كيف تستغل القبيلة

كانت القبيلة، إلى عهد قريب جدا، في المجتمع الصحراوي، هي الوحدة الأساسية التي تؤطر البيئة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الصحراوي بل لها سلطة قائمة منظمة، حيث كانت تندرج في تراتب أبوي، يبدأ من شيخ القبيلة، ويمر بالعائلة، ليصل إلى الفرد. حينما كان التنظيم القبلي حيا وفاعلا كان على درجة عالية من المرونة والانفتاح، والقابلية للتكيف مع الظروف الطارئة وكان بعيدا عن التشنجات والعصبيات التي يمارسها بعض أبناء القبائل اليوم من أجل المصالح الذاتية والشخصية.

فإذا نظرنا إلى القبيلة كواقع تنظيمي وممارسة سياسة لا كحقيقة بيولوجية، فيمكن للقبيلة أن تلعب دوراً كبيراً، في حل جل المشاكل المتعلقة بها، وتوفير كافة الإمكانيات الضرورة للحياة في إطار التكافل الاجتماعي التي كان معروف من قبل، ولا زالت بعض ملامحه حتى اليوم في بعض المناسبات والأفراح، فالبرغم من البداوة التي كان يعيشها أهل الصحراء بمواردها الشحيحة وأوضاعها المتقلبة ومناخها الحار وكثرة حيواناتها المفترسة، ونزاعاتها التي لا تنقطع بسبب المياه أو المراعي، لقد اتسمت القبائل الصحراوية بالمرونة والحركية والمهارات اللازمة لإدارة الأزمات التي كانوا يعيشونها في تلك الفترة الزمنية، فلقد كان لكل قبيلة دستور وحكماء يطلقوا عليهم (أيد أربعين)  التي تعتمد على العرف القبلي. والشريعة الإسلامية لمعالجة قضاياها ومشاكلها بين أفراد القبيلة الواحدة وباقي القبائل الأخرى، كما أن حياة الصحراء القاسية المتقلبة جعلت من الإنسان أن يطلب البقاء ويبحث عن ما هو عملي ومفيد على الأرض مستغلا الطبيعة  لصالحه منها الأكل والشرب والمسكن.

كما يعد الحرص على شرف القبيلة، وسمعتها نابع من الشعور بالانتماء القبلي الذي هو صمام الأمان الاجتماعي، الذي يردع الأفراد عن اقتراف ما يعيبهم ويعيب قبائلهم عكس ما أصبحنا نشاهده ونسمعه اليوم من مشاكل تشوه صمعة الفرد والجماعة، فسمعة القبيلة تعتمد على أساس سمعة أبنائها وسلوكهم، كما أن السلوك القبلي من كرم وشجاعة وشهامة ومروءة يقوم على مفاهيم مادية دنيوية أساسها الاعتقاد بأصالة العرق ونقاء الدم ونبالة الأصل أي أنه موروث بيولوجي.

كما أن الإنسان الصحراوي القبلي بطبيعته البيولوجية، لم يعرف في حياته سلطة القمع أو القهر ولا تمارس عليه يحب أن يعيش حراً بدون قيود، نظراً لحسن التربية التي كان يقوم بها الأبوين في تربية أبنائهم ولا يستخدمون معهم أي نوع من أنواع العنف أو الإيذاء الجسدي أو اللفظي لأنهم لا يريدونهم أن يتعلموا الخنوع والذلة، وإنما يتعلموا القيم الأخلاقية والشجاعة والكرم وحب الخير للأخر، والصراحة وتحمل المسؤولية في سن مبكرة، وأن يكونوا عصامين ومتبوعين لا تابعين.

لقد تغير اليوم مفهوم القبيلة، حيث أصبح بعض أبناء القبائل يستخدمون القبيلة لأغراضهم الشخصية الفردية وليس الجماعية كما كان سابقا، لهذا أصبحت سلطة القبيلة تتلاشى وتتآكل وتضعف مكانتها مع وجود السلطة (أي الدولة)  أي أن الدولة أنتجت نخب لصالحها وليس لصالح القبيلة بمفهومها البيولوجي، لكن هذه النخب تجمع بين مكانتها في الدولة والقبيلة مستغلة نفودها في القبيلة والمجتمع لتفريق وليس الجمع، وخاصة في أيام الانتخابات التي تنتج لنا الا نخب تقليدية لا تخدم الا نفسها لتكديس الاموال الطائلة بدون حسيب ولا رقيب .

كما أن هناك معطى أخر يستغل مفهوم القبيلة، وهو الفرد ألاتكالي الغير فاعل المنتمي إلى قبيلة ما المنطوي على نفسه، الذي يركن في أركان المقاهي يستغل مفهوم العصبية القبلية للوصول إلى الأهداف المادية مستخدما مصطلحات تليق بالمشهد السياسي، فما أن تقوم الدولة بتقسيم الفتات على المواطنين، حتى تطفو على السطح طفيليات، وتظهر النزعة القبلية، وتخرج مصطلحات من بعض المثقفين وهذا المصطلح أتحفظ على ذكره حاملي الشواهد العلمية،  يقولنا (حنا أهل التراب حنا أولاد الدشرة حنا……) فهذا يصب في مصلحة من يلعب فوق الماء العكر من منتخبين ومسؤوليين وأصحاب الشأن المحلي.

فالغريب في الأمر أن هذا ما أصبح متداول اليوم بين المجتمع الصحراوي الذي أصبح يعتمد على الاتكالية واستغلال الفرصة، للوصول إلى المناصب العليا التي حينما يصل إليها يوظف كذلك النزعة القبلية ويقدم كذلك أبناء العمومة، ولهذا فمن كان فكره ضيق سيبقى محصورا في دائرة ضيقة منطوي على نفسه، يخاف الأخر يحب القريب ويكره البعيد، فالقبيلة كانت تحث على الانفتاح والتركيز على القيم الأخلاقية، والكرم والشجاعة والشهامة وهذه هي شيم العرب الأقحاح.

الدكتور محمد مولود امنكور متخصص في التراث والتنمية السياحية

2018-05-10 2018-05-10
مصطفى باعدي