة كعناصر للمقارنة والعقار موضوع العقد الذي خضع للتصحيح والمراقبـة ، يبقى مسألة ضرورية لامحيد لمفتش الضرائب عنها ، سواء من حيث تحديد موقع العقار وأهميته وشكله وهندسته وحدوده والغرض المعد له … وهذا لن تكون له قيمة إلا بالقيام بمعاينة عقارية يجريها مأموران محلفان تابعان لإدارة الضرائب . فالعقارات الحضرية سواء كانت مبنية أوغيرمبنية ، تختلف فيها الأثمنة والأسعار من مدينة لأخرى وحتى في نفس المدينة ، بحسب موقعها من تجزئة لأخرى و من حي لآخر ومن زقاق لآخر ومن شارع لآخر … نفس الشيء بالنسبة للعقارات الفلاحية سواء كانت بورية أوسقوية أومغروسة أوتربتها خصبة ،أو توجد بأرض منبسطة أو مرتفعة أو منحدرة ،أو توجد بها أشواك أو أحجارأو صخور،أوتستفيد من الري بواسطة السدود أوالأبار، أوتحتوي على بناءات أومنشآت أوتجهيزات ، أوقريبة من الطرق المعبدة أوالمرافق الحيوية ، تختلف فيها الأثمنة كذلك من قرية لأخرى ومن جماعة أوقبيلة أومنطقة لأخرى داخل نفس الإقليم أوالدائرة الترابية التابعة لنفوذ مفتش الضرائب المختص الذي قد يجد نفسه مجبرا للأخذ بعنصر المكان ضمن العناصر التي يعتمد عليها في الرفع من القيم والأثمان التي تبدوله ناقصة أوفيها إخفاء . ولذلك فالمكان أوالموقع هوعنصرجوهري في تحديد قيمة أو سعرأي عقار كيفما كانت طبيعته أو الغرض المعد له .

ثالثا : أوجـه التطابق من حيث الخصائص :

ويقصد بها التطابق والتشابه مابين خصائص ومميزات ومشتملات ومحتويات وتجهيزات العقارات موضوع العقود المعتمدة كعناصر للمقارنة والعقار موضوع العقد الذي خضع للتصحيح والمراقبة ، لأن لكل عقار طبيعته ، وكل عقار لما أعد له ، ذلك أن العقار المحفظ ليس هوالعقارغيرالمحفظ أوفي طور التحفيظ ، والعقار المعد للبناء ليس هوالعقارالمبني ، والعقار المبني بناء تاما ليس هوالعقارالمبني جزئيا أوفي طورالبناء ، والعقار المخصص للأعمال التجارية أوالمهنية أو الحرفية ليس هوذاك المخصص للسكنى أوللإيجار، وحتى هذا الأخير نجده يختلف بحسب جودة البناء وهندسة البناء والمواد المستعملة في البناء وحجم المساحة المبنية وغيرالمبنية ومختلف التجهيزات الأساسية والضرورية المتعلقة به ، والعقار المخصص للفلاحة البورية المعتمدة على الأمطارليس هوالعقارالمخصص للفلاحة السقوية المعتمدة على أنظمة وطرق الري المختلفة… كل هذا الاختلاف في الخصائص والمميزات ينعكس بشكل كبيرعلى القيم والأثمنة والأسعار التي قد تتغيربتغيرطبيعة وأهمية وتخصيص العقار موضوع التفويت .

وتحسبا لأي طعن كيفما كانت طبيعته سواء كان إداريا أوقضائيا أوأمام اللجان الضريبية المحدثة لهذا الغرض ، فإن على مفتش الضرائب المكلف بمراقبة التفويتات أن يكون متزنا ويقظا في اختيارعناصرمقارنة قوية وواقعية ومنسجمة تنطلق من عقود بيوعات وأشرية ومن محاضرووثائق ومستندات مكتوبة وذات قوة ثبوتية فيها من أوجه التشابه والتطابق والتوافق مع العقار موضوع العقد الذي وقع تصحيح قيمته أوثمنه مايكفي لإبعاد عملية التصحيح ككل عن أي إلغاء أوإبطال كيفما كانت الجهة التي قامت به .

