المقاطعة – بين الثورة الشعبوية والخطاب السياسي –

لا ريب أن الوسط المغربي يشهد في الآونة الأخيرة تطورات غير مسبوقة في ما يخص المقاطعة التي أعلنها المجتمع المدني حيال بعض الشركات المعلومة, وهذا العصيان المدني لم يكن الأول من نوعه بل ساهمت التراكمات السابقة في جعل القطيعة العمومية الراهنة ذات وزن ثقيل وعبء عويص على الدولة.

وواقع الأمر إن الشعب لا يبتغي رفع الراية البيضاء والدولة بدورها تأبى الرضوخ لصرخة طلباتهم وهذا ما يجعل من المسألة قضية سياسية أكثر مما هي تمس الجانب المادي فالشعب منذ سنوات طوال ليست بالهينة كان يقتني المنتجات التي أصر الآن القطيعة معها ولم يبدي أيضا استياءه من الأثمنة المرتفعة بهذه الكيفية الراهنة لكن بعد دخوله هاته الحرب الصامتة يتجلى بشكل ملموس أنه يسعى لإثبات ذاته والتعبير عن دوره ومكانته لكسب المواطنة الديمقراطية إلى جانب أن هاته الملحمة إن صح التعبير لها وقع على سلطة الحكومة وسوف لن ترضى أيما رضا أن تفلت منها زمام الأمور وخاصة أنها تترجم كل هذا كتمرد وتطاول من شأنه أن يمس اشكاليات أخرى قد تعيق الوضع السياسي للبلاد.

إنه مخطأ من يحسب أن القضية مادية وتقتضي فقط رضوخ الشركات لإرادة المجتمع المدني فمن غير المعقول أن تخسر هاته الأخيرة موارد طائلة وتزحزح مكانتها في الساحات الشعبوية بتلك الطريقة المهينة, إذن السؤال الذي يطرح نفسه : هل للدولة أيادي خفية للدفع بالشركات في الاستمرار على هذا الحال الذي لا يحسد عليه ؟ أو بصيغة أخرى : هل المقاطعة فعلا نتاج لوعي مدني أم أنها لعبة سياسية داهمت المجتمع من حيث لا يدري ؟ وللإشارة فقد تباينت آراء المجتمع المغربي حيال حملة المقاطعة لكن لا ننكر أن الحصة الأكبر تؤيد الحملة, وما يعززها أيضا تضامن أغلب مغاربة الخارج مع الفكرة وكل هذا أزم الوضع الاقتصادي والسياسي بالمغرب وعمق من جراح الثقة بين الشعب والحكومة المغربية الفاشلة حتى الآن في إخماد نيران هذا العصيان.

إن ما زاد الطين بلة إصرار الشعب على مواصلة مشواره الثوري بحزم واندفاع خصوصا بعدما تم وصفه ب°° المداويخ والخونة°° إلى غير ذلك من الكلمات الاستهجانية التي ترجمها كنوع من التحدي الحكومي ويرمي أيضا إلى إقناع جل المغاربة للانضمام للمقاطعة ومن الراجح أن تطول مدتها بعدما اقتنع المجتمع أنها خطوة مهمة لتقرير مصيره في شتى المجالات وكذا اعتبرها حدث مهم لبناء تماسك اجتماعي ولاسيما أنه ركز على الشركات الكبرى ليكون التأثير ذو أثر بالغ, وإن كان هذا يدل على شيء فإنما يدل على بزوغ وعي مجتمعي جديد ناضج متشبع بفكر الاختيار الحر والتغيير.

وخلاصة القول إن هذا المسلسل ذو الصيت الذائع والغير واضح المعالم لم ولن ينتهي بعد ولا يمكن التنبؤ بخواتمه فقط سنترقب عن كثب ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.

صالح اوبلخير

طالب في تخصص علم النفس

كلمات دليلية ,
2018-05-13 2018-05-13
المشرف العام