الوزير ها هو… حقوق الإنسان فين هيا

الكاتب: رشيد غفران

شكل الحراك السياسي الذي تبنته حركة 20 فبراير سنة 2011 نقطة تحول في مسار الدولة المغربية، وترتب عن هذا التحول، تدشين سلسلة من الإصلاحات السياسية بالمغرب، أبرزها التصويت على دستور جديد، والذي جاء بمجموعة من المكتسبات، وتضمن مجموعة من الفصول التي تهتم بحقوق الإنسان، ويعتبر هذا التحول في المسار السياسي للدولة المغربية، بمثابة ردة فعل النظام السياسي، على خروج ولأول مرة، مئات الآلاف من المغاربة، للشارع وتنظيم مظاهرات وإحتجاجات بمختلف المدن المغربية، ومطالبة فئة واسعة من المغاربة، بالحرية، والكرامة، والعدالة الإجتماعية، ومحاسبة المفسدين، وناهبي ثروات البلاد وخيراتها.

وقد تم إحتواء هذا الحراك، بخطاب ألقاه العاهل المغربي محمد السادس، في التاسع من مارس من سنة 2011 أعلن من خلاله، إنخراط الدولة المغربية في مسلسل الإصلاح السياسي والمؤسساتي، وقد شكل هذا الخطاب منعطفا تاريخيا في مجال الديمقراطية، كما أعتبر دعوة صريحة للإصلاح، وبداية مرحلة جديدة أكثر ديمقراطية، توجت هذه المرحلة الجديدة، بوضع دستور جديد، وتنظيم إنتخابات جديدة و نزيهة إلى حد ما.

كان وضع دستور جديد للبلاد، أبرز حدث سياسي ميز هذه المرحلة، بإعتباره اللبنة الأولى للإصلاحات السياسية، التي أعلن النظام السياسي إنخراطه فيها، وقد جاء هذا الدستور الجديد بمجموعة من المكتسبات الديمقراطية، فإلى جانب إقراره بدور المؤسسة الملكية في ضمان استقرار البلاد واعتبار الملك رئيس دولة، وممثلها الأسمى، ورمز الوحدة الوطنية، جاء أيضا بمجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، منها الحق في الحياة، والحق في محاكمة عادلة، وحظر التعذيب بكل أنواعه، وكذا حظر كل أشكال الانتهاك السافر لحقوق الإنسان، وأيضا الحق في التجمع والتظاهر السلمي، وغيرها من الحقوق الأساسية، كما جاء الدستور الجديد، في ما يتعلق بإصلاح السلطة التشريعية، بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ونص على أن البرلمان هو المختص بتشريع القوانين ومراقبة الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، أما في ما يخص السلطة التنفيذية، فإن الدستور الجديد، نص على أن الحكومة تكون منبثقة من البرلمان المنتخب، تحت قيادة رئيس للحكومة، يمارس سلطة تنفيذية فعلية، يعين من طرف الملك، ويكون من الحزب السياسي الذي تصدر الانتخابات التشريعية، كما جاء في الدستور الجديد، تبديل تسمية الوزير الأول برئيس الحكومة، مع منحه صلاحيات واسعة، وممارسته لسلطة تنفيذية حقيقية، أما فيما يخص القضاء، فقد جاء الدستور الجديد، بمضامين تنص على استقلالية القضاء، والإرتقاء به إلى سلطة مستقلة، وذلك بالتنصيص على منع كل تدخل غير مشروع، في عمل القضاة، ومنع خضوعهم، لأية تعليمات أو أوامر، وما إلى ذلك من مضامين نص عليها الدستور الجديد بهدف إصلاح منظومة القضاء.

إن التمعن في طبيعة المكتسبات التي جاء بها دستور المملكة المغربية الجديد، يوحي بشكل لا يقبل الشك، أن هذا الدستور يسمو إلى مصاف الدساتير ذات التقاليد الديمقراطية، نظرا لتكريسه لمجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، غير أن الإشكال الحقيقي، يكمن في كون مجمل ما جاء به الدستور الجديد من مكتسبات، حبيس الوثيقة الدستورية، دون أن تلقى هذه المكتسبات طريقها نحو التنزيل والتفعيل على أرض الواقع.

لا شك أن إقرار الدستور الجديد في المغرب، يعد خطوة جيدة نحو ترسيخ إصلاح سياسي ومؤسساتي في المغرب، غير أن هذه الخطوة تفتقد إلى الجدية اللازمة، لتحقيق ترسيخ الإصلاح السياسي والمؤسساتي المزعوم، على أرض الواقع، والمتأمل في ما آلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية في المغرب اليوم، يدرك لا محالة حقيقة انعدام الجدية، وغياب نية حقيقية لدى النظام المغربي لترسيخ هذا الإصلاح.

مؤشرات زيف شعار الإصلاح السياسي، وغياب الجدية اللازمة لترسيخه لدى النظام السياسي المغربي، تظهر يوما بعد يوم، وبشكل واضح وجلي، فبالرغم من مرور ما يقارب سبع سنوات على خطاب مارس، والذي ترتب عنه ما ترتب عنه حينها من خطوات(الدستور الجديد…) لترسيخ الإصلاح السياسي والمؤسساتي بالمغرب، إلا أن واقع الحقوق والحريات بالتحديد، وهو من أبرز المستجدات والمكتسبات التي جاء بها الدستور الجديد، ما زال كما هو قبل خطاب مارس، بل زاد عنه سوءا وترديا، وأن النظام السياسي في المغرب، لم يقطع بعد مع أساليب التضييق على الحريات الفردية وإنتهاكه لحقوق الإنسان، وقد أدى ذلك إلى رسم صورة قاتمة، حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، من طرف المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، و قد شهدت السنوات الأخيرة خاصة سنة 2017 تراجعات خطيرة، على مستوى حقوق الإنسان، ومن أبرز تجليات هذا التراجعات الخطيرة : القمع الذي تعرضت له عدد من الاحتجاجات التي عرفتها مناطق في المغرب، سواء في الريف وزاكورة وقلعة السراغنة، وإستهداف النشطاء الذين يقودون هذه الإحتجاجات، كما هو الشأن بالنسبة لنشطاء حراك الريف، أضف إلى ذلك إستهداف النظام السياسي لعدد من الصحفيين، وتغييبهم في السجون والمعتقلات، وتلفيق التهم لهم للنيل من أقلامهم التي تزعج كثيرا النظام السياسي، وتفضح بعضا من ألاعيبه، ومحاولة تكميم أفواههم، وجعلهم عبرة لمن سولت له نفسه، السباحة ضد تيار النظام، كما هو الشأن بالنسبة للصحفيين المهداوي وبوعشرين، الذي إعتقل قبل أيام قليلة، بطريقة يمكن وصفها بالهوليودية، ويتابع من طرف القضاء بتهم ثقيلة منها الإغتصاب والإتجار بالبشر.

إنتهاك حقوق الإنسان في المغرب بهذه الوثيرة، يأتي في الوقت الذي يتسابق فيه النظام السياسي المغربي مع الزمان، للترويج لنفسه في المحافل الدولية، على أنه حريص أشد الحرص على حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، بل حدث وأن خصص حقيبة وزارية، تعنى بحقوق الإنسان في الإئتلاف الحكومي الأخير، و الذي تشكل بعد مخاض عسير، بقيادة حزب العدالة والتنمية، وتم إسناد هذه الوزارة الجديدة، التي تعنى بحقوق الإنسان، لوزير العدل والحريات السابق مصطفى الرميد، لتنضاف إلى المؤسسات الرسمية التي تهتم بملف حقوق الإنسان بالمغرب، على غرار المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، والتي في حقيقة أمرها، ضررها لحقوق الإنسان أكبر من نفعها لها، ولم تخدم قضية حقوق الإنسان بشيء بل العكس، كلما إستحدثت مثل هذه المؤسسات، كلما زادت أوضاع حقوق الإنسان سوءا وكلما زاد التضييق على الحريات الفردية، ولنا أن نتمعن في حجم الإنتهاكات، والتجاوزات الخطيرة التي شهدتها حقوق الإنسان بعد إستحداث وزارة حقوق الإنسان.

2018-03-03 2018-03-03
المشرف العام