سلايدر

حديث مع الصورة: “سبيطار” الكرمة وطبيب الكرامة

إعداد : علي هرماس
فدان بن شقرا الحبسي طلبته إدارة الطب هكذا كانت تسمى وزارة الصحة خلال العقد الثاني من فترة الحماية الفرنسية بالمغرب، في مساحته 34832 م² به من أشجار الزيتون ثمانية والتين مثلها والرمان ثلاثة ، تم تفويته لادارة الطب بمقتضى ظهير شريف مؤرخ في 12 شعبان 1346 موافق 4 ينير – هكذا سجل- 1928 مطلعه يقول : “خاتم شريف بداخله محمد بن يوسف الله وليه، خديمنا الأرضى ناظر أحباس ردانة وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبعد، فقد اطلع علمنا الشريف خديمنا وزير عموم الأوقاف في شأن معاوضة فدان بن شقرا بفدان آخر يسمى جنان المحايطة الذي يجانب الأملاك المخزنية خارج البلد…” ، والقصد هو خارج سور تارودانت من باب السلسلة حيث توجد عقارات حبسية فلاحية عديدة يمينا، منها ما يرجع تاريخ توثيق عقده العدلي وقفا حبسيا الى عهد الدولة السعدية، ويسارا مثل ذلك من العقارات المخزنية بمحيط البلدية حتى ساقية تفلاكت “السنسلة” الى براح باب الخميس وباب الحجر وهي المنطقة التي تسمى مند القدم المحايطة ؛ بفدان بن شقرا شرع في بناء المستشفى الحالي فوق أرضه سنة 1922، كان المستشفى في بداية عمله عبارة عن مرآب كبير hangar مقر طب المستعجلات اليوم وجناح التطبيب والتمريض والصيدلة قبالة الباب الرئيسي الحالي، وجناح الإستشفاء يسارا هدم قبل سنوات ليبنى مكانه جناح كلاوديو برافو الرسام العالمي الشيلي الأصل دفين تارودانت الذي قدم هبة مالية ضخمة لفائدة المستشفى.

2

هناك تشابه كبير في الهندسة والمعمار ما بين مستشفى المختار السوسي / بول شاتنيير سابقا والمدرسة الفرنسية الاسلامية / ثانوية ابن سليمان الروداني التي شرع في بناءها نفس الفترة 1921، بناء بآجور الفخار، أرض مكسوة بالزليج الأبيض والأسود النموذج الوحيد الذي ظل يستخدم في العمارة المحلية لعقود، ممرات مغطات ، صاريات آجور مربعة عريضة بالقدر الكافي لتحمل سقوف إسمنتية مدعمة بالحديد، ما يمكن ملاحظته أن السقوف غير مستوية بل تشكل سلسلة محدبة مكسوة بالجبص ، يسجل أيضا انعدام الأعمدة العمودية والأفقية للخرسانة والحديد بالجدران والسقوف والصاريات لذلك فهده الأخيرة مع الجدران عريضة بالقدر الكافي لتحمل الثقل.

