سلايدر

حديث مع الصورة : ذكرى 100 عام بتارودانت/تتمة

إعداد: علي هرماس
بول شاتنيير مؤلف كتاب ” في الأطلس الكبير المغربي” ازداد 1884 كان عمره 30 سنة لما حل بتارودانت سنة 1914 ، تملكته المدينة بسحرها الطبيعي وغنى تراثها التاريخي وأصالته المعمارية وعفوية أهلها، لم يتردد بعدها في طلب إعفاءه من الجندية الفرنسية بصفته طبيب برتبة رقيبmédecin commandent بالمجموعة الصحية المتحركة، ليصبح طبيب رئيس تسيير مصحة التمريض الأهلية بتارودانت، كانت تعرف باسم “سبيطارالكرمة ” قبالة باب القصبة، شيد فوق قطعة أرض هي تمديد لعرصة الفرنسي ” مسيو دوري Mr DORE” مهندس معادن كما ورد في صفحة 171 من كتاب “le long des pistes moghribines”. 1950 اقترح الطبيب الرئيسي” سبيطار جديد” مسيو كليي Dr Clier أن تحدث مدرسة لتكوين الممرضين بسبيطار الكرمة وهو أول مركز لتكوين أطر الممرضين بتارودانت حسب إفادة الروداني سي الدهن ممرض متقاعد؛ تمكن شاتنيير من اتقان اللغة العربية والشلحة بطلاقة لسان حتى لقب “طبيب لبلاد”، لم تذكر المصادر مكان إجراء القداس الجنائزي عقب وفاته، ما هو ثابت أنه مشى خلفه المسيحيون والمسلمون واليهود بتارودانت، كان قوي الملاحظة كي يحلل، حدقا جدا ليستنتج، دقيق التركيز والتأمل ليخرج بخلاصة، هذا بدون أدنى شك أو تردد صلب عمل الطبيب شاتنيير والمهندس دوري وضباط الشؤون الأهلية الخمسة الذين تعاقبوا على حكم تارودانت والرهبان والرهيبات بدار نقطة حليب وغيرهم من نخبة الفرنسيين أيام الاحتلال بتارودانت، “التهدئة والتحضر والسلم مع أناس ألفوا الفضاء الرحب ودرجوا على الحرية والإنعتاق، يأنفون من العبودية ويبغضون التحكم وسلطة الأجنبي الغريب” إقرار بخط اليد لأول مقيم عام عسكري بالمغرب الجنرال هوبير ليوطي لتقديم كتاب ” في الأطلس الكبير المغربي” تأليف بول شاتنيير الذي يصف فيه قبل 100 سنة من اليوم، بتشخيص كلينيكي بعضا من أحوال تارودانت سنة 1914 يقول:
ضواحي تارودانت تبدو مثل واحة كبيرة وسط وادي سوس والحدائق الداخلية تتابع من بعيد وراء الأسوار، حيث تختبئ قرى كثيرة تحت الأوراق السميكة وعلى جنبات القصب المتماوج في كل اتجاه . وبعد ذلك سهل قليل الزرع يرسل رتابته الى أن تصل حصون الأطلس الصغير والكبير حيث أشجار الأركان بدأت تتسلق السفوح، وعند قدم الجبل نفسه في مخرج كل واد به ماء حدثت واحة تختبئ بها قرى كبيرة، وبالفعل ثلاثة خطوط متوازية من الواحات تتدرج في وادي سوس، الأولى هي الأهم تقترن مع انعرجات الوادي والثانية طويلة تسير مع قدم الأطلس الكبير والثالثة مؤلفة من سلسلة على السفح الشمالي للأطلس الصغير17.

005

في الغالب يكون وادي سوس في الصيف جافا وفي بعض الأمكنة عندما نلامس طبقة أرضية منغلقة يطفو الماء والواحة تحيى من جديد مع المياه، ان الواحات عند قدم الأطلس الكبير مغروسة بالزياتين وفي الأطلس الصغير بالنخيل وأشهر واحة هي تيوت عند الجنوب الشرقي لمدينة تارودانت يخترق الطريق الذي يقود اليها منطقة قاحلة لا تنبت بها سوى أشجار أركان هزيلة، واحة تيوت الجميلة والغنية التي تهب الاحساس العذب بالخضرة والنباتات الوفيرة وسط الصحراء ثلاث قرى كبيرة تختبئ تحت خليط أشجار النخيل الباسقة والمنعطفة تحت أقراط الثمر العنبرية، تحت قصبة تسيطر على الواحة، تنبجس من منحدرات الأطلس الصغير عين ماء غزيرة تروي النخيل والحدائق18 وعلى قرب منها تنتصب خرائب حزينة لقصبة أخرى : كان بعض أنصار الهيبة يسكنون هنا مند ستة أشهرـ يقول الباشا حيدة ميس ـ لقد دحرته ودمرت مسكنه19.

