الرياضة ثقافة

في قرانا، في فترة الثمانينيات وقبل، لما ترى الرجل -شابا كان أو شيخا- يجري، فاعلم أنه يطارد حماره أوقطيعه.. انه يريد أن يوقف حيواناته قبل أن تنفش في زرع القوم، فتجر عليه “البلاوي”…. ترى الصبي يركض هاربا من عقاب أو من حصة استحمام سادية بحمام “السلة” الذي أعدته الام باكرا، فأحضرت الحطب اللازم لتسخينه وحجر خشن من الوادي المجاور، سيفرك به الجلد الغض للصبي بلارحمة …ترى المرأة الشابة بلباسها الداخلي وشعرها التائر وقدميها الحافيتين تجري فارة من قسورة: زوج متغطرس، متشبع بالفكر الذكوري، يعتبر نفسه أسدا ويعتبر المرأة شيئا لا يعتبر.. ينهال على زوجته بالضرب معتقدا أنها مازالت في مرحلة “الروداج”..يفعل كما فعل سابقوه من”رجال”القرية، فيكثف اللكم والركل والجلد كلما عصت أوامره المتعجرفة.. تفر المسكينة بسرعة العداءات، لعلها تصل الى بيت أبيها أو بيت من يستطيع حمايتها من الجيران قبل أن يلحق بها “ابو الليوث”..

فاذا استثنينا بعض الألعاب التي يقوم بها الصبيان-وهي من نشج خيالهم-والتي تعتمد على المطاردة بالأساس (الشرطة واللصوص,الدارة والحبس…) فالمظاهر الرياضية تكاد تكون منعدمة بالقرية..

انعدمت الرياضة بانعدام من يروج لها..تلفاز الفيليبس أو الجنيرال لايفتح الى وقت الأخبار(الخطبة) أولمشاهدة بعض الأفلام التي يعشقها رب البيت (جيمي القوية…)..فالبطارية لاتستطيع تغطية جل ساعات البث…اذن لن يتمتع الشباب بمشاهدة ألعاب القوة المقامة بلوس أنجلس,أوألعاب البحر الأبيض المتوسط ,أو الدوري الألماني الذي كان ينقل انذاك…امام المسجد يصلي خمسا ويضع على فمه خمسا:لايتحدث عن سباحة ولارماية ولاركوب خيل…حتى صلاة التراويح يؤدىها ببرنامج المستوى الأول اابتدائي..اذن من أين ستسلل الثقافة الرياضية الى أريافنا؟…

في بداية التسعينيات,وصلت الوحدات المدرسية والمستوصفات الى أغلب القرى.فأصبحنا نرى المعلم والممرض يستيقظان باكرا ويقومان بتمارين رياضية..لم تغير هذه”البدعة” شيئا في السكان..فقط طالبوا الرياضيين بتغير مسار الجري بعيدا عن منبع الماء حيث ملتقى نساء القرية…درس الأطفال,استفادوا من حصص التربية البدنية التي خصصت لها ساعات خاصة وأستاذ متخصص لما مروا الى الاعدادي والثانوي..نقل الطلبة قوانين لعبة كرة القدم الى ريفهم,فنظموا لعبهم وبرمجوا وقتا للكرة في أيام أسبوعهم……لكن رغم كل هذا ظلت الرياضة مجرد لعب أطفال ,لم تعرف بعد سبيلها الى الكبار…تغير الانتاج الفلاحي..ادخلت الأسمدة والمبيدات..تغير علف الماشية..ظهرت أمراض مزمنة ,أصابت الكثير…وصف الأطباء الدواء اللازم,لكنهم ألحوا على ضرورة ممارسة الرياضة للوقاية أوللحد من تداعيات السقم…قليلون من أطاعوهم….

بقيت الرياضة خارج ثقافتنا رغم مزايها وفوائدها.فنحن نقلد الغربي في ما لاينفع ,أما مايعود علينا بالصحة والعافية فنغفله..هذا الغربي الذي لايفرط في الرياضة .حتي لمايسافر,فأول مايضع في حقيبته بذلة وحذاء رياضيين…أصلح الله أحوالنا.

الناجم بنزيدان

2018-03-11
المشرف العام