المحكمة الدستورية؛ قضاء نوازل أم قضاء مبادئ

د. عبد الرحمان ابليلا:

كباقي المهتمين والمتتبعين في تارودانت وفي غيرها من المملكة، فوجئت بالقرار الصادر عن المحكمة الدستورية تحت عدد 17/23 في الملف رقم 1594/16 الصادر بتاريخ 6 يوليوز 2017 والقاضي بإلغاء انتخاب السيد حاميد البهجة عضوا بمجلس النواب على اثر الاقتراع الذي اجري في 7 اكتوبر 2016.

ويعتبر هذا القرار مفاجأة سياسية لم يتوقعها حتى اشد المعارضين السياسيين للسيد حاميد البهجة نظرا لأن هذه المحكمة نفسها سبق ان قالت كلمتها في قرارها الأول بتاريخ 27 أبريل سنة 2016 بخصوص نفس العلة التي بني عليها قرارها الحالي ومنحت هذا الشخص ضمانة حقيقية للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية الموالية. كما منحته اطمئنانا على ان مشاركته هذه سوف لن يعترضها أي عارض؛ وحمست المناصرين للتصويت له بكثافة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وقد دفعني فضولي واهتمامي بالبحث القانوني، الى القيام بقراءة لهذا القرار من مختلف الزوايا، على اثرها تساءلت هل هذه المحكمة؛ من خلال هذا القرار ومن خلال القرار السابق له الذي يهم نفس الشخص، و من خلال بعض القرارات الأخرى الصادرة عنها حديثا والتي تهم العملية الانتخابية الأخيرة؛ محكمة نوازل تحكم في كل نازلة على حدة ام محكمة مبادئ؟.

وعلى غرار مجموعة ممن عبروا عن رأيهم شفويا أو كتابيا، في هذا القرار ارتأيت بدوري ان اساهم في النقاش بهذه القراءة؛ على امل ان انشرها كاملة في احدى المواقع المتخصصة. و الغاية ان تكشف هذه القراءة عن أسباب الاحباط التي انتابت الكثيرين في هذا الاطار. وهكذا فحتى من ليست له معارف قانونية، وحتى الذي ليست له دراية بتقنيات تحرير وتعليل الاحكام القضائية سيعاين بان قرار المحكمة الدستورية تنتابه جملة من الهفوات تجعله مجانبا للصواب؛ وهو قراريجعل من قضاء هذه المحكمة قضاء نوازل وليس قضاء مبادئ.

اولا؛ قرارها الحالي يتناقض مع قرار سابق لها يهم نفس الشخص ونفس العلة.

يتعين التذكير بالقرار السابق للمحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 27 ابريل 2016 تحت رقم 16.995 ملف رقم 16/1475 والذي قضت فيه المحكمة الدستورية بتجريد السيد حاميد البهجة من صفة عضو في مجلس النواب عن الدائرة الانتخابية المحلية تارودانت الشمالية. إذ أنه للتذكير فقد سبق لنفس الفريق الحزبي ان طلب التصريح بتجريد النائب السيد حاميد البهجة لأنه ” كان موضوع ادانة من اجل جناية “وقت ترشحه بتاريخ 25 نوفمبر 2011.

وهو نفس السبب الذي دفع نفس الفريق للمطالبة بالغاء انتخاب النائب حاميد البهجة في الاقتراع الذي اجري في 7 اكتوبر 2016 عن نفس الدائرة والذي تصدر نتائجه برقم قياسي لعدد الاصوات الذي حصل عليه في المنطقة وفي الحزب ( حزب التجمع الوطني للاحرار) عدد يناهز 30.000 صوت.

• في تعليل قرار المحكمة الدستورية الاول ( القرار الصادر بتاريخ 27 ابريل 2016) اعتبرت المحكمة؛ “بأن المطلوب تجريده كان في وضعية انعدام الاهلية الانتخابية عند ترشحه لاقتراع 25 نوفمبر2011 . وباعتبار ان امد تقادم العقوبات الجنائية حسب المحكمة الدستورية ليس خمس سنوات وإنما هو خمس عشرة سنة ميلادية كاملة تحسب ابتداء من الحكم الذي يصبح فيه الحكم الصادر بالعقوبة مكتسبا لقوة الشيء المقضي به وفقا لما تقضي به الفقرة الاولى من المادة 649 من قانون المسطرة الجنائية”.