004

في أيام3 و4 يوليوز في كل مكان على طريقنا نلاحظ الراجلين والفرسان الذين يأتون لملاقاتنا مسلحين بالبنادق الطويلة يرتدون لباسا أبيض طويلا مقبوضا بحزام جلدي من الوسط به رزم الذخيرة، يشكلون حاجزا على طريق مرورنا انهم ممثلوا أقسام كل قبيلة نمر بها، أقيم لنا استقبال بعناية اقل عند قائد منتاكة، انه رجل بطين20 يشك الباشا حيدة كثيرا في اخلاصه، ولن يتأخر في اعلان تمرده، هنا البلد خصب ومستصلح بجدية على العموم، وبعض الحقول تروى بقنوات منخرطة من وادي سوس كنا نحاذيها والبعض يروى بآبار كثيرة قليلة العمق بستخرج منها الماء عن طريق دلاء كبيرة من جلد العجل تسكب محتوياتها في صهاريج مبنية عند مخرج الآبار والعجول المربوطة الى حبل طويل تقوم بالعمل.

002

من جانبي لقد أقمت مستوصفا أهليا21 حيث يأتي الي المرضى بدون انقطاع يطلبون علاجا أو أدوية أو عمليات جراحية، انهم بالخصوص سكان تارودانت والمزارعون السوسيون الذين يعبرون كلهم عن ثقتهم في الطبيب صرحاء متفتحون بتلقائية22، وكذلك أطفال مرحون بل جذابون كل يوم كان علي أن أجري عمليات على العين والأورام السطحية واستعمال الكي والتلقيح ومثل بقية مناطق بلاد “الشلحيين” تطلب مني النساء أدوية للحصول على أطفال ولتجنب ” الجن والأرياح” التي تخيفهم.
دخل الى غرفتي الصغيرة ” شلحي” روداني غني بمظاهر غريبة وهو يقود كائنا صغيرا محجبا تماما بازار أبيض ، ظننته لأول وهلة امرأة فطلب الرجل أن نترك لوحدنا وأزال الحجاب ليقدم لي ولدا صغيرا في الثانية عشرة من عمره تقريبا بعينين سوداوين كبيرتين أبيض البشرة وجنتاه ورديتان جميلا ومزينا مثل فتاة الملذات : إنه محبوبه الذي كان مصابا مع الأسف بنباتة محددة، وتحت التخدير كانت بعض الصعقات بالميسم الناري كافية لتخليص الولد الشاب من زائدتيه الفطرية، فتهلل وجه الروداني فرحا وقبّل يدي وكتفي وعبر عن اعترافه بالجميل لي حيث أرجعت اليه أغلى شيء عنده في الحياة، إنهم أهل سوس مشهورون بطبائعهم المتخنثة على ما يبدو بعفوية يبحثون عمن يعجب بهم، وتبعا لعادات أهل البلد الأطفال والشباب الذين يلبسون بتصنع ويأخذون وضعيات خليعة مع ابتسامات مثيرة يجلبون بها انتباه الرجال، لا يُتكلم بالمقابل عن الدعارة في تارودانت23 ، الغلمان المتخنثون يطوفون بالأزقة ويلتقون في جميع البيوت خاصة عند القواد، والنساء بالعكس يضللن مسجونات أنهن ربات بيوت شريفات24، والقائد المحترم لا يسافر إلا وهو يصطحب معه محبوبين أو ثلاثة يلبسون بأناقة ويمتطون بغالا نجيبة25.

