باب أولاد بنونة: الأصل والارتباط التجاري

بقلم الكاتب والباحث علي هرماس: طيلة القرن التاسع عشر، ظلت حدود مجال النفوذ القبلي بسوس محط نزاع باستمرار ، ولتنافس الزعامات القيادية دوركبير في هذه الأزمات التي أضرت كثيرا بتجارة القوافل ودورها في التموين المحلي ما بين مناطق سوس ، فكان من نتائجها تواطؤ الجهة المشرفة على أمن وسلامة التجارة في محطات النزول، وقطاع الطرق الذين يترصدونها بعيدا بعد مغادرتها ويتربصون بها الدوائر للظفر بغنيمة السلب والنهب؛ هذه الوضعية الاجتماعية نتج عنها استنكاف أرباب القوافل والجمالة chameliers المؤتمنون على بضاعتها التنقل لمسافات بعيدة بأعداد كبيرة من الجمال . من أهم هذه الخطوط التجارية مسار خط الصويرة وقصبة اكادير فتارودانت؛ ثم من فنادق تارودانت فسانتاكروز بماسة الى دار ايليغ بتازروالت ناحية تزنيت . فكانت نزالة تارودانت بسورها و فنادقها 14 كل حسب تخصصه التجاري محطة مهمة و”بورصة” تداول مختلف السلع المجلوبة من الصحراء أو المستوردة من البحر، هنا يحضر أحد أهم الأدوار التاريخية وهي الوظيفة التجارية التي كانت تؤديها الأبواب الخمسة لسور تارودانت مع تلك المنشأة الصغيرة “السواري” بعتباتها المرتفعة في الباحة بين المصراعين الداخلي والخارجي، حيث يركن القائمون على استخلاص جبايات المخزن المفروضة على كل بضاعة على حدة، وهي التي تسمى المكوس التجارية، أيضا حسب عدد الجمال والبغال في كل قافلة وهي المسماة ضريبة الحافر، وغالبا تقع مسؤولية دفعها على عاتق قائد القافلة.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a93 هذا النظام التجاري عرف بتارودانت مند عصر الدولة السعدية وبقي ساري المفعول والعمل به حتى سنة 1885 بعد انتهاء أداء الغرامة المالية التي تكبدتها خزينة الدولة المغربية لفائدة اسبانيا وهي واحدة من تبعات حرب تطوان بين المغرب واسبانيا، ونظرا لتواطأ بعض من أوكل إليهم أمر استخلاص المكوس وضريبة الحافر مع قطاع الطرق، كما سبقت الإشارة، نتج عنه انخفاض في المداخل الجبائية بعدما ظهرت مسارات طرق بديلة، ونزالات أكثر أمانا تؤمنها قبائل منافسة لجلب الرواج التجاري لمناطق نفوذها، وهو خط الجنوب/ماسة عبر سفح الأطلس الصغير ونزالة تيويوين فقصبة تيوت فرأس الوادي/ أولوز، فنزالة كلاوة نحو الشرق أو كندافة نحو مدينة مراكش، ما جعل مهمة الزطاط وهو الدليل المسلح الخبير بالمسالك أمنا وجغرافية تنشط ويكثر عليها الطلب، فالتجار عموما أكانوا يهودا أم مسلمين لا يترددون في طلب خدمة الزطاطة لحماية الراحلة والمتاع والنفس. هكذا تضررت مداخل تجارة القوافل من والى تارودانت، مما اضطر المخزن اللجوء لنمط بديل في صيغة كراء سنوي لأبواب تارودانت، حيث يقوم القائد المحلي ممثل المخزن بتوثيق اتفاق مع مشتري الحق التجاري ، الأخير ينوب عنه في استخلاص الجبايات أمين الباب، ورغم ذلك صارت الأمور من سيء إلى أسوء لدرجة أن ممثل المخزن عامل السلطان بتارودانت القائد حميدة بن علي الشركي لم يجد سنة 1870م / 1267هـ من يرغب في كراء أبواب تارودانت.

