المعطي حصاري…….تـــو ا ز ن وتـعــا يش

سوس24/متابعة

 تـــتـضح قيمة العمل الفني وجماليته من خـلال ســـبر أغــواره وملامسة جوهره و اللمــسة الفنيــة التي يضفيــها الفنـان لتتفــاعل معــها النفــس وترحـل بهــا في فضــاءات منفصلة عن الـواقـع وتبعث على السلام والتـوازن و التعـايش , وكلها تــمثلات تنهــل مــن عوالـم روحـانية تسـافر بالـمتلقي فـي سـماء المطلق اللامتناهي .
يعتبر العمل الفني التشكيلي مرآة تعكس نفسية الفنان التي تشحن في اليوم عشرات المرات بمشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية وفنية , فيلجأ الفنان إلى إفراغها والتخلص منها أو تحويلها إلى لوحة تشكيلية .
ويمكن القول كذلك بأن العمل الفني الذي يتجلى في اللوحة التشكيلية هو نتيجة لترجمة واقع معاش سواء كان هذا العمل الفني تشخيصا للواقع أو مجردا من الطبيعة والموضوع . من هذا المنطلق يعمل الفنان “المعطي حصاري” جاهدا لترجمة كل ما يقع في اللاشعور من تراكمات ناتجة عن أشياء لا يمكن التعبير عنها إلا عن طريق العمل الفني التشكيلي .
“المعطي حصاري” من مواليد الفقيه بن صالح تربى وترعرع في منطقة بني عمير سهل تادلة وسط الحقول الخضراء على طول السنة , الشيء الذي أثار بشكل ايجابي وكبير على موهبته , وبعد إنهاء دراسته الابتدائية والإعدادية بالفقيه بن صالح توجه إلى المدينة الحمراء مراكش حيث حصل على شهادة البكالوريا فنون تشكيلية , ثم درس سنتين من الأدب الفرنسي بجامعة القاضي عياض بنفس المدينة , والتحق بالمركز التربوي الجهوي بالرباط السويسي حيث حصل على ديبلوم التخرج كأستاذ للتربية التشكيلية بمدينة أبي الجعد حيث نهل الكثير من رحيقها الفني و تأثر بأعمال الفنان الكبير “أحمد الشرقاوي” ابن المدينة رائد الفن التشكيلي التجريدي بالمغرب .
من خلال أعماله يحرص الفنان “المعطي حصاري” على تحوير الحرف العربي والانزياح به عن مضمونه اللغوي ليصبح بالتالي منطلقا للدخول إلى عالم الفن التجريدي ,هذا الفن الذي يمكن تفسير انتشاره حسب الفنان نفسه بعاملين أساسين : الأول مرتبط بالحرية التي تطمح لها اليوم الشعوب العربية وهو طموح يترجمه هذا الفن الذي يرفض كل القيود الموضوعية للتخلص من كل أثار الواقع والارتباط به ,أما العامل الثاني يتجلى في الرغبة المتنامية لدى الفنانين العرب لاعتماد الخط العربي كمنطلق للدخول إلى عالم التجريد .
ويعتبر “المعطي حصاري” الأسلوب التجريدي الذي يمارسه بمثابة ترجمة لأحاسيس دفينة في خبايا النفس ,مما جعل الفنان يتحمس للشكل الهندسي النقي ,و ينجح في بث الروح في أشكاله الهندسية كالمربع والمستطيل والدائرة والخط المستقيم والمنحني في شكل رموز متجذرة في التراث المغربي : تراث الأجداد كالوشم والحناء والزربية . وبحكم تأثر الفنان بهذا الفن الذي يعتبر جزءا من المعارف التي تحيل إلى التراث المغربي العربي الإسلامي , فقد عرف الفنان كيفية توظيفه كفن نبيل ضمن الأعمال التي تؤثت الساحة الفنية المغربية .
لقد نجح الفنان”حصاري” في بث الروح في أشكاله الهندسية والرموز المغربية وإضافة الحرف العربي مجردا من مضمونه اللغوي وإعطائه لونا متفردا وتركيبا متوازنا وفق نظام معين ,ويبدو هذا متجليا في جميع لوحاته . لقد اعتكف الفنان على إبراز قيمة الأشكال وتحويلها إلى رموز بدل التركيز على مظهرها الخارجي ,لأن قيمة العمل الفني وجماليته تـتـضح من خـــلال ســبر أغــواره وملامسة جوهره و اللمــسة الفنيــة التي يضفيــها الفنـان لتتفــاعل معــها النفــس وترحـل بهــا في فضــاءات منفصلة عن الـواقـع وتبعث على السلام والتـوازن والتعـايش,وكلها تــمثلات تنهــل مــن عوالـم روحـانية تسـافر بالـمتلقي فـي سـماء المطلق اللامتناهي.
ويحاول الفنان في أعماله الانزياح عن النقل المباشر للطبيعة والكشف عن حقيقة جديدة تكمن في تحويل الأشكال إلى رموز وتشكيلها في قالب متماسك ومتوازن ,مع إضافة الحرف العربي في حلة جديدة شامخا ومتناغما مع باقي الرموز داخل اللوحة الفنية .
ويبقى الاشتغال على الحرف العربي والرموز المغربية من الفن التشكيلي رافدا من الروافد الجمالية والتعبيرية التي تتغيا إعادة التوازن إلى العنصر البشري من خلال التربية على الذوق السليم وزرع بذوره في نفوس فلذات أكبادنا , الشيء الذي ينعكس إيجابا على القيم والأخلاق المجتمعية والتي نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخها في الوعي الإنساني من خلال الاشتغال على مواضيع تمس الهوية وتقترب من اهتمامات المتلقي على اعتبار أن الفن لغة وجدانية تجمع ولا تفرق ,غير مقيدة بحدود أو تطرف إلا أن تكون رسالة تربوية راقية هادفة وهادئة قادرة على إعادة تشكيل الوعي لدى المبدع والمتلقي في ا ن واحد .
2017-11-14
عبد اللطيف بتبغ