الأحباس والاقتباس بتارودانت

بقلم: علي هرماس تتنوع الأملاك العقارية الحبسية بتارودانت بين ما له ارتباط بالجانب التجاري كالحوانيت وما له ارتباط بالجانب الصناعي كالأرحى وما له ارتباط بالجانب الفلاحي كالجنان جميعها يمكن إدراجها في خانة العقار الثابت، أما المتاع المتحرك فهو مياه السواقي التي تسقى بها الجنان إضافة إلى عنصر له ارتباط بالمجاري المائية وهو نوبات السقي . في هذه المدونة سنتجاوز المفهوم الشرعي للأوقاف الحبسية ، ونلبسها مقصدا تاريخيا من ثلاثة أوجه هي الموضوع الزمان والمكان، مع الإشارة أنه لما نلحق المنعوت الوقفي بنعته الإسلامي، فلنميزه عن الأوقاف اليهودية التي لا توجد عندنا بالمدينة، ولا مانع من استفادت الطائفة اليهودية بتارودانت من عقارات وقفية حبسية إسلامية ، بل سجل التاريخ عقد معاملات تفويت بالبيع بين المسلم واليهودي بتارودانت وفق الشريعة الاسلامية…

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a91-copie يمكن ربط هذه الملكيات الحبسية بالسياق الاجتماعي والطبيعي العام الذي أفرزها، كعلاقة العقارات الفلاحية والنوبات المائية بالظروف الطبيعية الجيدة التي شهدتها المدينة، وربط الحوانيت بالنشاط التجاري الذي تعتبر تارودانت حلقة وصل بين المناطق والفنادق بورصة للمبادلات، وارتباط الرحي بوفرة المياه السطحية وتعداد السواقي مع ضخامة صبيبها والمصاريف المائية كمحرك صناعي.

Advert Test

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a94كان للسلاطين السعديين دور كبير في تكثير هذه المنشآت خاصة الفلاحية منها حيث أدنوا للناس بشق المجاري لإيصال ماء السقي للأجنات والعراصي، نذكر من بينها مجرى / مصرف البلاليع أدركنا جريانه سنة 1980،يوجد مباشرة خلف سور ميدان التربية البدنية لثانوية ابن سليمان الروداني، ويشد منبعه من ساقية عظيمة هي تملالت مجراها جوار سور القصبة، مصرف البلاليع تفرع عنه مجرى تحت أرضي، هو الذي كان يصل ماءه الى السقاية التاريخية للجامع الكبير وحمام دار الثقة الحبسي قبالة الصومعة – راجع مدونة الذكرى الثالثة للنكبة الرودانية- ومن بين الأمور أيضا التي ساهمت في لتطوير الحياة الاجتماعية زمن الدولة السعدية وبقيت آثارها الى عهد قريب،إعادة حفر ينابيع العيون التي غار مائها مما ساهم في تحريك الأنشطة الفلاحية وما ارتبط بها من أعمال تجارية وصناعية تحويلية.

كانت بعض الجنان الحبسية تحمل أسماء مختلفة عادة تنسب لدوي الحقوق المعنويين أو الذاتيين المستغلين للعقار الوقفي بالحيازة، أكثرها تداولا “جنان جامع” لكثرة مساجد وجوامع تارودانت، فإلى جانب الجوامع التاريخية الأربعة المشهورة وهي العتيق/الكبير والجديد/مفرق الأحباب والقصبة السلطانية وأخيرا سيدي وسيدي ، يوجد بكل حومة على الأقل مسجد قديم مثل مسجد درب الزمالة ودرب الجزارين وهما من أقدم مساجد الأحياء بتارودانت ، أقتصر على هذين النموذجين فقط، باعتبارهما كانا تتمتعان بعائد محصول وقفي عبارة عن صدقة خراج سنوي، خارج نصاب زكاة الأعشار، دوّن بإشهاد عدلي منذ فترة الدولة السعدية بتارودانت.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a93ثم نجد عقارات حبسية تنسب لأشخاص ذاتيين مثل “جنان القضاة” وهو المتواجد مباشرة قبالة باب ترغونت وحدوده من طريق سيدي بلقاس شمالا حتى طريق دار الدباغ جنوبا، بني فوق أرضه اليوم مجموعة محلات صناعية ومتاجر ، ثم “عرصة المؤذنين” بمفرق الأحباب شيد عليها 1982 بعض المتاجر بالأقواس وهي الملاصقة للعمارة قبالة الصومعة، والعرصة الثانية خلف المسجد جوار الحمام يباع فيها الفحم وحطب الحمام وأواني الفخار ، نقتصر على هذين النموذجين كمثال لأن الوظائف الرسمية والمهام التطوعية لم تكن لها أجرة ثابتة من الدولة أو خزينة بيت المال، فيحدد عقار وقفي ليستغله المعنيون مباشرة أو بالعهدة بشتى أوجه الفلاحة، يدر عليهم عائد محصول يتعيشون به.