4

6

أول مستشفى بتارودانت كان يعرف عند الرودانيين باسم “سبيطار الكرمة ” نسبة الى شجرة التين التي كانت توجد ببهوه، مكانه اليوم تحول صيدلية القصبة والمحلات المجاورة ، الأصل الأول للعقار هو امتداد لعرصة أحد الفرنسيين ، يدعى “مسيو دوري Mr Dore ” شطر العرصة الأكبر هو ساحة 6 نونبر بمحاذاة باب السلسلة، جاء دوري الى تارودانت قبل الحماية بقليل واستطاع التغلغل وسط الأهالي حتى أصبح واحدا منهم باللغة والمأكل والملبس ويشاركهم العادات والتقاليد، ما سمح له بلعب دور مهم لصالح بلده فرنسا على حساب ألمانيا في استمالت الأهالي. سنتين بعد الحماية أي صيف 1914 وصل الى تارودانت طبيب يدعى بول شاتنيير Paul Chatinière عبر طريق تيزي نتاست في ركاب الجنرال الفرنسي دولاموط Delamot زمن الماريشال هوبير ليوطي Hubert Lyautey أول مقيم عام بالمغرب . أستقبل الطبيب والوفد من طرف باشا تارودانت حيدة ميس بطابور طويل من الأهالي والأعيان خارج باب السلسلة بجانب السور، أقيمت حفلات فلكورية وأهازيج شعبية، دوَت المدافع وبنادق “بوشفر” انطلقت حوافر خيل الفروسية “التبوردة ” بساحة القصبة وهي اللقطة المتداولة لدى هواة جمع الصور ، لم يخف الطبيب إعجابه بذلك، وانبهاره بالأسوار الشامخة وصومعة الجامع الكبير التي تتراءى له من ساحة باب القصبة والمدينة ككل بل والمحيط ، يقول شاتنيير في كتابه ” في الأطلس الكبير المغربي” الذي ألفه سنة 1919 من تقديم الجنرال ليوطي نفسه : ” تارودانت عبارة عن قصبة ضخمة أو بستان كبير منظم بدقة وعناية وهي مليئة بأشجار الزيتون والنخيل وتحيط بها أسوار عالية ذات شرفات وخلال هذه الخضرة التي تشرف عليها المساجد تبدو أربعة قرى مبعثرة – يقصد أربع ربوعات المذكورة في المدونة السابقة – وأهم مسجد يظهر من بعيد بصومعته العتيقة المزخرفة بزنابق الفسيفساء الزرقاء ، قمنا بزيارة الأسواق المغطاة حيث يباع مستخلص أزهار البرتقال المشهور وأعواد العطر النادر المستورد من السودان…”

5

1924توقف العمل “بسبيطار الكرمة” وانتقل الطبيب بول شاتنيير وزرجته الممرضة ازابيل Isabelle وبقية الطاقم للعمل بالمستشفى الجديد – المختار السوسي حاليا – سنوات معدودة بعدها، ضرب تارودانت وباء جارف هو التيفوس épidémie du typhus اضطر بول شاتنيير أن يرسل عائلته الصغيرة الى مدينة الصويرة، فيما فضل هو البقاء بمقر عمله ” سبيطار جديد” لاستقبال الأشخاص الموبوءين يعالج ويواسي بما أوتي من ضمير أخلاقي وحس انساني ، الى أن جاءت عليه الجائحة بدوره رغم حرصه على الإحتياطات الوقائية ، بعد اصابته بالوباء حضر على عجل طبيب من مراكش وآخر من الصويرة للسهر على علاجه، يقول شاتنيير في رسالة بعث بها الى زوجته بتاريخ 28 يناير 1928 : ” أنا في اليوم الثالث من المرض، أنا مرتاح البال، ومعنوياتي جيدة للغاية، لكن زوجتي مضطربة غير أنها شجاعة، نترقب جميع الإحتمالات بما فيها الأسوأ بهدوء ودم بارد، ينبغي أن نغتنم ما بقي لنا في الحياة، لم نندم يوما على مجيئنا لتارودانت”. شهادة بخط اليد وإقرار بالقلب واللسان على مدى حبه وتعلقه بتارودانت التي سحرته بجمالها وأسرته العلاقة التي نسج بها مع مجتمع الأهالي الطيبين.

1

تفاقمت الحمى لدرجة الغيبوبة، بعد 13 يوم من المرض توفي بمنزله ليلة 8 فبراير 1928 أول طبيب عمل بتارودانت ودفن بمقر عمله وسمي المستشفى باسمه ، الطبيب شاتنيير يشهد له التاريخ أنه عمل طيلة مقامه بتارودانت على معالجة الأهالي بضمير انساني، اقتحم قلب الوغى الوبائي الى أبعد الحدود ولم يوَله ظهره يومئذ، تخليدا لذكراه بقية لوحة كبيرة تحمل اسمه فوق مدخل المستشفى الى منتصف الثمانينات حيث أصدر وزير للصحة مذكرة لاستبدال الأسماء الأجنبية بأسماء وطنية أو مغربية، فنقلت اللوحة الى الجناح الداخلي القديم – جناح الاستشفاء – الى أن قدَم كلاوديو برافو الرسام العالمي هبة مالية ضخمة من باب انساني هو الآخر، حيث هدم الجناح القديم الذي يحمل اسم بول شاتبذنيير وشيد من جديد ليحمل اسم كلاوديو برافو.

برافو لتارودانت بهؤلاء الرجال الأبطال، كل زمن ومستشفى تارودانت بألف خير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى