الممارسة الشعبية للطقس الديني بالأطلس الصغير الجنوبي

محمد ابن المهدي

تعد الممارسة الدينية للطقس الديني الشعبي بعموم الاطلس الصغير متفردة و لها مقومات و خصوصيات مستمدة من التراث الديني القديم الوثني الذي كان سائدا بالمنطقة و من العقيدة الاسلامية، و من التراث الفكري، و الثقافي لمختلف الاثنيات التي استوطنت المنطقة ومن عموم الديانات التوحيدية . و لم يسلم هذا النموذج الديني من تأثير مختلف المؤثرات الفكرية الوافدة على المنطقة و لم يكن محصنا ضد التحولات الاجتماعية المستمرة ، و فقد استقلاليته و تهشمت ملامحه الثقافية و الطقوسية و تأكلت مقوماته الذاتية .

في محاولة اثنوغرافية لقراءة الطابع الديني السائد بمنطقة الاطلس الصغيرالجنوبي تبين أن التراث الديني بالمنطقة تأثر بالإرث الوثني و الاعتقادات القديمة السابقة على الديانات التوحيدية الثلاث ممثلا في مجموعة من الطقوس و العادات الاحتفالية المغلفة بطابع ديني ، و تفكيك هذه الطقوس و الممارسات سيبين اصولها الوثنية و مرجعياتها الاسطورية التي تعود الى ازمنة غابرة ممتدة في البنيات الثقافية لسكان المنطقة .

ان تطور العلوم الاجتماعية و الانثروبولوجيا و المنهج الفينومينولوجي و المنهج التاريخي جعل الباحث يرصد أهمية و مركزية هذه الطقوس في الحياة الاجتماعية و كيف تحولت هذه الممارسات و السلوكيات التي ضلت مقبولة لدى الافراد و الجماعات، و التي كانت تؤدي وظائفها الاجتماعية و الدينية . فإميل دوركايم في كتابه “الاشكال الأولية للحياة الدينية ” أقر أن الدين سقف موحد من المعتقدات و الممارسات ذات الصلة بأشياء مقدسة حيث بحث عن العوامل المشتركة بين الأديان كلها و بدأ بالصورة الاكثر بدائية و هي الدين الطوطومي للسكان الاصليين في استراليا و كان دوركايم حريصا في تحليل الظواهر الدينية اجتماعيا ، اذن الطوطمية أو الوثنية هي اولى الاشكال الدينية التي عرفها الانسان وهي تجسيد لحاجة نفسية اجتماعية و ثقافية في ان واحد .

و من هذا المنطلق فان بعض الطقوس المنتشرة بمنطقة باني وعموم الاطلس الصغير مازالت تفعل فعلها في تشكيل المحددات الاجتماعية، و الفكرية، و الدينية و الثقافية لسكان المنطقة التي تلاقحت فيها عدة ثقافات و إثنيات منها الامازيغية ، و العربية، و الافريقية جنوب الصحراء، و اليهودية ، واعتنقت الوثنية قبل اعتناق الديانات التوحيدية اليهودية و المسيحية و الاسلام ذلك ان مجموعة من الطقوس مازالت تحمل سمات هذه الثقافات و مازالت تفعل فعلها و تمارس داخل المجتمع، و طقوس متخلى عنها ومنها ممارسات في طريق الانقراض .

اعتقد السكان المحليون بوجود قوى روحية غير مادية بوسع المرء ان يسخرها لقضاء مصالحه خيرا كانت ام شرا و هي تسكن الحيوانات، والأشجار و الاحجار، و النباتات و المياه و النار و أن هناك قوى عظيمة يمكن ان تتوسط بين الانسان و ربه .

مما جعل هذه الطقوس تسكن الانساق الفكرية و الاجتماعية و تؤدي وظائف متعددة لذلك فإن اندثارها قد يعرض هذه الانساق لهزات متفاوتة يفقد معها الطقس وظيفته مما سيعرض المجتمع المحلي لخطر تغلغل الفكر المتعصب و الثقافة الاصولية الوافدة .

قبل أن نناقش وظائف هذه الطقوس ذات الطابع الديني و مركزيتها في البنيات الاجتماعية في مقال لاحق لابأس أن نقوم بقراءة إثنوغرافية مقتضبة لهذه الطقوس المنتشرة بالمنطقة المذكورة ، و نود أن نشير الى أن هذا الجرد مبني على دراسة سوسيولوجية اشتغلت على المنطقة التي تعد خزان مهما لمجموعة من الطقوس المتعددة و المتنوعة المليئة بالرموز و الدلالات ، و تتوزع بين طقوس خاصة بالاستسقاء و طقوس لطلب الزواج و الأنجاب و اخرى خاصة بالسحر و اللعنة، و سنأتي لذكر بعض منها .

طقوس الاستسقاء :

للإنسان بالمنطقة علاقة حميمية مع الماء، علاقة حياة و استقرار، فالتجمعات السكانية الكبرى مجتمعة حول منابع المياه في واحات و كون المنطقة تقع في مجال جغرافي قليل التساقطات فإن الانسان حافظ على طقوس الاستمطار لطلب المطر و ابدع في ممارسته الطقوسية المصبوغة بطابع ديني و منها طقس ” بلغنجا ” الذي يمارس كلما تأخر المطر ويمكن ارجاع أصوله و مرجعياته الاسطورية للميث الامازيغي القديم الذي يحكي عن عشق اله المطر “أنزار” لأنثى أدمية كانت تستحم في جدول فتن بها و طلب منها الزواج و لرفضها انحبس المطر و جف الجدول و عم القحط لكن السكان قاموا بتزويج الانثى الجميلة “لأنزار” و قاموا بتزينها و أخدها اليه، و بعد مدة هطل المطر و أطلت عليهم الفتاة الجميلة المزينة في شكل قوس قزح ” تسليت ن أنزار ” .

طقس أورير الذي يقام على جبل بمحاذات قرية اكيواز بتمنارت بحيث تتقدم امرأة موكبا يحج للجبل طلبا للمطر و يقام الطقس فوق قمة الجبل العالية و ينتهي بتكبيل طفل من “اكرامن” فوق القمة وتركه حتى يبكي و كلما كان البكاء غزيرا كلما سيكون المطر مدرارا .

طقوس الزواج :

ان بنية المقدس تختلف من طقس لأخر حسب المكان و الزمان الذي يمارس فيه و الشكل الذي يمارس به ، ففي قرية اشت شمال فم الحصن تزور الفتيات و النساء من كل الاعمار حجارة عبارة عن جلاميد كبيرة أو ” كراكير 1″ لطلب الزواج، و أطلق على المكان اسم سيدي عبد الله بن عبايد الذي تجهل سر تسمية المكان بهذا الاسم و تقام الطقوس بهذا المكان بطابع ديني مع وليمة من عصيدة تقام بدقيق من زرع القرية مع ضرورة الاكل على حجارة مقعرة و لا يستقيم الطقس دون الاكل على تلك الحجارة . يقصد من هذا الطقس طلب الزواج او فك العنوسة، لذلك تقوم الفتاة الراغبة في الزواج تطبيق مجموعة من الطقوس منها الاستحمام بين صخرتين مثقوبتين بأعلى الجبل و التجرد من حليها و تركها بالمكان .

أحجار للا الصحابة:

يقع المكان حيث أحجار للا الصحابة بشرق قرية اكيواز تمنارت على تلة بها حجارة طويلة على شكل قضيب و تقوم الفتيات بربط هذا الحجر بخيط و رميه في ثقب يشبه الى حد ما الاعضاء التناسلية للأنثى مع تمني الزواج في القريب العاجل ، و الطقس كذلك مرتبط بهذا الاسم المستمد من المقدس الديني .

طقوس الانجاب :

حجارة سيدي عبد الله أحماد جنوب قرية اشت تتبرك بها العروس الجديدة صحبة أهل العريس و اهل العروسة من النساء و يطلبن من الله تمتيع العروس بأولاد صالحين وهن يطفن بكومة الحجارة ” الكراكير” ، و قد انقرض هذا الطقس مؤخرا و لم تعد الساكنة تمارسه . و توجد شجرة بدوار القصبة بتمنارت تزورها النساء في أوقات مقدسة لتعليق عليها تمائم و تدعوا طلبا للإنجاب تسمى شجرة سيدي عبد الله أعثمان .

طقوس الاستشفاء :

في قرية سموكن شمال تمنارت يقوم السكان الذين يعانون من بعض الامراض خاصة الجلدية بقطع أوراق نبات صحراوي يمرر على الاماكن المجروحة او المتقرحة و يوضع قرب القبور و توضع فوقه حجارة متوسطة الحجم ، و كلما جف النبات تندمل الجروح و تتداوى الامراض.

الكراكير : اسم استعمله فسترمارك للتعبير عن الحجارة المقدسة التيكانت كثيرة الاستعمال في الطقوس الدينية في المنطقة التي درسها بالمغرب، و ذلك من خلال بحث بعنوان ” الطقوس و المعتقدات ”

في مركز تمنارت بقرية أكرض يوجد مقام ولي تقع قربه شجرة أركان مقدسة تسمى “تمايت ن شيخ “، يربط بجذعها المرضى الذين يعانون من امراض نفسية ، و المجانين ( الفاقدين للضوابط الاجتماعية مدة ثلاثة ايام مع اعتقاد أن بركة الولي و قداسة الشجرة يشفون المرضى .

لقد اوردنا في هذا المقال نماذج من عدة طقوس ذات أصول وثنية سابقة على الاسلام و لها أصول ومرجعيات أسطورية قديمة و مزال كثير منها يلعب دوره ووظيفته، و عموم هذه الطقوس ثمت اسلمتها ليستطيع الانسان تحقيق نوع من التوازن بين ثقافته و تراثه العقدي و دينه، ليخلق بذلك نوعا من التدين الممزوج بمعتقدات تتعرض اليوم لهجمة الفكر الاصولي، و الفكر الديني المتعصب، و النقد الفكر الحداثي . مما جعل المجتمع المحلي يفقد كثيرا من المقومات الاجتماعية و الثقافية و الهوياتية، بحيث أن كثيرا من هذه الطقوس تقام بشكل جماعي يحقق نوعا من التماسك العضوي و الاحساس بالمصير المشترك، كما أن هذه الطقوس تجيب على كثير من الاشكالات النفسية و الاسئلة المحيرة للانسان . ….يتبع….

2018-02-11 2018-02-11
عبد اللطيف بتبغ