التيارات الإسلامية والعنف

ذ. الحسن زهور

يريد الإسلاميون اليوم ( الإسلاميون بمعنى التيارات التي تتخذ من الإسلام وسيلة لبلوغ الحكم و السلطة) التنصل من الجرائم الفظيعة التي يرتكبها اخوانهم في التيارات الإسلامية الأخرى مثل داعش و بوكو حرام و الجماعات السلفية المقاتلة و طالبان…بالادعاء بان هؤلاء المتطرفين يقف وراءهم الموساد الإسرائيلي.

لنعد إلى التاريخ لكي نصل ما تفعله داعش اليوم بما أنتجه بعض فقهاء الفترات السابقة من التاريخ الفقهي الإسلامي، فداعش و غيرها من التيارات الإسلامية المتطرفة لا تطبق الا ما هو موجود في بعض ما أنتجه بعض فقهاء التراث الإسلامي مثل ابن تيمية الذي هو الآن إمام الوهابية و غيرها من التيارات المتطرفة.

من يقرأ ابن تيمية مثلا سيفهم لماذا يفجر السلفيون السنة المساجد الشيعية بما فيها من المصلين، فما كتبه ” شيخ الاسلام” ابن تيمية ( كما يصفه السلفيون اليوم بمختلف تلاوينهم) في كتابه ” منهاج السنة النبوية” الجزء الأول تحقيق د. محمد رشاد سالم في حق “الرافضة” أي الشيعة المسلمين سيقشعر بدنه أمام فتوى إباحة دماء الشيعة المسلمين ببرودة دم، يقول ابن تيمية عنهم : ” فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، و لا يثبت لهم قدم..” ص 27.د. من يقرأ الكتاب سيفهم لماذا يفجر الإسلاميون المتطرفون السنة انفسهم تقتيلا و هدما. لذلك فأن ينسب الإسلاميون ما تفعله داعش الى الموساد فهو هروب من الحقيقة و الواقع.

كيف ظهرت داعش في العصر الحديث و نحن عشنا و ما زلنا نعيش أحداثه لئلا يوهمنا احد من الإسلاميين بأشياء يتوهمها هو او يريد تبرير الفظائع بأنسابها الى الموساد الإسرائيلي؟

لا نريد ان نتحدث عن التاريخ البعيد ، و كيف قتل بعض المسلمين الخليفة الثالث عثمان بن عفان في المدينة و أمام مرأى الصحابة ، و كيف دفنه بعض أفراد اسرته في سرية ليلا في مقبرة يهودية بالمدينة. و لا نريد ان نتحدث عن اغتيال علي بن ابي طالب من طرف الخوارج و هم من “اتقى” الناس عبادة و قياما لليل و فيهم حفظة القرءان ( في نظرهم هم، كما يقول المؤرخون) . و لا نريد ان نتحدث عن الفظائع الأخرى التي ارتكبتها بعض الفرق الإسلامية و كل هذا مدون في كتب التاريخ ككتب الطبري و المسعودي و المقريزي…. هذه الاغتيالات و هذه الفظائع ارتكبها أصحابها باسم الدين لكن غرضهم الأساسي هو الخلافة أي السياسة و السعي الى السلطة بأي ثمن و بغطاء ديني. و هو نفس ما تقوم به التيارات الإسلامية المتطرفة اليوم يستغلون الدين و يرتكبون باسمه الأهوال و الفظائع من اجل غاية هي الوصول إلى السلطة و الحكم.

فكيف نشات هذه التيارات الإسلامية في العصر الحديث؟

اولا نشأت هذه التيارات قبل ان تنشأ إسرائيل و الموساد، ابتدأت بدعوة محمد بن عبد الوهاب المتطرفة في نجد و استغلتها قبيلة سعودية لبسط هيمنتها على المنطقة فانشات مملكة ال سعود، ثم تلتها جماعة الإخوان المسلمين التي بدأت بأولى اغتيالاتها السياسية في مصر عندما اغتالت رئيس الوزراء المصري أنذاك النقراشي باشا سنة 1948، ثم محاولتها اغتيال جمال عبد الناصر الذي كان متحالفا معها بعد انقلابه العسكري على الملك فاروق فساندته الجماعة فبل ان ينقلب عليها عندما حظر الأحزاب السياسية الا جماعة الإخوان، ثم بدأ في الابتعاد عنها تدريجيا بعد ان سيطر على مقاليد السلطة بمصر مما دفع الإخوان المسلمون الى تدبير محاولة اغتياله، فرد عليهم بحملة قمعية و اعدم زعيمهم الفكري سيد قطب. و من الإخوان المسلمين تفرعت أغلب التيارات الإسلامية المتطرفة حاليا : السلفية الجهادية ، القاعدة، الجماعات الإسلامية المقاتلة، بوكو حرام، داعش .. و ما سيأتي افظع من داعش…فما دامت بعض الدول الخليجية المعروفة بتبنيها الفكر المتطرف و تمول دعاته و شيوخه و قنواته الفضائية كما تمول الجماعات المتطرفة في سوريا، و تمول مشايخ التطرف في اوروبا فسيبقى الوضع الإسلامي وضعت دمويا و مأساويا ينحدر الى الفظاعة.

ما هو الحل؟

تكمن بعض الحلول بالنسبة لبلدنا المغربي و لبلدان غرب شمال إفريقيا أي المغرب الكبير في إضعاف هذا الفكر المتطرف بتبني ثلاث مرجعيات فكرية :

1- مرجعية إسلامية تراثية في قالبها العقلاني بالرجوع إلى قراءة الفكر الإسلامي المتنور كالمعتزلة و الصوفية و المفكرين خصوصا مفكروا الغرب الإسلامي اي شمال إفريقيا و الأندلس كابن رشد و ابن طفيل و ابن خلدون و ابن حزم …

2- مرجعية افريقية أمازيغية تعتمد على ما تركه لنا أجدادنا الأمازيغ في نجاحهم بالمزج بين ما هو وافد ( عربي اسلامي..) و بين ثقافتهم الأمازيغية، و كمثال على ذلك في فهمهم الإسلام بروحه و بعمقه الإنساني و في تطبيقهم لأعرافهم المدنية ، و عاشوا في مجتمعاتهم “العلمانية” التي تنسجم مع ثقافتهم فلم يقطعوا يد السارق و لم يرجموا، و لم يقتلوا للثأر… ( إذ أنهم لم يطبقوا الحدود الشرعية بل رجعوا الى قوانينهم الوضعية التي احتكموا إليها قبل دخول الاسلام الى هذه المنطقة وبعد دخوله ) فجعلوا القوانين التي احتكموا اليها مرجعا لتنظيم مجتمعاتهم مثلما نجده في اوروبا اليوم.. ( لذلك سنجد ان أعظم المفكرين المسلمين نشأوا في شمال افريقيا و الاندلس) .

3- المرجعية الكونية أي الاستفادة مما وصلت اليه الحضارة الإنسانية اليوم و التي ساهم فيها الفكر الأوروبي بالشيء الكثير: نظم الحكم الديمقراطية، حقوق الإنسان السياسية و الفكرية و الدينية و الثقافية و الاجتماعية…

2017-08-08 2017-08-08
عبد اللطيف بتبغ