• من وحي التربية

    من وحي التربية


    تعد المدرسة المحطة الثانية بعد البيت التي فيها يهذب ويعدل القالب الذي صاغه البيت لشخصية الطفل بما توفره له من أنواع النشاطات المختلفة . في المجتمع المدرسي فرص كثيرة للتدريب والتعلم والتعامل مع الغير والتأقلم الإجتماعي، وتوفر المدرسة الجو الدراسي وما يسوده من استقرار أو اضطراب ، وشدة أو لين و نجاح أو فشل في الحياة . يعد الإنتقال من البيت الى المدرسة حدث مهم بالنسبة للوسط العائلي على العموم والحياة النفسية للطفل على الخصوص ، له آثاره الكبيرة على شخصيته وخلقه وسلوكه الإجتماعي ، فهو يضطر لأول مرة أن يخضع لنظام عام وسلطة شمولية متكاملة الأدوار تخلف تمام عن تراتبية السلطة الأخوية الرمزية أو الأبوية الفعلية بالبيت الأسري، وأن يتخلى عن المركز المميز والرعاية الخاصة التي كان تحفه داخل الوسط الأسري . ان شخصية الطفل بناء يسهم البيت التربوي في تشييده وتحديد معالمه وإقامة أسسه جنبا الى جنب موازاة مع البيت الأسري الذي لا ينقطع بأي حال من الأحوال تأثيره الأبوي وبصمة الأمومة أثناء المرحلة المدرسية.
    ان التربية هي أسلوب ونمط تنشئة اجتماعية داخل وسط معين يكون في الغالب الأعم الوسط الأسري البيولوجي أو تجمع مماثل مرورا بأنماط التربية المدرسية أو المؤسسات الشبيهة بما في ذلك إصلاحيات التهديب ؛ والأسرة التي كثيرا ما تمثل في خصائصها صورة مصغرة عن المجتمع المدني تكون لها بصمة الإبهام في تربية الطفل نظرا لارتباطه الوجداني بها واحتضانها له غالب أوقات اليوم ، ليبقى تواجده خارجها موزع بين لحظات محدودة في الزمان والمكان ذات تأثير نسبي بحسب رغبته و تجاوبه مع ما يرى ويسمع ويتفاعل معه إما بالقبول أو الرفض.
    من بين هذه اللحظات الفترة التي يقضيها الطفل/التلميذ في الوسط التربوي التعليمي حيث يشكل عقل الإنسان وفكره ووعيه الإجتماعي لبنة لبنة، لكن هناك عدة معيقات متداخلة فيما بينها، تجعل أحيانا المسار التربوي غير سوي والسلوك الشخصي غير قويم، منها ما هو اجتماعي أسري كتدني مستوى الوعي المتمثل في الأمية الأبجدية والمعرفية ومنها ما هو مدرسي محكوم بهاجس التوجهات التربوية والخيارات السياسية في مجال التعليم، وهذه المعيقات وغيرها مجتمعة متضافرة فيما بينها تأذي أحيانا الى الإنزلاق والإخفاق وربما الفشل في التنشئة الإجتماعية وعدم استطاعت وقدرة وتمكن المدرسة من القيام بدورها المنوط بها إزاء مستقبل الأجيال بشكل متكامل.
    من الناحية الإجتماعية لازالت الأمية تشكل مكبح إزاء تطور المجتمع المغربي وتنميته ، والتنمية أساسا هي نتاج تطوير القوى البشرية ورفع مستواها التعليمي والتربوي بالدرجة الأولى، قبل البحث عن تطوير قدرتها وكفاءتها على مُدارات شؤون الحياة اليومية الخاصة والجماعية، هذه الأخيرة تعد غاية بل هدف جل أنشطة برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تهدف الى الرفع من مستوى عيش المواطن وتحسين دخله الفردي عبر مشاريع مدرة للدخل ، فيما الوعي بالجانب التعليمي باعتباره وسيلة اتصال وتواصل، فهم وتطبيق لتدبير شؤون الحياة الخاصة في علاقتها بالحياة العامة ،لازال لم يحظى بعناية مماثلة، والسبب أن محو الأمية التي تنخر المجتمع المغربي وتعيق تنميته الشمولية يتم التعامل معها باعتبارها برنامج وليست مشروع ، برنامج لأنه يركز بالأساس على محاربة الأمية الأبجدية وحفظ ما تيسر من سور القرآن للصلاة حتى أصبح هذا قمة المنى الشخصي ومفخرة الإعلام العمومي ، فيما المشروع يجب أن يؤسس لخطة عمل مشتركة واستراتيجة متكاملة بين كافة القطاعات الفاعلة والجمعوية منها على الخصوص ، تدمج محاربة الأمية الأبجدية والمعرفية في شقها الإجتماعي والإقتصادي والسياسي . يومها سيتمكن المواطن المغربي المعني من تجاوز محنة استكانته وانغلاقه على نفسه وتقوقعه في محيطه وعدم تجاوزه له إلا للضرورة القصوى – وثيقة ادارية أومرض- واستيعاب معنى الحقوق وادراك أنها مقرونة بواجبات وتجنب استغلال الغير لمجهوده البدني وحصيلة تعبه اليومي واعتباره مجرد ورقة ليوم الإستحقاق السياسي أو الظرف المناسباتي.
