سلايدر

حديث مع الصورة: يوم أصبح بتارودانت حوض المنارة

مادة مشتركة: علي هرماس/ مروان تومنار

قبل سنوات عرف شارع المنصور الذهبي ما بين صومعة المسجد الجامع الكبير وباب الزركان عملية اعادة تهيئة تمثلت في تكسية الإسفلت القديم وترصيفه بالأحجار pavé autobloquant ، عملية شملت عدد من الشوارع والأزقة والدروب بالمدينة، لكن للأسف الشديد تنطلق في جميع النقاط يحكمها هاجس ربح الوقت من جانب المقاول، ومطاردة عقارب الساعة من قبل العمال المياومونles journaliers a tache لذلك لم تخل العملية على أهميتها من آثار سلبية أحيانا وخيمة في فترة الأمطار. ما عدا لحد الساعة نقطتين استخدمت فيهما الجرافة لاقتلاع التكسية القديمة بهدف تعميق مستوى الشارع قبل وضع الأحجار المتراصة، بعدما اعترض السكان الأشغال التي كانت ستؤول نهايتها الى رفع مستوى الطريق وتدني أبواب البيوت السكنية والمحلات التجارية.

P1080428

هذا ما جرى بالضبط قبل سنوات بشارع المنصور الذهبي من الجهة الجنوبية للمسجد الجامع الكبير، والله يشهد – ليس من باب المنّ والمزايدة بل انطلاقا من وقائع وأحداث سابقة – أنني أخبرت أحد أعضاء المجلس العلمي المحلي بعد نهاية الأشغال لينبه من يهمهم الأمر، إن كان بتارودانت من يحمل همّ المسؤولية الإدارية التي يؤجر عليها شهريا بل منهم من يتقاضى عنها أحيانا تعويضات إضافية جزافية، ليتم التنبيه الى خطأ جعل مجمل الشارع بمحيط الصومعة في مستوى منبسط “ميزان” لا يكاد يبدو فيه ميل نحو فوهة الصرف السائل، وكون مستوى أرضية المسجد الجامع الكبير ككل هابط بما يقارب نصف متر دون إحداث عتبة اسمنتية وقائية بمدخل الجامع؛ يلاحظ في لحظة الأمطار أن عددا من البالوعات في تارودانت عامة وليس بهده النقطة فقط وظيفتها معطلة نتيجة ارتفاع طفيف أو غياب درجة الانحدار اتجاهها، ما يجعل مياه الأمطار تتدفق وتنساب حتى إذا بلغت نقطة التصريف انحرفت بمحاذاتها في اتجاه بالوعة أخرى، وهذا يجعل الصبيب السائل من كل اتجاه بما حمل من أزبال وشوائب يتركز على نقطة معينة أثناء فترة الأمطار، بمدينة تكون فيها الأمطار شحيحة ونادرة ولما تجود السماء تكون مطيرة وعاصفية في لحظات قياسية، مؤخرا تم استشعار الأخطاء السابقة ليتم دعم البالوعات القديمة نظرا لصغرها بأخرى إضافية كبيرة في الشوارع التي شملتها عملية الترصيف، كما هو حال الاشغال التي أجريت مؤخرا بشارع 20 غشت، ونفس المقال تم تداركه بالنسبة لمسجد مجمع الأحباب من الباب الجنوبي والغربي حيث وضع حاجز اسمنتي يحول دون دخول مياه الأمطار ومقذوفات الريح والأتربة.

009

حتى نوفي كل دي نصيب حقه من المسؤولية فيما وقع قبل سنوات بالمسجد الجامع الكبير، كان من المفترض أن يتحمل تبعاتها التي سلمها الله لسببين: جدار المحيط الخارجي للمسجد الجامع الكبير متين الإتقان، فيما صاريات السقف مبنية بآجور الفخار وعريضة جدا بالقدر الذي جعلها تتحمل على الدوام، عوادي الزمان لمدة خمسة قرون من الأيام، بالاضافة الى خطأ أشغال الترصيف، عمد أحد التجار جوار المسجد على غلق البالوعة بواسطة كيس بلاستيكي لكونها تنبعث منها رائحة الصرف الصحي السائل الكريهة، فعلا هذا مشكل، لكن هل ما أقدم عليه التاجر كان هو الحل الوحيد والأسلم مما نتج عنه الكارثة الأولى سنة 2006 التي كانت للطف الأقدار محدودة الاضرار بل نجزم بعدم تسجيل أضرار اذا استثنينا بلل الفراش ورفع صلاة الجماعة مؤقتا ؟ أليس ذاك التصرف في موسم الشتاء من صميم “كلخ” الدماغ والتفكير على السواء؟ بصفة عامة وبأشكال مختلفة تهم الملك العمومي، بأي وجه حق يتم اتخاذ قرارات التصرف بشكل شخصي انفرادي بما يضر بمصلحة الآخرين ؟؟؟

