عنف الشباب، نتيجة مؤسسات معطوبة

 عبد الله بيكيش*
تشغل ظاهرة العنف كل المتتبعين للشأن التربوي والتعليمي بالمغرب، خاصة بعد ما تناقلته شبكات التواصل الاجتماعي من حالات عنف منتشرة في المؤسسات التعليمية. وهو ما حدا بالنقابات التعليمية للدعوة لخوض إضراب، ضدا على واقع المدرسة ومهنة التدريس. لكن الملاحظ هو غياب فهم عميق لظاهرة العنف وجذوره.وغياب إرادة حقيقية للحد من هذا السلوك غير الحضاري. فالعنف نتيجة وليس سببا. وهو يتمظهر في اغلب سلوكياتنا اليومية وفي جل مؤسساتنا الاجتماعية.
عند نقاشنا للعنف غالبا ما يتم الاهتمام بالعنف المادي الظاهر، في حين تتعدد أشكال العنف وتتفاوت درجاته. فالعنف وجد منذ القدم في كافة المجتمعات البشرية.
وهو نوع من الإكراه أو إلحاق الضرر بالغير سواء كان ماديا أو معنويا. فالى جانب العنف المادي هناك عنف خفي، عنف رمزي معنوي وعنف نفسي. يتفشى العنف في كافة سلوكاتنا اليومية. في الأسرة والشارع والمدرسة بل حتى داخل منظومتنا الدينية.
هذا العنف قد يكون ظاهرا وهو العنف المادي أو متسترا كالعنف الرمزي الذي لا نأبه به ولا نقدره، رغم ما له من تبعات نفسية واجتماعية، فالعنف عنف تتداخل أشكاله وتتفاعل، فالعنف المادي له تبعات اجتماعية ونفسية. كما للعنف الرمزي تبعات وسلوكات قد تولد عنفا ماديا.
يُتخذ العنف في مجتمعنا كتربية للأطفال، وعقاب على السلوك الذي نعتبره شادا سواء في الأسرة أو المدرسة بل حتى الشارع يمارسه الآباء والمربيين والأساتذة وموظفو المؤسسات في كافة القطاعات وتمارسه الدولة في حق المواطنين.
نحن مجتمع يتواطأ مع العنف، نبرر العنف للأطفال باعتباره سلوكا عاديا نفرض به النظام، بل نشجع عليه، عنف الرجل للزوجة وعنف الآباء للأبناء والكبار للصغار. فكل سلوك او فعل غير مرغوب فيه يتم وقفه بالعنف، لا مكان في هذه المنظومة للتواصل والحوار والإقناع. فالعنف هو الحاسم في كل عجز عن الإقناع يرث الأجيال هذا السلوك ونسميه تربية، فتستمر المأساة عبر الأجيال.والنتيجة فرض الطاعة والخنوع بالعنف في أول مؤسسة يتتلمذ فيها الطفل معنى القيم.
ننتظر من الطفل احترام الأخر وتقبل الاخر والحوار وغيرها من القيم المفروض أن يتشبع بها الفرد داخل مجتمعه. ولكن لا احد يسأل أين أنا (ذاته) هذا الطفل؟ من يستمع إليه؟ من يحاوره ويمسك بيده كذات؟ لا جواب عن هذا السؤال فالطفل مجرد منتوج تطبع فيه تجربة الآباء مع آباءهم، إعادة إنتاج نفس العلاقة ونفس السلوكات. ينتقل الطفل الى المدرسة كعالم جديد، فيبدأ في شكل اخر من التماثل: نفس السن ونفس السلوك يكاد ينفي التمايز باستثناء الامتحان، وأحيانا نفس اللباس. سيادة علاقة أفقية مع الأستاذ تفرض الطاعة والانضباط. وليس الحب والتقدير والتسامح. هكذا يجد الطفل نفسه في نوع من الاستمرارية لنفس أساليب التربية والتعليم. مدارس تفتقد لحس التربية الخلاقة، من المدير مرورا بالإداري حتى الأستاذ علاقة أفقية أشبه بالنظام العسكري. فيصبح الكل شرطيا ذو سلطة،وهي نفس العلاقة التي تحكم قطاع التربية والتعليم من أعلى سلطة في البلاد إلى أخر موظف يتفاعل مع التلاميذ بشكل يومي.
وعندما تضاف اكراهات المقررات الدراسية تتحول المسألة الى علاقة أذاتية بين الأستاذ والتلميذ وتزيد الأزمة استفحالا عندما تغيب الأندية الخاصة بالأطفال، والنوادي والإذاعة المدرسية ودور الشباب وكل أشكال الأنشطة الثقافية من فن ومسرح ورياضة. فكيف سيندمج هذا الشباب في مجتمعه ؟
تتقاذف الأسرة والمدرسة الواحدة الأخرى حول مسؤوليتها في تنشئة الأجيال،ونفس الشيء تفعله مؤسسات الدولة، التي تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في سير هذه المؤسسات الاجتماعية.
تنشئة الشباب في هذه المؤسسات مترابطة جدليا فيما بينها، عندما يسود العنف والسلطة في الأسرة والمدرسة فلابد للمسألة ان تنعكس على منظومة المجتمع ككل أي في مؤسسات الدولة. الديمقراطية والحوار وكل القيم الإنسانية تكبر معنا منذ الصغر. وهذا طبعا عندما نسعى لإنتاج جيل جديد مبدع خلاق وليس جيلا من الضباع الخانعين بصيغة السوسيولوجي المغربي محمد جسوس. يجب اعادة النظر في سير مؤسساتنا الاجتماعية.
مسألة العنف تقتضي إعادة النظر في المنظومة المنتجة لهذا السلوك وليس رد فعل زجري واتخاذ إجراءات ردعية، المسألة تتجاوز علاقة التلميذ بالأستاذ فكلاهما منتوج اجتماعي لنفس المنظومة.

*طالب باحث في علم الاجتماع
2017-11-07 2017-11-07
عبد اللطيف بتبغ