وهكذا وعمليا وبإعمال تعليل المحكمة الدستورية في هذا القرار الأول فان النائب حاميد البهجة يسترجع حقه في التسجيل في اللوائح الانتخابية وفي الترشح بدءا من 5 اكتوبر 2015، علما هنا بأنه صدر قرار جنائي ضده تحث رقم 31 عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف باكادير بتاريخ 26 اكتوبر 1999 تمت إدانته بموجبه بجناية. وهو القرار الذي تم تأييده بموجب قرار صادر عن المجلس الاعلى بتاريخ 4 اكتوبر 2000.

• في تعليل القرار الثاني للمحكمة الدستورية ( القرارالصادر بتاريخ 6 يوليوز 2017)

اعتبرت هذه المحكمة بان ارتكاب جناية يمنع من الترشح بعضوية مجلس النواب وان: “هذا الاستثناء لا يحد منه تقادم الجناية او مرور زمن معين على صدور الحكم النهائي او قضاء العقوبة المحكوم بها او الحصول على رد الاعتبار.

وهكذا وحسب منطق المحكمة الدستورية في القرار الثاني ففي ظل المعطيات القانونية الحالية ( المادة السادسة من القانون التنظيمي لمجلس النواب) فانه لا يحق للسيد حاميد البهجة الترشح لعضوية مجلس النواب ما قدر له الله ان يعيش؛ بسبب فعل ارتكبه في صباه وربما قد لا يكون ارتكبه وإنما حكم عليه بسبب قصور في الدفاع او قناعة ناقصة لهيئة الحكم. وانه بالنتيجة لن يستفيد من اي تقادم في هذا الإطار؛ وانه لهذا السبب يفقد حقوقه الدستورية طيلة حياته. وما يصدق عليه ربما يصدق على غيره ممن في وضعيته حتى لو حكم عليه بجناية وهو طفل حدث.

وهكذا يظهر وجود تناقض كبير بين القرارين؛ اذ في الوقت الذي يفهم فيه أن القرار الاول يأخذ بمبدأ تقادم الفعل الجنائي وبالأحقية في الترشح بعد مرور مدة تقادم الجناية، فان القرار الثاني تراجع عن هذا المبدأ مع العلم انه لم يحدث اي تغيير على المقتضيات القانونية الجاري بها العمل في هذا الاطار (المادة السادسة من القانون التنظيمي لمجلس النواب)؛ وان الفارق الزمني بين القرارين لا يتعدى السنة وشهرين.

ثانيا؛ هذا القرار يتضمن تناقضات فادحة ضمن اجزائه؛

حيث ان المحكمة الدستورية وضعت تفسيرا للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، معتبرة هكذا ان المواد 6 الى 10 من هذا القانون وضعت شروط وموانع الترشح دون الاحالة على نص عام. ومعتبرة في هذا الاطار ان ارتكاب جناية يمنع من الترشح لعضوية هذا المجلس، وان هذا الحق لا يسترد بتقادم الجناية او بغيره.

تم مباشرة بعد هذا التفسير تشير المحكمة بان الدستور ينص على ان لكل مواطن الحق في التصويت وفي الترشح في اشارة الى وجوب تمتع كل مواطن بالحقوق المدنية والسياسية…الخ.

لكن وفي اعتراف منها بعدم دستورية هذه المقتضيات الواردة في القانون التنظيمي؛ او بالأحرى عدم دستورية التفسير الذي قامت به المحكمة، تعتبر بان “المحكمة الدستورية التي تبت في الطعون الانتخابية المتعلقة بأعضاء مجلسي البرلمان ينحصر اختصاصها في تكييف الطلبات المقدمة اليها دونما ان يمتد نظرها كما هو الحال في النازلة الى فحص دستورية النصوص القانونية المتعلقة بذلك”.