    ان تدني بل انعدام المستوى التعليمي لكثير من الآباء والأمهات في شريحة المجتمع التي تعاني الإقصاء والتهميش والهشاشة ، وهو ما يعبرون عنه لفظا بقول “أنا ما قاري/ما قاريا” جعلهم أقل اندفاعا وتحمسا لتعليم أبنائهم وبناتهم ، وكلما ارتفع مستوى مسار التدريس كلما قل الإهتمام و تشجيع التمدرس لدى الأسر الأمية للأسف قبل نهاية المرحلة الإعدادية وهي متم مسار التعليم الإلزامي الإجباري أو بلوغ سن15 سنة المسطرة من قبل الدولة ، حيث يلاحظ ارتفاع نسبة الرسوب والتسرب والشعور بالإحباط الدراسي في الصفوف الإعدادية بالوسط الحضري وفي الصفوف الإبتدائية بالوسط القروي ونحن نتحدث عن مرحلة التعليم الأساسي الإلزامي ، فتحدث شبه قطيعة من جانب الأسرة بسبب عدم التواصل والتجاوب مع المدرسة لتتبع المسار الدراسي للتلميذ/ة ، يعقبه فتور وتراخي من جانب الأسرة، لأن قلة وعي أولياء الأمور بأهمية التعليم ينعكس لا محالة سلبا على أبنائهم وبناتهم ، ويقلل من حصولهم على فرص الذهاب أبعد في مسارهم التعليمي الذي لا يفضي بالضرورة الى سوق الشغل ولكن على الأقل يضمن مستوى وعي تربوي لتدبر أمور الحياة مستقبلا بحنكة وتبصر؛ إن التجمع السكاني الأمي ينتج مجتمعا أميا فاشلا تربويا والعكس صحيح، كما أن الأطفال في الأسر الأمية أكثرعرضة من غيرهم لنسيان ما تعلموه بالتدريج بعد فترة زمنية قصيرة من مغادرتهم الصفوف الدراسية ، ما يعيدهم الى جدلية الأمية الأسرية ثانية يعني التاريخ يعيد نفسه، نتيجة غياب الجو المناسب الذي يشجع على الإستذكار والدراسة، وهو ما يصطلح عليه في معجم علوم التربية “الهدر التعليمي” او “التسرب المدرسي” فتتسع رقعة الأمية مثل بقعة الزيت الأسود المتسربة من ناقلة النفط في البحر المتلاطم وتكبر حجما مثل كرة الثلج كلما تدحرجت بتوافد ضحايا جدد وفق المتتالية الرياضية يزيدون من تعقيد الأزمة و يشكلون قاعدة خلفية تعيش في المجتمع على الهامش، شريحة منزوية أكثر من كونها فاعلة ، اتكالية قدرية عوض عملية آخذت بالأسباب ، للعلم بالشيء فالأمية هي قرينة التخلف والتخلف نقيض التنمية البشرية لذا وجب اعادة التفكير بجدية في نمط التعليم بالمغرب واعادة صياغة توجهاته واختياراته التربوية وفق إستراتيجية ورؤية مستقبلية عملية، تناط هذه المهمة ودراستها لكفاءات مراكز البحث العلمي الوطني المتخصصة في ديداكتيك التربية والتعليم وعلم الإجتماع ،عوض الإستنجاد بمكاتب الدراسات الغربية واستيراد أفكار جاهزة لخبراء ونمادج أجنبية صالحة أو فاشلة في أرضية مجتمعاتها ومحاولة تطبيقها أو لنقل تجريبها في واقع مغاير وأرضية معطيات مختلفة كما لو أن التعليم بالمغرب عجين مستعصي تنقصه خميرة منشطة.
    من أهم أسباب الأمية قرينة التخلف النسبي أو الكلي في المجتمع المغربي، التمييز التربوي بين المجال الحضري والقروي، لأن الوسط الحضري يستأثر بنصيب أكبر من الإمكانات المتاحة وظروف العمل المريحة على حساب العالم القروي، نتحدث هنا عن المسألة في شموليتها وفارق التباين في متطلبات ومستلزمات العمل الأساسية بين المجالين، وإلا فداخل الوسط الحضري نفسه بالمدن الكبرى على الخصوص هناك تمييز تربوي واضح ما بين التعليم العمومي والخصوصي رغم أن كلا التعليمين يعملان تحت وصاية قطاع واحد، يتجلى كذلك التمييز بين التعليم الخصوصي والتعليم العمومي بالوسط الحضري حيث أن الأول يضمن فرص نجاح موفقة في الحياة بنسب عالية كلما تقدم التلميذ/ الطالب في مساره الدراسي، وتزداد الحظوظ ضمانة إذا اجتمع الرأسمال الخاص في شراكة استثمارية مع دووا الخبرة التربوية وانتفاء هاجس المضاربة التجارية بالرأسمال البشري لتحقيق ربح تجاري ، يذكر أن هذا النمط من “التعليم” في العقود الأخيرة أصبح أحيانا تجارة مربحة تدر أموال طائلة على محترفيها رغم كونها في أحد أوجهها معول هدم وتخريب لمنظومتنا التربوية ومستقبل أجيالنا لما أضحت نقط التفوق والنجاح تعرض للتداول في بورصة القيم التعليمية للمزايدة العلنية.
    أخيرا هناك تمييز تربوي مخالف للنموذجين المذكورين خاص بشريحة اجتماعية محظوظة، حفنة من الناس تعي جيدا واقع التعليم بالمجتمع المغربي وآفاقه المستقبلية في ظل الظرفية العالمية الحالية فتتخذ من أول يوم قرار تعليم أبنائها في المؤسسات التربوية التعليمية التابعة للبعثات الأجنبية !!؟؟ وهذا النمودج تكمن مساوئه حتى لا نقول خطورته التربوية والتعليمية ليس باعتباره امتدادا استعماريا ولكن لأنه يُنظر اليه على أنه موجه ثقافة فكرية ومؤشر حضارة مستقبلية. لا ننكر أنه يصنع رجالا للأسف منسلخين اجتماعيا من هويتهم الثقافية وخصوصيتهم الحضارية بعدما يكون قد هيأ لهم فرص الحصول على تكوين تربوي تعليمي متين، نظري وتطبيقي صلب، باعتبارهم أبناء النخبة والصفوة ليحتلوا مستقبلا مناصب القرار ومراكز التسيير ويضمنوا لبلدان تلك البعثات تبعية فكرية ويؤمنوا لها ارتباط اقتصادي وامتداد حضاري بشكل او بآخر؛ لتقريب الصورة على سبيل المثال وليس التحديد احدى المدارس العليا في مجال الإقتصاد والتدبير التابعة للتعليم العمومي وليس الحر وهم كثر، التي تحجز ولا نقول تخصص نسبة 15% سابقا من المقاعد لحاملي باكالوريا مدارس بعثة معينة على حساب الباكالوريا العلمية الوطنية بجميع تخصصاتها.
    ربما لن تضطر المجتمعات الغربية مستقبلا بدءا من الألفية الثالثة الى كل هذا العناء والجهد وطول وقت انتظار لحظة الوصول الى هدف تصدير نمودجها التربوي الثقافي والفكري الحضاري في سبيل تمكنها من موطئ قدم بمجال نفودها، بالنسبة لها لقد أمسى الحل سهلا وبات يسيرا وأصبح في متناول جميع فئات المجتمعات النامية والمتخلفة المستهدفة؛ لقد فتح جيل الألفية الحالية أعينهم منذ الصبى بالبلدان المستهلكة على ثقافات هي في الحقيقة أبينا أم كرهنا أساليب تربوية ونماذج تعليمية تؤمنها تكنولوجيا العصر فائقة التطور للتواصل والاتصال، التي قربت البعيد من الثقافات وقصرت المسافات بين الحضارات، لكن في غياب عامل المراقبة والتتبع والتوجيه، ترك الحبل على الغريب حتى صارت مؤسساتنا التربوية التعليمية مرآة وفضاء لعرض آخر موجات الموضة وصيحات الفن وهي ثقافة القشور والإنسلاخ من الجدور تؤدي الى الندم الحزين ولو بعد حين. ذكر لي أحد أستاذ مادة التربية البدنية كلف بإجراء امتحان المادة لمستوى الباكالوريا أن تلميذا فضل الحصول على نقطة الصفر عوض القيام بحركة التوازن العمودي على الرأس واليدين فوق البساط ضمن رياضة الجمنستيك الأرضي لأنه “غادي تخسر ليه التشويكة” على حد قوله وأصرعلى الرفض رغم إلحاح الأستاذ !!! هذا نموذج استهلاك فكري لثقافة المشاهيرالغربيين التي يتم تلقفها وتلقينها بالمحاكاة التعليمية حسب أحد خمس قواعد مؤثرة في تربية الطفل/التلميذ وتنشئته التعليمية وهي 1- التربية بالقدوة 2- التربية بالملاحظة 3- التربية بالموعظة 4- التربية بالعادة 5- التربية بالعقوبة.

    ان المسالة ليست مجرد توجيه لوم أو نقد، بقدر ما هي رفع درجة الإهتمام والإحساس والتوعية.
    ورقة الموضوع هدية الى أطر مدرسة البساتين بتارودانت الذين بصموا ايجابا تربية وتعليم أجيال منهم ابنتي وإبني،
    وكل ألفية وتربيتنا بألف خير.

    بقلم: علي هرماس








    التعليقات مغلقة