Advert Test

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a92وقد ارتبطت كثيرا طبيعة التجارة استيرادا وتصديرا بمدينة موكادور/ الصويرة التي أسسها سيدي محمد بن عبد الله – محمد الثالث- سنة 1760م بعدما أغلق مرفأ فونتي/أكادير لدواعي أمنية أقحمت فيها عائدات أرباح تجارة القوافل قصرا، وكان أهم السلعة المطلوبة في الاستيراد وبقية كذلك الى يومنا الشاي والسكر، المادتين اللتين دأب على استهلاكهما المغاربة مند غابر العصور كما يتضح. كان كبار التجار يتملصون من أداء المستحقات المفروضة على السلع، بحيث عرف النصف الثاني من القرن التاسع عشر صراعات متتالية بين الزعمات القبلية والقواد المعينون من طرف السلطان حول من يملك حق استخلاص أداء واجبات النزايل، وهي أماكن معلومة تتوقف بها القوافل، وتنزل رحالها لتستريح الجمال ويأخذ الجمالة chameliers قسطا من الراحة هم أيضا.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a93من بين الأسماء التي وثقها التاريخ الروداني كتابة وبقي اسم العلم كناية على أحد مداخل سور تارودانت العظيم اسم ” بنونة” الذي حصل على امتياز الاستغلال التجاري بعقد مخزني لجباية مكس الدخول الى تارودانت، حيث توجد عدة فنادق تتم بفنائها عملية المبادلات التجارية،أو بعض النزايل- جمع نزالة- معلومة المسافة تحط بها القوافل للراحة قبل مواصلة المسير؛ بعد وفاة مولاي الحسن تعذر على أمين مستفاد تارودانت عبد الهادي بنونة استخلاص الواجبات من نزالة اركانة التي هجرت، ومن نزالة المنيزلة بهوارة بعد امتناع قبيلة اولاد سعيد من الأداء بها ، كان هذا من بين الأسباب التي دفعت الصدر الأعظم أحمد بن موسى – باحماد- أن عجل بنقل حمو الجيلالي باشا مكناس لنفس المهمة بتارودانت، بعدما كثرة الشكايات المرفوعة للمخزن من قبل محمد بنونة وشقيقه عبد الرحمان بنونة أبناء عبد الهادي بنونة متولي جباية المكوس بمقتضى عقد كراء سنوي مفوض له من المخزن، هذه قصة تسمية “باب أولاد بنونة” بتارودانت، نسوق هذا المقتطف التاريخي لأهميته قصد التعريف ببعض جوانب تارودانت الخفية، لأن جميع الأبحاث والاجتهادات التي قرأتها أو حضرت ندوتها، ترجع أصل التسمية الى عائلات أندلسية سكنت قرب الباب، وتذكر من بينها عائلة الناظر/السراج والواقع أنهم سكنوا قرب باب ترغونت جوار الأعمام، وعائلة بنكران وهم من الأخوال سكنوا حومة درب الأندلس قبالة باب رياض لمزالي ، أما اسم بنونة فيكتب بحرف واو واحد وليس اثنين كما هو مسجل باللون الأسود على رخامة بنية علقت جوار الباب المحدث. من تبعات وضعية الإفلاس التي وجد أبناء/أولاد بنونة نفسهم متخبطون فيها بتارودانت باعتبارهم أمناء جبايات مكوس تجارة القوافل، اضطرارهم لبيع ممتلكاتهم لتسديد مستحقات الدولة/المخزن، ليحل مكانهما في العقد الكرائي الحاج محمد بن صالح الروداني وباشا تارودانت حمو الجيلالي من جهة المخزن . محمد بن صالح كخلف وهو ما ذهب إليه كاسم د.عبد الله لغمائد في كتاب “يهود سوس” ، بينما ذ.أحمد بزيد في كتاب “الحياة العلمية والأدبية وأعلامها بتارودانت خلال خمسة قرون” ص 183و184 يسجل اسم محمد بن محمد بن صالح، أديب مطلع وفقيه متضلع ، عمل مدة كاتبا خاصا لدى السلطان العلوي المولى سليمان، بعدها ولاه مسؤولية أكبر وحمله عبئا أثقل سنة 1225هـ هو قضاء تارودانت ، لكن الأخير استعفي بطلب منه، فاقتطع له السلطان أملاكا منها جنان بنصالح بأكافي خلف مدرسة البساتين حاليا ، مارس عدة أعمال تجارية ما أهله ليخوض غمار كراء أبواب تارودانت من المخزن، ويصبح بذلك أمين مستفاد أبواب تارودانت خلفا لمستغلها “المفلس” عبد الهادي بنونة من دون إسقاط اسم باب أولاد بنونة. بعدها نشأ ما يمكن اعتباره مناطق تبادل حرة على السواحل الجنوبية خاصة منطقة ايت باعمران، بين الأوربيين والسوسيين، بُعد المسافة بين هذه المناطق ومركز الدولة جعل منها نقاط تبادل تجاري غير مراقبة، خاضعة لسيطرة الزعامات القبلية أو مزاجية نفوذ السلطة المحلية، فبدأ شيئا فشيئا يتقلص حجم السلع وأنواع بعض البضائع التي كان عليها الإقبال والطلب وتشهد رواجا تجاريا بفنادق بتارودانت وتدر مداخل جبائية مهمة على خزينة الدولة، من بين تلك البضائع تجارة الجلود التي كان لها فندقا حبسيا خاصا بها في تارودانت، هو الذي تحول اليوم الى قيسارية تجارية في ملكية الأحباس بساحة تلمقلات خلف بنك BMCI .