من بين المستفيدين سابقا بتارودانت من مداخيل العقارات الحبسية أيضا، خاصة الخراج الفلاحي المحدد قدر نصابه وفق عقد الوقف الحبسي قبل حصاده أو مباشرة لحظة جني الغلة عند تمام نضجه، الفقراء والمساكين “بدكانة ” سيدي وسيدي أو مواظبوا الحزب الراتب كذلك المحراب أو المنبر … مادام المذكورون في العقد العدلي الموقوف عليهم العقار الثابت أو بعض خراج محصول الجنان مما قل أو كثر من المنقول، مواظبون على “وظيفتهم” أو مكان لجوءهم؛ لأجله يتذكر عدد كبير من الرودانيين ” الدكانة” مابين مدخل ضريح محمد بن صالح بن وندلوس “سيدي وسيدي” ومدخل المسجد، حيث كان يواظب عدد كثير الفقراء والمساكين يضعون أمامهم أرضا “طاسا” نحاسية صفراء لجمع ما تجود به جيوب المارة، بعضهم يستر رأسه تحت “قب” الجلباب تعففا عن سؤال الحاجة بوجه مكشوف، وبعض ذوي الإعاقات الجسدية أو النكوص الذهني الذين يبيتون ليلا بدار العجزة ، جميع من ذكروا كانت تحمل إليهم صدقات الإطعام من كل حدب وصوب في تارودانت، بل ذكر لي من سكن حومة الرحبة القديمة في الأربعينات وما بعدها، أن جلهم في الستينات كان يبيت هناك وفي الشتاء ينامون في مدخل” أعكمي” الضريح.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a96 نظرا لكثرة دكاكين الوقف الحبسي بتارودانت بخاصيات متشابهة ملحوظة من ناحية الشكل والمساحة وطبيعة البناء وتخصص التجارة، اصطلح على مجموعاتها “سماط”، لازال بتارودانت بقايا نموذجين يصارعان تجاوز الزمن في صمت المحتضر، هما سماط الخرازة ما بين فناء الرحبة القديمة والسوق الكبير، ثم سماط البلايغية الذي يعد أحد مداخل السوق الكبير من جهة مسجد الخرازة – نسجل ارتباط المكان/ المسجد بطبيعة التجارة .

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a95مصطلح ” سماط” وفيما يعنيه حسب قاموس اللغة والمعاني الصف، يرجع تاريخيا لفترة السعديين بتارودانت، أدركه بالسماع جل أقران جيلنا الروداني تحت اسم “سوق السماط”، ويقصد به متاجر صف “البلايغية” فقط دون غيره وتحيل في المتخيل على أحزامة شد السروال التي كانت تعرض للبيع بمدخل كافة الدكاكين، بحكم طبيعة التجارة التي تعتمد على الجلد المصنع كمادة أولية. في هذه الفترة لازال بتارودانت تجمعات تجارية مماثلة يمكن أن تحمل لقب سماط، نذكر سماط “الخضارة” مباشرة بعد فندق الثمر حاليا، وسماط الحدادة كحرفة مارسها المسلمون من الرودانيين، تنكب بالخصوص على صناعة الأقفال الحديدية للأبواب كتجديد ابتكار لتعويض القفل الخشبي، ثم الوسائل اليدوية المستخدمة في العمل الفلاحي، كسكة المحراث الخشبي والمعول والمنجل …النشاط الفلاحي الذي يشكل النشاط الاجتماعي لثلاثة أرباع الساكنة الى حدود 1970، بينما سماط حرفة “الجوالقية” الخاصة بالصناعة اليدوية لبعض الأواني المنزلية خاصة قنديل الزيت وفانوس الشمع للانارة، رغم اضمحلال معاصر الشمع لفائدة قنديل الغاز العصري، وبعض أواني المطبخ، ثم سماط العطارة الملقب سابقا “زنيقة الدجاج” أول مكان لعرض المبيع من الديكة فقط، لم يبق من سماط العطارة سوى دكان العطار حماد والحمداني وكان تعداد السماط يقارب 30 دكانا، لم يبقمنها اليوم سوى 21 بسبب تفويت حق الاستغلال الحبسي، ودمج دكان في آخر ملاصق لرفع قيمة الأصل التجاري للمحل، وقد لعب هذا السماط دورا مهما وأدى وظيفته الاجتماعية الصحية مند غابر الأزمنة الى حدود 1970 حيث كان العطار المسن، ومساعده أحيانا ابنه، خبيرا بالأعشاب الطبية وعالما بأوجه استعمالها وضابطا لتقنيات إعدادها، قبل افتتاح أول صيدلية بتارودانت جوار درب ادا ومنو بتلمقلات لصاحبها الفرنسي مسيو كرلو Mr Kerlot 1968.

سماط حرفة “الحلايسية” قبالة حمام السعديين المعلمة التاريخية التي أجهز عليها مؤخرا،وتم تحويل المكان إلى صفقة تجارية، قربهم ثلاث دكاكين لحرفة ” الغرابلية” هاتين الحرفتين مارسهما اليهود في دكاكين وقفية حبسية، اليهود الرودانيون كانوا يشكلون واحد من بين كل تسعة أشخاص من مجموع ساكنة تارودانت حسب احصاء 1952.

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a92جميع هده الحرف كانت لها تجمعات تجارية خاصة منظمة حسب كل نشاط حرفي ، دكاكين تحيل على نمط بناء قديم جدا قدم التاريخ الروداني، سميت في العقود العدلية التاريخية أشقاف، جلها عميق ضيق مظلم بالكاد تتسع عرضا ليمد الحرفي رجليه جلوسا الى حائط الطابية، ما حتم على أصحاب بعض الحرف “كالحلايسية” الاشتغال بباب الدكان؛ بعض المجموعات الحرفية مارسها المسلمون والبعض الآخر مارسه اليهود الرودانيون، وصناعة تقليدية ثالثة احترفها كلا العرقين بالتجاور أو الشراكة في متاجر وقفية إسلامية حبسية، نذكر منها حرفة الحلي المسكوكة بالقرب من ساحة الجوطية وكان يسمى المقطع سوق الصياغة؛ أيضا سماط رحبة الزيت بساحة أسراك كانت مكتراة من الأحباس بمبلغ12 درهم للشهر، وقد هدم سنة 1983 لتهيئة ساحة أسراك/العلويين بعد صعود المجلس البلدي للحزب الوطني الديمقراطي سنة قبل ذلك.

في منتصف القرن الماضي وقبله بقليل، مصطلح “سْماط” تحيل على حزام عريض مطرز بالخيط الأصفر الذهبي ، يستخدم الحزام لشد “تشامير” ثوب الملف على البطن – لدى الرجال طبعا- في المناسبات الدينية والعائلية، فيكون هندام الرجل رمز أبهة ودلالة مستوى اجتماعي . بتوالي العقود والأزمنة تم اقتباس حزام البطن هذا ليتحول الى زينة نسائية مصاغ من الفضة أو الذهب الخالصين، دائما كمحدد لانتماء أسري اجتماعي هذه المرة، أخيرا تم الرجوع للأصل الأول لدى النساء أي الحزام العريض من الثوب المطرز بخيوط الحرير الاصطناعي، لكن ليس للأبهة ولا الزينة بل لمقاييس أخرى يضبطها الصانع التقليدي تحت طلب وشروط الزبونة، مجاراة لأنماط التحولات الاجتماعية التي أملتها المتغيرات التاريخية.

كل زمن وتارودانت بألف خير

كلمات دليلية ,
2016-12-11 2016-12-11
المشرف العام