كنز سرغينة و سياسة التدويخ

 الحسن زهور

لا يمكن فهم ظاهرة متنبي كنز ” سرغينة” بناحية بولمان بمعزل عن الظواهر المشابهة لها و التي عاشها المغرب مؤخرا، كما لا يمكن انتقاد الحشود الكبيرة التي انقادت للمتنبي” بو يفرى أي بوكهيفة ” الى الكهف و الى الجبل دون انتقاد الفكر الخرافي و الاتكالي الذي يروج له البعض و بعض الجهات التي تساهم في ترسيخ هذا النوع من النمط الفكري الخرافي ، و التي من مصلحتها تأبيد هذا النوع من التفكير لأنه ملازم لايديولوجيتها قصد الحفاظ على مصالحها.

و هنا لا بد من الرجوع الى الوراء للتذكير ببعض المظاهر الشبيهة بهذا الحدث على المستوى النتائج المترتبة عنها و ان اختلفت هذه المظاهر في الشكل و الاخراج .

– زيارة الفقيه بنحمزة لمدرسة عتيقة بناحية تارودانت، و تم فيها حشد الناس و الفقهاء و” الطلبة” لاستقباله بذلك الاستقبال” الملكي” الذي خصص له و تحت اعين السلطات، يبين مدى سهولة اختراق فكر التشدد للمواقع المحافظة في المغرب و مدى سهولة حشد الناس لاعتناقه كما سهل على مدعي كنز ” سرغينة”حشد و اقتياد الحشود الكبيرة الى جبل الكنز المزعوم، و في كلتا الحالتين هو لعب بالنار، لأن التغاضي عن مثل هذه الممارسات لن يولد الا فكرا غيبيا يمهد الطريق للتطرف الديني ليأخذ مكانه في اية لحظة، و لعل تفجيرات الدار البيضاء دليل على ان الخواء الفكري لمنفذيها سهل انقيادهم الى التدمير باسم الدين.

– تضمين بعض مقررات الفلسفة بمضامين دينية مناهضة للفلسفة ارضاء للتيار الديني المهيمن مؤشر على الرجوع الى الردة الفكرية التي هيمنت في التسعينات من القرن الماضي و التي نعيش نتائجها اليوم متمثلة في انغلاق المجتمع المغربي و محاربته لبعض اشكال التمدن و التسامح و الحرية باسم مفهوم انغلاقي للدين وارد من الشرق الوهابي و الاخواني.

– الغاء مشاركة الداعية الاسلامي المتنور عدنان ابراهيم من المشاركة في الدروس الحسنية بعد ان تم استدعاؤه مؤشر على قوة ضغط التيار السلفي و مؤيديه من التيار السياسي الاسلامي، كما هو مؤشر على ارتباك ما في وزارة الاوقاف في الحسم بين اتجاهين تدينيين بالبلد: اتجاه الاعتدال المعروف تاريخيا بالمغرب الذي يستقي مرجعيته الفكرية و الحضارية من الثقافة الامازيغية، و اتجاه انغلاقي متشدد يستقي مرجعيته من الوهابية و الاخوانية.

– الانتشار الواسع في السنوات الاخيرة، و في ظل الحكومة السابقة، لشكل من ” الاطباء” الدينيين تحت يافطات دينية ك”الطب النبوي” و طب ” التدواي بالقرءان”، يتباهون بانجازاتهم التي تصل احيانا الى قتل ضحاياهم تعذيبا بدعوى اخراج الجن.

– خروج احد المهندسين في الزراعة مؤخرا و المشهور بمقابلاته الاذاعية و بخرجاته المبالغ فيها و المنتمي الى احدى الجماعات الاسلامية المسيسة و هو محمد الفايد ليمحي كل منجزات الطب مدعيا تحمله مسؤولية من يموت من المرضى بالامراض المزمنة ان صاموا، لأن من واجبهم الصوم كما يدعي باعتبار الصوم معجزة الاهية لن يؤثر فيهم، فأن ينزل السيد المهندس بشهادته امام المستمعين له الى منزلة الأمي مثله مثل اولائك الذين انقادوا الى جبل الكنز او المنبهرين بالملائكة الجوالة في سماء مكناس، فهذا يعني ان سياسة تبليد المغاربة سياسة مرسومة الاهداف من قبل البعض من التيارات و من جهات حكومية.

اذن لا يمكن فهم انقياد الجماهير في بولمان تحت اعين السلطة دون ربط هذه الخيوط بغيرها من الخيوط الاخرى الظاهرة منها و الخفية و الغاية منها هو فرملة حراك الوعي الذي عرفته الساحة منذ سنة و الذي يتم توجيهه نحو الانحراف عن مصلحة البلد بسبب غياب المثقفين المتنورين لتصحيح مسار هذا الوعي نحو مساره التنويري و الديموقراطي و الحقوقي.

2018-06-13 2018-06-13
عبد اللطيف بتبغ