P1080425

هطلت الأمطار بغزارة في ليلة واحدة كأنما فتحت أبواب السماء بماء منهمر، جرى السيل من ثلاث شوارع نحو وجهة واحدة تعد ملتقى الانحدار، وجد فوهة البالوعة مقفلة بكيس بلاستيكي فلم يجد بدا بعدما كوّن غديرا من ولوج المسجد الجامع الكبير من بابه أسفل الصومعة، كأنما لسان الحال يقول جادت السماء بإذن الله، حرام أن يذهب خير الماء لمكان نجس، فدخل بيت الله النقي، ليصبح عندنا في تارودانت حوض مائي في منشئة السعديين على غرار حوض المنارة بمراكش منشئة الموحدين !!!
عقب الكارثة الثانية ليومه الثلاثاء 26 جمادى الثانية 1434 موافق 7 ماي 2013 والتي سيدونها التاريخ المحلي والوطني كونها بلغت في سلّم النكبات المغربية درجة المصيبة التي استدعت منا التعوّد بالله منها والرجوع اليه، عقدت عدة جهات ادارية وجمعوية مداولات وجلسات عمل منها المجلس الحضري المحلي في جلسة طارئة لمناقشة الأسباب وتقييم الأضرار، خرج بمقتضاها ببيان أن أشغال الترصيف المذكورة آنفا كانت من بين الأسباب المباشرة التي عرقلة عمل رجال الوقاية المدنية بعد وصولهم لأجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتدارك الموقف والتصدي لألسنة اللهب التي كانت لظى نزاعة للشوى تزفر كالتنين محذرة كل من اقترب، لكن فوهة الإطفاء La bouche d’incendie طمرت تحت الترصيف الجديد نتيجة إهمال جهة وعدم اكتراث جهة آخر، وهذه خاصية تطبيقية تتم بها عملية الترصيف في جل نقاط مدينة تارودانت ليترك كل من تضرر بيته لشأنه يتدبره بحاله ، إلا بيت الله المسجد الجامع الكبير الذي لم يجد من يدود عنه ويخاطب عن حرمه ويدافع عن حقوقه الى أن وقعت الواقعة الثانية ليس لوقعتها كاذبة.

005

من جهتها وفي جميع الفاجعات الكارثية المماثلة، جرت سنّة الغيرة وعادة العمل وعرف التنديد أن تظهر بعض الأصوات تقدم نفسها بديلا وممثلا وكيلا للمجتمع المدني، علما أن عرف العمل الجمعوي يقتضي التريث وعدم استباق توالي الأحداث والأشخاص ممن لهم صلاحية التقديم في تدبير الكارثة مرحليا، وتشكيل لجنة تحضيرية لفسح المجال أمام الأشخاص الوازنين بفكرهم قبل غيرهم وإدماجهم مع أصحاب الوجاهة الذين لهم أيادي بيضاء على ماضي تارودانت، أخيرا حاملوا المبادرات الحسنة، هكذا يتم تشكيل نسيج جمعوي متجانس الرأى والأفكار كل قطب بما هو مؤهل له، ما يآخذ على مثل هذه المبادرة أنها تحتضر بمجرد ولادتها عقب مخاض لم تكتمل عناصره لكونه عمليا يطبعه الإندفاع العاطفي والتسرع لتصدر الواجهة موازاة مع الحدث، وخير دليل على ذلك أن أول مطالبها عبر بيانها الأول هو المطالبة بفتح تحقيق نزيه لتحديد مسؤوليات ما وقع دون تتبع المطلب وإفادة المجتمع المدني بنتائج ما وصلت اليه باعتبارها نصبت نفسها ممثلة له.
من جهته على المستوى البرلماني وفد حزب المصباح الذي يمثل جهة سوس ماسة درعة في المؤسسة التشريعية، زار الجامع الكبير 48 ساعة بعد النكبة حيث وقف على حجم الكارثة، وأوضح عبدالله أوباري منسق الوفد أن فريقه النيابي سيضع سؤال آني في الموضوع، مؤكدا أن الوفد سينقل تقريرا عن الحادث إلى مجلس النواب وسيدافع بقوة في اتجاه فتح تحقيق دقيق حول هذه الكارثة، هذه القصاصة الإخبارية تناقلتها مختلف المواقع الالكترونية المغربية فضلا عن الموقع الرسمي للحزب، هي واقعيا تطلعات محمودة من صميم عمل أي برلماني، لكن مع الأسف المتصفح عبر النيت بمختلف بواباته العامة كالجرائد الالكترونية والخاصة كموقع الحزب أو نوابه في القبة التشريعية لا يعثر على أثر للسؤال !!! بالنظر الى أن الكارثة أتت على معلمة تاريخية صرفت عليها من أجل الترميم والإصلاح سنة 2002م / 1423هـ ميزانية ضخمة جدا من وزارة الأوقاف قاربت 700 مليون سنتيم؛ أما برلماني حزب التراكتور ابن تارودانت المعروف عنه توظيف دهائه السياسي وقبله المهني كي يسطع نجمه القانوني ويتألق سهمه الحقوقي، فقد انفرد في غنى عن التكتل البرلماني بسؤال كتابي موجه لوزير الأوقاف بخصوص الجامع الكبير، هذا الأخير أكد أن عملية ترميم وإعادة بناء المسجد الاعظم بمدينة تارودانت، تطلبت فتح العروض الخاصة بالأشغال بغلاف مالي قدره 27.537.235.46 درهما حسب ما أورده موقع الجريدة الالكترونية هسبريس.