غير ان المحكمة الدستورية لم تجد بدا من تحميل المشرع مسؤولية فهمها لمقتضيات القانون التنظيمي لمجلس النواب المذكورة لما اعتبرت بانه” يعود للمشرع مراجعة اختياراته في مجال تنظيم ممارسة الحقوق في احترام الاحكام الدستورية ذات الصلة وعدم التراجع عن الضمانات المقررة في الدستور”.

هكذا يظهر بالعين المجردة جسامة المنحى الذي نحته المحكمة الدستورية بخصوص النائب حاميد البهجة، وقد جانب قرارها الصواب ايضا لمجموعة من الاسباب:

• اذا سلمنا بوجود فراغ قانوني ضمن المقتضيات القانونية المنظمة لأهلية الترشح لانتخابات عضوية مجلس النواب فان المحكمة الدستورية مؤهلة لإيجاد تفسير لهذا الفراغ لكن بالشكل الذي ينسجم مع المبادئ الواردة في الدستور.

• ان المحكمة الدستورية هي المسؤولة عن اي مقتضى قانوني مخالف للدستور مادام ان جميع القوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان تحال عليها قبل اصدار الامر بتنفيذها وذلك للبت في مدى مطابقتها للدستور؛ بل ان القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب الذي استندت اليه في هذا القرار سبق ان عرض عليها من اجل النظر في دستوريته؛ وسبق له ان جزمت بأن جميع مقتضياته مطابقة للدستور.

• اذا سلمنا بالتفسير الذي قامت به المحكمة الدستورية لمقتضيات المادة 6 المذكورة، فإن تطبيقها لهذه المادة على الرغم من خرقها للدستور يتعارض مع صلاحية هذه المحكمة في النظر في عدم دستورية القانون الذي سيطبق في القضية اذا تبين انه يمس بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.

• في كل الاحوال فانه يبدو ايضا بان المحكمة الدستورية لم تستوعب ايضا بعض المبادئ الاساسية التي تقوم عليها النظرية العامة للقانون كيفما كانت درجاته ومنها؛

– ان قاعدة التقادم قاعدة عامة ومجردة وآمرة تطبق في جميع الميادين ( المدني التجاري الجنائي….) وانها ضرورة من ضرورات استقرار المعاملات داخل المجتمع.

– ان عدم وجود احالة صريحة في اي قانون على القواعد العامة يجب ان يحمل على الاباحة وليس على المنع. وان نية المشرع بعدم الاحالة هي التي يجب ان يفصح عنها بشكل صريح وواضح.

– وبالتالي وباعتبار ان العقوبة في القانون الجنائي ليست غاية في حد ذاتها وإنما هي وسيلة اقرت لكي يتعض الشخص ويعود الى تقويم السلوك داخل المجتمع، وعليه لا يتصور ان يحرم الشخص من ممارسة حقوقه المدنية او السياسية لفعل قد يكون ارتكبه في صباه ولا يمكنه الاستفادة باسترجاعها بعلة مرور الزمن على ارتكابه. فمن منا لم يقترف في صباها افعالا مخالفة للقانون، بمن فيهم الآن رجالات ومسؤولون في الدولة.

وبالتالي فإذا كان ممكنا أن ينزع من المواطن حقا من الحقوق المدنية او السياسية فإن هذا الأمر لا يجب ان يكون الى الأبد بل يتعين ان يكون محدودا في الزمن وبالشكل الذي تتحقق فيه الغاية من العقوبة على ارتكاب الفعل.

وبالنتيجة يبدو ان المحكمة الدستورية تراجعت عن التوجه الذي سارت فيه سابقا في القرار الأول رغم وحدة الموضوع؛ نفس الشخص نفس العلة نفس الطعن وإن كان باستحقاق مختلف. ويبدو ان السيد حاميد البهجة كان ضحية مزاجية او عاطفة سياسية لأعضاء المحكمة، ليبقى السؤال المطروح هل المحكمة الدستورية آلية قضائية تحكم وفق مبادئ محددة وموحدة أم آلية سياسية تخضع لمزاجية اعضائها !!!

* باحث في القانون

2017-10-09
المشرف العام