بين دائرة التأثير ودائرة الاهتمام .. أين نقف؟

محمد سرتي

حدد رائد التنمية البشرية (ستيفن كوفي) دائرتين تتنازعان وتتجاذبان الأفراد والجماعات، نوزع بينهما أوقاتنا، ونفرغ فيهما أعمالنا، ونصرف من خلالهما آمالنا وآلامنا، ونصب فيهما تفكيرنا وجهودنا وحتى أحلامنا، ولذلك فإن كافة أنشطتنا في مختلف مناحي الحياة الصغيرة والكبيرة، الظاهرة والمضمرة، الفردية والجماعية، لا تزيد عن كونها حدث يدخل ضمن إحدى هاتين الدائرتين، دائرة التأثير أو دائرة الاهتمام.

دائرة التأثير وهي الدائرة التي ترتبط برسالتنا في الحياة، ونملك فيها قرارنا وعزمنا، إلينا فيها المرجع والدرك، وتدخل ضمنها كافة البرامج التي لنا تأثير مباشر عليها، ولذلك نضع فيها تعهدات ترفع أو تحط من كرامتنا حسب تعبير (كوفي) وتسعى إلى تحسين مستوانا الثقافي والمعيشي، وتنمية مهاراتنا الحياتية، وتربية أطفالنا، وتحصيل سعادتنا، والتأدب مع غيرنا، والنهوض بمشاريعنا المرتبطة بمهننا وأعمالنا، ومؤسساتنا الجماعية.

دائرة الاهتمام وهي الدائرة التي لا نملك فيها قرارا وإن كانت تدخل في نطاق اهتمامنا، كالأحوال الجوية، وإرث الماضي، ومواعيد العمل، والفقر والبطالة والحروب، وعيوب الآخرين وطباع الناس، وغيرها مما ليس لنا سبيل إلى السيطرة عليه، وإن كانت لنا فيه تطلعات وأماني ثقيلة تشغل بالنا وتوقظ ضمائرنا، وتأسر قلوبنا وعقولنا.

الإشكال الذي نطرحه ونسوقه بين يدي هذا الفرش المنهجي أننا للأسف، نقضي جل أوقاتنا في دائرة اهتمامنا التي تجعلنا نراوح أماكننا، وتتمدد لتأخذ أكثر من حجمها في حياتنا، فيكون ذلك على حساب دائرة تركيزنا وبؤرة تأثيرنا، حيث نملك أدوات التغيير ونمسك بخيوطه، فتكون النتيجة دائما هي التذمر والغضب وخلق الأعذار، لأننا نبقى عاجزين عن الفعل الذي يكون له الأثر الايجابي، والقيمة المضافة. إنه كلما طغت دائرة الاهتمام على دائرة التركيز كنا أقرب إلى العجز والشكوى والتذمر، ولذلك حق لنا أن نصف الدائرة الأولى بدائرة القلق والتوتر ونصف الدائرة الثانية بدائرة التغيير والانتاج.

إن الفرد الناجح هو الذي يبذل جهده، وينفق وقته في دائرة تأثيره، ويبحث دوما عن المناطق التي يخلق فيها الحدث بفكره وسلوكه وإفراغ وسعه، وتبعا لذلك تتأثر دائرة اهتمامه هي الأخرى وإن لم يضعها نصب عينيه، ولم يأخذها في اعتباره وحسبانه.

وهذا ينطبق أيضا على المجالس الجماعية الناجحة التي تبذل جهدها في دائرة تأثيرها، فلا نكاد نجدها في دائرة اهتمامها إلا لماما، إذ توجه عنايتها دوما إلى ما يدخل ضمن اختصاصها ومجال عملها المرتبط أساسا بالتنمية المجالية والذكاء الترابي.

رجاء، لا تضعوا كرامتكم في الميزان مقابل تطلعاتكم عوض تعهداتكم، وابحثوا دوما عن موطئ قدم في دائرة التأثير وبؤرة التركيز، ولا تضيعوا أوقاتكم في دائرة الاهتمام التي لم نجني منها إلا القلق والتوتر، وضمور العمل المنتج، وطغيان الترف الفكري الذي نجد فيه متعة للنفس ولا نجد فيه متاعا للناس.

2018-04-02 2018-04-02
المشرف العام