00008

من ناحية التوثيق الفوتوغرافي للكارثة الأولى لسنة2006 التي سلمها الله – حوض المنارة الروداني، والنكبة الرودانية الثانية لسنة 2013، يجب الإعتراف بالفضل والجميل لشخص واحد دون سواه، استثنائي في خوض غمار لجاج المخاطر كيفما كانت، لا يبالي بنفسه إزاء ركوب المخاطر، يكون متواجدا دائما في اللحظات الحرجة الأولى لجميع الأحداث، فيوثقها للتاريخ المحلي والوطني بالصور، تواجده في عين المكان غالبا يأتي قبل وصول أولي الأمر أنفسهم من الجهات الادارية الرسمية التي يعنيها أمر الحادث أو الواقعة، ما يجعله يفوز بالسبق الفوتوغرافي من بدايته الى نهايته، ويظفر بلقطات مصورة استثنائية تتلهف عليها الصحافة بكافة أطيافها، يفوز بها قبل تطويق المكان وتسييج محيطه بالحواجز ومنع الإقتراب منه وضرب رقابة صارمة عليه تفاديا لاقتحام الدخلاء وما أكثرهم والفضوليون بما لا يعنيهم، هي إجراءات أمن وسلامة قبل كل شيء وترقبا لما يمكن أن يحمله الحادث من مفاجئات مباغثة لا قدر الله.
اخيرا يجب أن نكون جميعا في مستوى تطلعات مولانا الامام، رعيا لما أمر به سنة 1947 جده محمد بن يوسف، حيث تبرع حفيده محمد السادس من ماله الخاص تقبله الله منه بمزيد من الأجر وأثابه عليه جزيل الثواب، من أجل بناء ما دمر وترميم ما بقي، يجب على كافة الجهات المتدخلة في مشروع اعادة بناء المسجد الجامع الكبير بتارودانت أن يكونوا في مستوى الثقة المولوية السامية، والمواطن يخامره التساؤل كيف يعقل أن المشروع الحبسي بتارودانت الذي وضع له مولانا الامام حجر الأساس بيديه الكريمتين، كان من المفترض أن ينتهي به الأشغال متم سنة 2010 حسب قصاصة وكالة المغرب العربي للأنباء، توقفت به الأشغال في مراحله النهائية لمدة أربع سنوات لتستأنف مؤخرا، وما يترتب عن التأخير من استنزاف ميزانية ليست باليسيرة لأجل كراء مقر للمجلس العلمي المحلي ومندوبية الشؤون الاسلامية.
حفظ الله مولانا الامام، كل زمن وتارودانت بألف خير

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. السيد هرماس مرة أخرى ,,, رااااااااااائع و الله العظيم
    نتمنى لك التوفيق و إننا ننتظر منك المزيد من الصفحات التاريخية
    شكرا لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى