“النموذج المغربي في عمقه الأفريقي” موضوع مداخلة رئيس جمعية الوحدة الترابية بالداخلة واد الذهب

بقلم/حسن لحويدك*

اختتمت  يوم الخميس المنصرم 10 ماي أشغال الندوة الوطنية حول “الحكامة الاقتصادية لمغرب العهد الجديد ، أفريقيا اي أدوار للصحراء المغربية “بمقاطعة أكدال فاس، تزامنا مع إحياء ذكرى “اليوم العالمي لإفريقيا” الذي يصادف 25 ماي من كل سنة، والمنظمة من طرف مركز الدراسات والأبحاث “الصحراء المغربية” التنمية الجهوية الامتداد الإفريقي. والهيئة المغربية للوحدة الوطنية، بشراكة مع مختبر البحث في الأصول الشرعية للكونيات والمعاملات بكلية الآداب سايس فاس – جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

نص المداخلة :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. السيدات والسادة الحضور الكريم.

يطيب لي بداية، أن أتوجه بالشكر والامتنان للفرع الجهوي للهيئة المغربية للوحدة الوطنية بجهة فاس مكناس، ومركز الدراسات والأبحاث “الصحراء المغربية” التنمية الجهوية الامتداد الإفريقي على هذه الدعوة للمشاركة في هذه الندوة الوطنية الفكرية التي تنظم بشراكة مع مختبر البحث في الأصول الشرعية للكونيات والمعاملات بكلية الآداب سايس فاس – جامعة سيدي محمد بن عبد الله، والتي تتمحور حول موضوع: ” الحكامة الاقتصادية العهد الجديد إفريقيا ” أية أدوار للصحراء المغربية؟ تحت شعار “المغرب يتبنى استراتيجية تنموية بأبعاد إفريقية قوية تتجاوز سقف مناورات الخصوم وترفع رهانات ريادة قوية مستحقة “.

كما يشرفني أن أتقدم بجزيل التقدير لكل من ساهم من قريب أو بعيد من أجل تنظيم هذا اللقاء، وأخص بالذكر الأساتذة الأجلاء والمجلس الجماعي لمقاطعة أكدال-فاس التي سهلت مأمورية الانعقاد بقاعتها الكبرى، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على التعبئة الجماعية الشاملة لكل للمغاربة قاطبة بكل أطياف مكوناتهم لصيانة وتحصين الوحدة الترابية والوطنية من طنجة إلى لكويرة، والعمل سويا على رقي بلادنا وإشعاعها دوليا.

ولعل هذا الملتقى يندرج في هذه الغيرة الوطنية العالية، لأنه يتدارس سبل توطيد التكامل والاندماج على مستوى قارتنا الإفريقية، التي لبلادنا امتداد عميق عبر كل حقب التاريخ في جذورها، والتي يمثل فيها المغرب نموذجا متميزا بإمكانه المساهمة الفعلية، بهدف جعلها متقدمة ومزدهرة في كل المجالات في إطار تكريس مبادئ التعاون جنوب -جنوب بين كل دولها خدمة للمواطن الإفريقي.

وفي اطار هذا المنظور ستتركز مداخلتي حول موضوع:” النموذج المغربي في عمقه الإفريقي مبني على مبدأ رابح رابح “. أكيد أن اختياركم الموفق لمحاور هذه الندوة، يكتسي أهميه بالغة اعتبارا لراهنيته في هذا الوقت الدقيق الذي تتطلع فيه القارة لتحقيق رهانات منشودة في مختلف الميادين لإفريقيا جديدة للقرن الواحد والعشرين ،وهي الاستراتيجية التي أضحت تشكل الأسبقية في السياسة الخارجية للمملكة المغربية.

وفي هذا السياق، وإيمانا من المغرب بقدرة إفريقيا على رفع هذه التحديات التي تواجهها، ما فتىء جلالة الملك محمد السادس يولي عنايته السامية المتواصلة من أجل النهوض بالتنمية البشرية المستدامة لشعوبها، خاصة أنها تتوفر على موارد طبيعية، وكفاءات بشرية هائلة التي يجب استغلالها على أحسن وجه ،في إطار التعاون جنوب -جنوب مربح، وشراكة استراتيجية وتضامنية بين دولها ،لاسيما أن إفريقيا اليوم ،يحكمها جيل جديد من القادة البراغماتيين، المتحررين من العقد الإيديولوجية التي عفا عنها الزمن.

