بين المسؤولية والخيانة..

سيظل تاريخ 29 يوليوز 2017 منقوشا في ذاكرة المغاربة، لما عرفه من سابقة في عهد الملك محمد السادس، تتجلى في تقديم خطاب العرش بيوم واحد قبل حلول موعد الذكرى الثامنة عشرة على توليه زمام الحكم. وزاد من حرارة هذا الحدث، أن الشارع المغربي كان يترقب بلهفة هذه المناسبة السنوية، التي تتجدد فيها روابط البيعة المتبادلة بين الملك والشعب، وما يمكن أن يأتي به الخطاب من مستجدات في سياق الأزمة القائمة بمنطقة الريف منذ أزيد من ثمانية شهور.

وخلافا لما كان يعتقده البعض من تهدئة، جاء الخطاب غاضبا ومفعما بالانتقادات اللاذعة والرسائل المباشرة، بنفس القوة والصراحة المعهودتين، كلما تعاظمت الاحتجاجات عن تردي الأوضاع وأزفت ساعة المكاشفة. إذ شدد عن غياب الحس الوطني وروح المسؤولية لدى بعض الموظفين والمسؤولين في القطاع العام والإدارة العمومية بوجه خاص، من الذين يفتقدون القدرة على التنفيذ والإبداع، ولا يستطيعون الارتقاء بأدائهم، ومسايرة ركب الاختيارات الصائبة للدولة. معتبرا أن الطبقة السياسية أخفقت في القيام بدورها التأطيري، وبلغت من الترهل والهشاشة ما جعلها تتحمل النصيب الأكبر في التدبير السيء للشأن العام، وما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية من تدهور فظيع، وفشلها في إنجاز عديد المشاريع التنموية، لاستقالتها من خدمة المواطنين وانشغالها عن قضاياهم وهمومهم بالمعارك السياسوية وتصفية الحسابات الضيقة، والتهافت على الاستفادة من الريع واستغلال السلطة والنفوذ، مما ساهم في إفراغ السياسة من معناها العميق والانحراف عن جوهرها النبيل، وأدى إلى انصراف آلاف المواطنين وخاصة الشباب عن الانخراط في العمل السياسي والعزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية…

وبالنظر إلى ما تميز به الخطاب الملكي من واقعية وصرامة وجرأة في رصد الاختلالات وتحديد المسؤوليات، وما حمله معه من دروس وعبر، وتقريع الموظفين والإداريين والمسؤولين المقصرين في القيام بواجباتهم، كان من الطبيعي أن يتسابق المحللون السياسيون ومختلف وسائل الإعلام والمهتمون بالشأن السياسي، إلى تسليط الأضواء على أهم جوانبه تنويرا للرأي العام الوطني، فتعددت بذلك الرؤى والقراءات والتصريحات، إلا أنها أجمعت كلها على أنه خطاب قوي وخطاب القطيعة مع التهاون والعقليات التقليدية المتكلسة، وستكون له انعكاسات إيجابية على البلاد والعباد، إذا تم الحرص على ألا يلقى نفس مصير نظيره بمناسبة الذكرى 15، الذي تساءل فيه الملك عن: “أين الثروة”؟

فورود مفردة الخيانة لأول مرة في خطاب تاريخي، يشير إلى أن هناك إرادة ملكية قوية على وضع حد للاستهتار بالمسؤولية، حيث تقول إحدى فقراته: “ومن جهة أخرى، عندما يقوم مسؤول بتوقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو اجتماعي لحسابات سياسية أو شخصية، فهذا ليس فقط إخلالا بالواجب، وإنما هو خيانة، لأنه يضر بمصالح المواطنين، ويحرمهم من حقوقهم المشروعة” وهو ما ينطبق على أزمة منطقة الريف وماترتب عنها من تداعيات، بفعل عدم تنفيذ البرنامج التنموي “الحسيمة منارة المتوسط”، الذي رصدت له ميزانية تقدر ب6 ,5 مليار درهم، وأشرف الملك على توقيع اتفاقياته في أكتوبر 2015 بتطوان. ويقول الخطاب في جزء آخر: “ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين، وأنا أزن كلامي وأعرف ما أقول.. لأنه نابع من تفكير عميق”. ما يعني في نظرنا المتواضع، أنه بات متوفرا على ما يكفي من حجج دامغة ومعطيات دقيقة، تؤكد على وقوع جرم الخيانة، الذي يستوجب مثول مرتكبيه أمام القضاء للإجابة على صك الاتهام الذي سيوجه إليهم، وإلا ما كان ليعلن أمام ملايين المغاربة عن عدم اقتناعه بالطريقة التي تمارس بها السياسة، وفقدانه الثقة في عدد من السياسيين. ويعبر عن استيائه من برامج التنمية البشرية والترابية، العاجزة عن الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحسين ظروف عيشهم، جراء ضعف العمل المشترك وانتفاء مقومات الحكامة والبعد الوطني والاستراتيجي…

فالملك بقدرما كان قاسيا في مخاطبة المتخاذلين والمتلاعبين بمصالح الوطن والمواطنين، كان كذلك رحيما بهم حين تساءل عن كيف لمسؤول لا يقوم بواجبه، أن يسمح لنفسه بالنظر إلى الناس وهم يعرفون أنه بلا ضمير، حتى لا يقول: “وهم يعرفون أنه خائن للأمانة”؟ ذلك أن الخيانة فضلا عن كونها سلوكا مرفوضا، وصاحبها غير جدير بالاحترام والأمانة مهما كبر شأنه، باعتباره شخصا أنانيا وانتهازيا عديم المسؤولية والالتزام الأخلاقي، فإنها ذات وجوه متعددة، قد تكون بين الأزواج أو بين الأصدقاء وزملاء العمل، لكن أبشع أنواعها خيانة المسؤولية والوطن. إذ لا يعقل أن يضحي الشرفاء بأرواحهم ودمائهم من أجل دحر المستعمر ورفعة الوطن، وتحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لأبنائه، ثم يأتي آخرون للسطو على ثرواته وإشاعة الفساد والاستبداد في أرضه، ضاربين عرض الحائط بثقة الشعب والملك. فبين الوطنية والخيانة خيط رفيع، لا يدركه إلا الأوفياء والصادقون، بينما لا ولاء ولا انتماء للخونة عدا للمال والمصالح الخاصة. وعندما تكون الخيانة بحجم الوطن، يكون الخائن وضيعا وخسيسا، يتعين الضرب عليه بيد من حديد حتى يكون عبرة لأمثاله. من المؤكد أن الخطاب سيزيد من تعقيد مأمورية الأحزاب السياسية، إن هي أرادت استعادة عافيتها والاضطلاع بوظائفها كاملة. وعلى الرغم من لهجته الشديدة، فإنه لم يخل من نظرة تفاؤلية للمستقبل. وبما أن الكثيرين يرون أنه لن يقف عند حدود النقد وتعرية الواقع، بعد تشديده على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الدستور خاصة في الجانب المتعلق ب”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، يتحرق المغاربة شوقا على هذا الأساس، لرؤية “الخونة” من المسؤولين ينالون حظهم من تطبيق القانون وعدم الإفلات من العقاب.

اسماعيل الحلوتي

2017-08-06 2017-08-06
المشرف العام