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a91 ونحن نتحدث عن جانب تاريخي مهم من ماضي سوس، هو الحركة التجارية وما ارتبط بها من عناصر مكانية، نسجل أن تارودانت كانت تتوفر على أكبر الفنادق بسوس قاطبة، بمثابة بورصة قيم تجارية اليوم، وعددها 12 فندقا – ذكر لي الزميل عبد القادر صميت العدد 14فندقا- اثنان بصف الخرازة ومثلهما عددا بفناء رحبة المسلمين كما سميت في عقد التحبيس، بينما الطائفة اليهودية بتارودانت والصويرة على الأخص، وهم من أهم الممارسين المحتكرين للرأسمال التجاري، كان لهم فندقا خاصا بهم، جميع هذه الفنادق بتارودانت تحولت شيئا فشيئا ما بين 1950 و 1970 الى مرابط لدواب المتبضعين القادمين من أحواز المدينة، حيث تعج تارودانت يوم الخميس والأحد على الخصوص بمآت الحمير والبغال، وأضحى الفندق مضرب المثل لسوء الأدب بعدم استئذان الدخول :” واش داخل لفندق”.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-5 لا نملك معطيات تاريخية وافية عن فندق اليهود بتارودانت، اللهم كونه كان قريبا من حي الملاح، هذا التحديد يجعل أغلب الظن هو القسارية الحبسية التي لازالت محافظة على معمارها الأصيل “بساحة” الحدادة بمدخل طريق الدرب الجديد نحو حي اليهود/الملاح . بالرغم من كون نمط التشييد ان على مستوى هندسة البناء أو نوعية المواد تعود لأقل من قرن من الزمن، بينما نحن بصدد حديث مع الصورة عن ضعف ذلك زمنيا وزيادة. من الناحية الشرعية لا شيء يمنع كراء عقار في حكم الحبس الاسلامي لفائدة اليهودي أو التعامل معه بشتى أوجه الشراكة التجارية، وهو ما دأبت عليه العلاقة الثنائية بين العرقين الابراهميين بتارودانت مند غابر العصور الى منتصف القرن الماضي مع بداية تهجير/تهريب يهود تارودانت. كل زمن وتارودانت بألف خير

2016-10-20
المشرف العام