أيها الحضور الكريم، إن التعاون جنوب -جنوب كما أكد على ذلك جلالة الملك يستند على ثقافة التقاسم والتضامن، وتوسيع الأسواق الوطنية، وفتح فرص لاستثمار ناجع ومفيد، وتحقيق تنمية بشرية فعالة في إطار السيادة الوطنية والاحترام المتبادل. وعلى هذا الأساس قام المغرب بتطوير نموذجه المتعدد الأبعاد، لا يقتصر على الاقتصاد، بمختلف مكوناته، سواء المتعلقة منه بالإنتاج الزراعي والصناعي والطاقي، أو بقطاع الخدمات، بما فيها البنكية، والتأمينات والنقل واللوجستيك ،بل يرعاها إلى مجالات متنوعة ومتكاملة، الاجتماعية والثقافية والأمنية والدينية. وفي هذا السياق، فإن المغرب يولي أهمية للعنصر البشري، سواء من خلال التكوين والتأهيل، أو عبر إنجاز برامج التنمية البشرية المستدامة، والتي لها تأثير مباشر في عيش ظروف المواطن الإفريقي. وفي هذا الإطار، حرص المغرب على تجسيد مقاربته في عمقه الإفريقي على المستويات الثنائية والجهوية والقارية، وهو ما تجسد في العديد من الزيارات الملكية لمختلف كل ربوع إفريقيا، توجت بالتوقيع على اتفاقيات التعاون في مجالات مختلفة. فعلى المستوى القاري، دعا جلالة الملك لعقد ” قمة العمل الإفريقية” بشأن مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ (كوب22) المنعقد في مدينة مراكش، والذي خصص لمواجهة اشكالات التحديات المناخية التي تواجه إفريقيا. وفي إطار التفويض الذي أناطت به القمة، واكب جلالة الملك عن كثب كل المبادرات التي من شأنها أن تشكل نواة للعمل الجماعي في هذا الميدان، لاسيما المشاريع الجهوية الطموحة التي تعنى اللجان المخصصة لتنمية الساحل ،وخصوصا تلك المتعلقة ببحيرة تشاد ،والنهوض بحوض نهر الكونغو ،ورعاية خصوصية الدول الجزرية، او المبادرات للقطاعات الاستراتيجية، كتحقيق الأمن الغذائي في إفريقيا ،وحل إشكالية الطاقة التي تتطلب استثمارات في الطاقات المتجددة ،في ظل الإمكانات الهائلة التي تزخر بها إفريقيا في مجال الطاقات الشمسية والريحية والمائية.

معشر الحضور الكريم:

تلكم بتلخيص شديد ،أهم الرؤية الإستراتيجية التي يتوفر عليها المغرب من أجل خدمة مصالح شعوب القارة الإفريقية ،مقدما نموذجا وحمولة غنية بمؤهلات متنوعة، تعزز الاستقرار والتنمية من خلال المشاريع الكبرى في مجالات مختلفة تبني لركائز أساسية في محيطه الإفريقي الكبير، ونقيس هنا مثال المشروع الضخم لأنبوب الغاز النيجيري العابر لمجموعة من الدول الإفريقية، علما أن نيجيريا تعتبر عملاقا اقتصاديا وديمغرافيا لساكنة يفوق عددها 180 مليون نسمة، وبابرام هاتين القوتين الإفرقيتين، المغرب ونيجيريا لهذه الاتفاقية الاستراتيجية تطوى صفحة التي طبعت القارة لصراعات إيديولوجية. ومن هذا المنظور يتأكد لكل المتتبعين أن المغرب أعطى مثالا يحتدى به في السياسة الخارجية التي تنبني على الانفتاح والبرغماتية تؤسس لمرحلة جديدة، تقتضي التعامل معها بأكثر عقلانية من طرف كافة الدول الإفريقية بمنطق رابح-رابح. فهذه الصورة الإيجابية للمغرب، والخبرة التي راكمها، والثقة في مؤسساته هي التي جعلته يحظى بالتقدير، ومكنته من استرجاع مقعده الطبيعي داخل اسرته بالاتحاد الإفريقي، مما سيفتح افاقا لصفحة جديدة، تخدم القارة الإفريقية بكل المقاييس، عنوانها “الزمن المغربي الفاعل في إفريقيا” الذي يؤسس لبناء نظام إفريقي جديد، يطوي صفحة، قضت وانتهت لعقود مضت، ويفتح أخرى لتعاون جنوب-جنوب مثمر، يضع وجهة المركب الإفريقي على الطريق الصحيح، قادر للاستجابة للانتظارات، والتغلب على التحديات وتحقيق الرهانات، التي يتوق اليها المواطن الإفريقي.

السيدات والسادة الحضور الكريم:

اعتبارا لأني فاعل مدني بجهة الداخلة وادي الذهب ،منحدر من القبائل المغربية الصحراوية، ومهتم بالبحث في شؤون ملف وحدتنا الترابية على الصعيدين الوطني والدولي ،أنتهز فرصة هذا اللقاء ،وما دمنا نتحدث عن النموذج المغربي في عمقه الإفريقي، لأبرز على أن في صلب هذا النموذج وعلى غرار مناطق كل جهات المغرب، جهات الصحراء المغربية التي حباها الله، بمؤهلات طبيعية وجغرافية، تجعل منها أن تكون في مستوى الصدارة لأفاق واعد وجذاب لهذا النموذج المغربي الهام، الذي من شأنه أن يلعب دورا طلائعيا في تنمية بلدان افريقيا في إطار إرساء شراكة رابح رابح.

وفي هذا المضمار، تقدم الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما جهات الصحراء المغربية ،باعتبارها حلقة وصل أساسية في الفضاء الأورو- إفريقي ،خاصة الحاضرتين العيون الداخلة التي عرفتا طفرة نوعية بمواصفات عصرية ،بوأتهما مكانة عالمية كقطبين رائدين في مجال التعاون جنوب -جنوب، واعتبارهما لدورهما التاريخي عبر الدوام، في التبادل التجاري بين البلدان الإفريقية كمعبرين ضروريين لتجارة القوافل الصحراوية أنداك، أضحت الصحراء المغربية اليوم تحظى بكل المؤهلات الكفيلة بتجسيد إقلاع اقتصادي، وتكامل واندماج حقيقي وفعال، في اطار التعاون جنوب-جنوب. وفي هذا السياق ، يتيح النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، المشروع المجتمعي المتكامل التي أعطيت الانطلاقة الفعلية له من طرف جلالة الملك من العيون بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء لإنجاز مشاريع ضخمة كبرى على جميع المستويات، تقدر بازيد من 77مليار درهم ،علاوة على تأهيل وتمكين الأقاليم الصحراوية من كل المقومات الأساسية التي ما فتئ جلالته يوليها اهتمامه السامي في هذه الربوع ،من بنيات استثمارات في البنية التحتية ، وإرساء مؤسسات انتخابية كورش الجهوية المتقدمة، ومرافق اجتماعية وثقافية، بغية الارتقاء بهذه الجهات إلى أقطاب اقتصادية مندمجة، ومحورا للمبادلات التجارية مع الدول الإفريقية، وتجدر الإشارة في هذا الصدد اختيار مدينة الداخلة من طرف المنتدى العالمي كرانس مونتانا لانعقاد أشغاله لأربع سنوات متتالية، هذا المحفل الدولي يتميز بإشعاع واسع يلتئم فيه عدد من صناع القرار السياسي، وشخصيات مرموقة من عالم الأعمال والفكر والمجتمع المدني من شتى المجالات على الصعيد العالمي قصد تدارس مواضيع تهم إفريقيا والتعاون جنوب-جنوب ، وفي ذلك اعتراف ضمني وموضوعي للجهود التنموية والدينامية الاقتصادية القوية التي بذلها المغرب في صحرائه منذ استرجاعها، على كافة القطاعات، حتى أضحت قبلة للسياح من مختلف الأجناس ، مثلا جهة الداخلة وادي الذهب بحكم مكانتها في تاريخ افريقيا والمغرب، وموقعها الاستراتيجي الخلاب، والمنجزات الهائلة التي أنجزت بها، تعتبر حاليا صلة وصل جذاب استثماريا بامتياز بين المملكة المغربية وعمقها الإفريقي. معشر الحضور الكريم:

مؤشرات القارة الإفريقية التي تمتد على مساحة 30 مليون كيلومتر مربع، وتتوفر على أعلى نسبة من الشباب في العالم ، ويتوقع أن يبلغ تعداد سكانها مليارين ونصف بحلول عام 2090 تشكل ثروات مهمة تقتضي حسن التدبير والتأهيل كفيلة لتأهيلها مكانة الدول الصاعدة، لكن هذا الطموح رهين بتعاون جنوب-جنوب ليكون الرافعة الأساسية لانبثاق إفريقيا جديدة متضامنة ومتماسكة ومتقدمة.