ومع ذلك فقد تصدى القضاء الإداري في العديد من الأحكام الصادرة عنه لمسألة ضرورة التطابق مابين عناصر المقارنة المعتمدة في تصحيح الأساس الضريبي ومابين العقد أوالإقرارالذي تم تصحيح قيمته ، سواء من حيث الزمان أوالمكان أوالخصائص . حيث جاء في حكم عن المحكمة الإدارية بأكادير صادربتاريخ 08/03/2007 ، مايلي : “….. عدم توفرالإدارة أثناء مباشرتها لمسطرة التصحيح على عناصرمقارنة جديرة بالإعتبار، حيث تم الإستدلال بعقدين بعيدين عن موقع العقارموضوع الرسم التكميلي ، ولا تتوفر فيهما مواصفات عقد شراء المدعي من حيث الموقع والبعد عن المرافق الحيوية …. وكذا من حيث وجود طريق غير معبدة موصلة إليه …. وحيث أنه تبعا لذلك يبقى التصحيح الذي قامت به الإدارة لتصريح الملزم غيرمؤسس واقعا ويتعين استبعاده….” (3) وجاء في حكم آخرصادرعن نفس المحكمة بتاريخ 24/12/2006 ، ما يلي : ” …. وحيث أن المحكمة بعد دراستها لملف القضية ، تبين لها أن جوهر النزاع بين المدعي وإدارة الضرائب ينصب حول تحديد قيمة الأرض …. وحيث أنه عند مراجعة الإدارة الضريبية للأثمان التي أدلى بها الملزم بالضريبة في إقراره وأدى على أساسها رسوم التسجيل . يجب أن تكون الأسس الجديدة معتمدة على عناصر مقارنة حقيقية تنطلق من بيوعات مشابهة للعقار موضوع الفرض الضريبي في الزمان والمكان والخصائص . وحيث أن إدارة الضرائب أدلت بعقدين للمقارنة اعتمدتهما لتحديد الأسس الجديدة للفرض الضريبي . وأن المحكمة بعد دراستها للعقدين تبين لها بأنهما لايمكن أن يكونا نموذجين للمقارنة لأنهما يتعلقان بعقارين لايوجدان بنفس منطقة العقار موضوع الرسوم التكميلية المطعون فيها ، وكما أنهما لاينصبان على أرض فلاحية فقط ، بل يشملان أرضا فلاحية بما فيها من تجهيزات أساسية من شأن تواجدها أن يؤثر في الثمن موضوع البيع . وعليه تكون الأسس المعتمدة من طرف إدارة الضرائب غير مطابقة لخصائص العقار موضوع الدعوى ….” (4).

هذا الموقف القضائي الذي يبدو أنه قد جاء ليحد من السلطة التقديرية لمفتش الضرائب في اعتماد عناصر مقارنة تنسجم مع العقد موضوع التصحيح والمراقبة ، فإنه بالمقابل يبدو قويا وصارما بعض الشيء ، خصوصا وأن الأمر يتعلق بمسائل ومعطيات واقعية تتميز بالنسبية والتقريبية ولايمكن بأي حال من الأحوال أن تخضع لمنطق أومعيارأوضابط معين يمكن بواسطته أوعلى ضوئه الإحتكام إلى عناصر مقارنة دقيقة غاية الدقة وأكثر واقعية من الواقع . لكن رغم ذلك تبقى للقضاء الكلمة الفصل ، في فض جميع النزاعات من هذا النوع حيث غالبا ما يعتمد في عديد أحكامه إما على الخبرة القضائية أو على عناصر مقارنة مضادة أو على مقارعة الحجة بالحجة أو الإكتفاء بالإقتناع الصميم .

عصارة القول أن الشبكة المرجعية لأسعار العقار المعتمدة في تصحيح الأساس الضريبي ، ليست قرآنا منزلا أو ظهيرا شريفا أو عملا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وإنما هي من صنع الإدارة ومن صنع إداريين متخصصين ، وبالتالي فهي قابلة للتغيير ولإعادة النظر وللتحيين كلما دعت الضرورة إلى ذلك ، وعلى الذي يستعملها أو يحتكم إليها أن يستفتي في ذلك ضميره ومسؤوليته الإنسانية قبل مسؤوليته القانونية . كما أن القضاء يقف دائما بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التلاعب بحقوق البلاد والعباد .

انتهــــــــــــــى

هوامش :

1- لقد ساهمت في إعداد المدونة المرجعية للاسعاربالإضافة إلى المديرية العامة للضرائب كل من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية والفدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين وبنك المغرب والمفتشيات الجهوية للتعمير والوكالات الحضرية . 2- انظر مقالنا المنشور بجريدة العلم بتاريخ 13 – 06 -2012 تحت عنوان ” القوة التبوثية لعناصر المقارنة المعتمدة في تصحيح الأساس الضريبي ” . 3- قرار عدد 83/07 ملف عدد 140/2006 ش . 4- قرار عدد 463/06 ملف عدد 24/2006 ش.