وإيمانا من المغرب بتتبيث دعائم التعاون المبني على مقاربات تشاركية مندمجة ومتعددة الأبعاد، فقد أبرم أزيد من1000 اتفاق تعاون مع العديد من البلدان الإفريقية، كما يقوم المغرب بتكوين 25000 طالب إفريقي داخل جامعاته ومؤسساته الأكاديمية وفاء للاتزاماته بالتعاون مع طلبة هذه البلدان الشقيقة، وفضلا عن ذلك تحرص المملكة المغربية على إقامة مشاريع إستراتيجية كبرى، كالمشروعين المهيكلين على الصعيد القاري، كمشروع أنبوب

الغاز الإفريقي الأطلسي المتطرق إليه آنفا، والذي يهدف إلى إعادة هيكلة سوق الكهرباء على المستوى الإقليمي، و كذلك مشروع إحداث وحدات لإنتاج الأسمدة مع إثيوبيا ونيجيريا الذي يروم تحسين المردردية الفلاحية وتعزيز الأمن الغذائي. فهذه التوجهات كما يؤكد جلالة الملك المؤسسة على التقاسم المفيد للجميع، وعلى تعزيز الشركات القائمة بين مختلفة مناطق القارة، هي التي تؤثر عودة المغرب إلى أسرته المؤسسية المتمثلة في الاتحاد الإفريقي. حضرات السيدات والسادة:

تعد الهجرة أحد التجليات بالقارة الإفريقية، لذا يعتبرها المغرب فرصة للاستثمار وليست تهديدا، فهي تتطلب العمل على تعزيز التعاون بين الاقطار الإفريقية، ثم مع بلدان الشمال، وعلى اعتبار المغرب رائدا في هذا المجال، فقد اقترح على قمة الاتحاد الأفريقي في دورته الثلاثين إحداث مرصد إفريقي للهجرة، وذلك من أجل الإلمام الصحيح بهذه الظاهرة في أبعادها الشاملة. أما ثاني الرهانات التي خصها المغرب للتعاون البيئي الإفريقي ،يهم التصدي للتغيرات المناخية وآثارها المدمرة ، وعلى مستوى التجارة البينية الإفريقية التي لا تمثل سوى13 بالمائة بمساهمة 2 المائة في التجارة العالمية، فالقارة مطالبة باستثمار الفرص التي توتيحها العولمة.

أيها الحضور الكريم:

إن النموذج المغربي في علاقته مع محيطه الإفريقي الكبير يمتاز بتوجه استراتيجي جديد، سيتيح دينامية اقصادية، ومقاربة تشاركية، ستكرس لتوسيع مجال التعاون جنوب-جنوب، الذي سينتصر لمستقبل انتظارات شعوب القارة، ويعزز من أفاق الاستثمار في كل ربوعها، وهو ما سيجد فتح مرحلة جديدة، بكل أفاقها الإيجابية بشكل برغماتي وموضوعي في إفريقيا ، ولعلها رسائل واضحة لخصوم وحدتنا الترابية، بأن المغرب يتوق أن يجعل من الحدود بين الأقطار الإفريقية فضاءات للتكامل، والاندماج، والتماسك، والاستقرار، والانفتاح ،وليست حدودا للانغلاق والحسابات الضيقة التي للأسف الشديد لازالت راسخة في عقول بعض الفرقاء .

وعلى هذا الأساس، ومن أجل تحقيق رهان إفريقيا متقدمة ومتطورة في كل المجالات، المأمول أن تنخرط كل الدول الإفريقية في هذا الرهان، وخاصة الجارة الجزائر التي يتحمل حكامها المسؤولية المباشرة في النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، الذي عمر طويلا، وما مطالبة مجلس الأمن الدولي في قراره الأخير رقم 2414 الذي ارغم العناصر الانفصالية على الانسحاب من المنطقة العازلة ، ومطالبته ايضا للجزائر تقديم مساهمتها في التسريع بإيجاد حل نهائي سياسي عادل ومتوافق عليه ،إلا دليل قاطع على أنها الطرف الرئيس في هذا الخلاف المصطنع، ولعل ذلك يكمن في مقترح المغرب الجريء والواقعي لمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته، هذه المبادرة التي تحفظ ماء الوجه للجميع، والكفيلة بالطي النهائي لهذا النزاع الإقليمي، وهو ما من شأنه تمكين العودة الجماعية لكل إخوتنا المحاصرين بمخيمات تندوف، في ظروف مأساوية ،إلى وطنهم الأم الواحد الموحد، الأمر الذي سيساعد على التكامل والاندماج في بناء اتحاد مغاربي فعال بأقطاره الخمس ،قادر على التنافس الاقتصادي في المنطقة الأرومتوسطية، والمساهمة في تحقيق حلم قارة إفريقية، متقدمة ومتماسكة، تنعم بالتنمية البشرية المستديمة الشاملة، والسلم والاستقرار لكل شعوبها.

شكرا على حسن الإصغاء والتتبع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

*رئيس جمعية الوحدة الترابية بجهة الداخلة واد الذهب ومندوب الهيئة المغربية للوحدة الوطنية بالداخلة

2018-05-12 2018-05-12
عبد اللطيف بتبغ