001

يوجد ايضا بين المرضى المشاورين بالاضافة الى شلحيين من سوس وتارودانت عبيد كثيرون وملونون ورجال زرق، هكذا يطلق عليهم لأنهم يرتدون قطنية زرقاء هذا القماش الباهت على أجسامهم يغطيهم على طول اللون الذي يميزهم، والنساء كذلك يرتدين ألبسة من الكتان الأزرق يشدونها أمام المناكب ويعقدونها حسب قامتهم على الطريقة الشلحية والسواعد عارية والرقبة والعنق أيضا غير مغطات مزينة بالقلائد والعقود المنظومة من حجارة مغيرة أو حبات ملونة وأحيانا من قطع فضية وخمار من كتان أزرق يغطي شعورهن الشديدة السواد ويسقط على مناكبهن، هذا اللباس المناسب جدا خاص مع الأسف بالفقراء والمتسولين هذه السلالة الزرقاء جاءت من موريتانيا وبعض نواحي سوس الشلحية وباتصالهم بهم تبنوا نفس اللباس وتارودانت تحتوي على عدد لابأس به من السكان الزرق26.
أكادير ظهرت جاثمة على قمة صخرة على علو 220 متر بعوم الماء فوق قدمها، كنا نتقدم فوق الكتبان تسبقنا ثمانمائة راجل مسلح ويتبعنا ستمائة فارس من الأهالي27، خلال مقامنا باكادير وصل من واد نون رجلان أزرقان موريتانيان متشابهان تركا قبل مدة التعلق بالهيبة : انهما الرئيس والخادم وكلاهما ضخم نحيف28، يلبسان جبة زرقاء طويلة متماوجة من الكتان الأزرق الداكن واللثام أو الخمار الأزرق الذي يقي الوجه من الشمس الحارقة والغبار، طلعتهم متميزة والرأس عارية بشعر طويل متجعد مقصوص على مستوى المناكب، اللون داكن، الخطوط صاخبة ورقيقة، والأعين جد فاقعة والنظر ملتهب متعال وهيئة واضحة حيوية، لم يجدا ترحيبا لذلك وليا الى الصحراء، أرضهما المفضلة من أجل متابعة حياة متنقلة حرة غالبا بئيسة من حيث الفضاء غير محدود وتحت سماء سرمدية الزرقة.
هوامش القراءة :
17- أولوز وتسمى قرية رأس الوادي بسفح الأطلس الكبير وتيوت بالأطلس الصغير.
18- من الفضائل التي سجلها التاريخ للقائد محمد بن ابراهيم التيوتي بناءه لصهريجين عظيمين لتجميع تلك المياه ليلا وتوزيعها نهارا عوض تركها تضيع.
19- خلال حروب السيبة لا يتورع الطرف المنتصر في محو أي أثر تركه “العدو” المنافس بما فيها دك الدور السكنية وهدم القصبات وقد يكون المنتصر هو الذي شيدها بنفسه واضطر لمغادرتها مؤقتا هروبا برأسه ونجاة لنفسه ريثما يستجمع قواه المحاربة ويعيد الكرة من جديد لرد الإعتبار الشخصي وهيبة الانتماء القبلي.
20- ربما يتعلق الأمر بقائد آخر غير القايد المهدي المنتاكي الذي يتوفر هواة جمع الصور التاريخية على صورته حيث يبدو نحيف بنية الجسم على عادة الأناس الجبليون.
21- هو المسمى قديما “سبيطار الكرمة” بساحة باب القصبة تحول اليوم الى صيدلية، أنظر المدونة السابقة.
22- الصراحة والتفتح والتلقائية هي كل ما يبحث عنه أي محتل فوق أي أرض في أي بلد وهو ما مكن شاتنيير من جمع الكم الهائل من المعلومات لصالح بلده فرنسا الاستعمارية، لكنه لم يتمكن من الانسلاخ من تراب تارودانت الذي احتضنه في حياته وضمه بعد مماته.
23- أول ماخور bordel بتارودانت كان بدرب اسمكان وبعد الإستقلال سمي درب العفو لمسح العفونة الأخلاقية التي لا ترضى بها تارودانت، كانت تمارس فيه الدعارة برعاية سلطة المستعمر الفرنسي لفائدة تجريدة اللفيف الأجنبي la légion étrangère المتمركزة بالثكنة العسكرية بالقصبة قبالة المحكمة.
24- لست أدري مدى صدق قول شاتنيير ” كون النساء يضللن مسجونات” بما أنه أكد سابقا تواجد طابور طويل أكثره نساء عند استقبال وفادة الجنرال دولاموط وهو معهم والصور شاهدة للتاريخ.
25- ظاهرة مرضية محدودة جدا بالمغرب ومنبوذة اجتماعيا ومحاصرة بقانون جنائي إدانة عقوبته شديدة ، اليوم وصلت درجة خطيرة بفرنسا بلد شاتنيير حيث أصبحت من الحقوق المكتسبة المعترف بها لفائدة عينة من الرجال الغير الأسوياء، يعقدون زواج المثليين بما يسمونه اتفاق أو عقدة التراضيcontrat de consentement ترعاه اعلاميا قناة Euronews على الخصوص.
26- الرجال الزرق يفدون على تارودانت كتجار قوافل من الصحراء وبلاد السودان كان دخولهم وخروجهم هو الباب الجنوبي للمدينة لذلك نسب إسمه اليهم ” باب الزرقان” وتوجد اليوم بالعيون قبيلة تدعي “الزركيين”.
27- قائد الأرحاء كمصطلح تاريخي أيام حكم السلاطين مولاي الحسن الأول مولاي عبد الحفيظ ومولاي عبد العزيز، وينطق تداولا قايد رحى قوامه 1000 راجل وفارس ويوجد قايد المائة بنفس التشكلة الحربية، والرحى هي مطحنة تقليدية تصنع بصخرتين منحوتتين من حجر الكرانيت الصلب الثقيل، وهنا تحيل على القتال وصد الغارات الهجومية وتفيد التطاحن ونهب المخزون واليابس من المحصول وحرق الأخضر وسبي النساء والمواشي وتخريب البيوت فوق رؤوس أصحابها من العاجزين عن القتال، وهو ما عرف بأيام السيبة لأنه حتى الحرب لها أعرافها منها لحظة اعلان الاستسلام والاقرار بالانهزام تنكس الحربة ويغمد السيف ويرفع السهم من وثر القوس.
28- الضخامة تفيد البنية الجسمية العريضة والمكتنزة وهو أمر نادر عند الرجال الصحراويين ، خلاف النساء حيث يعتبر الوزن الثقيل مقياس أولي في الجمال الذاتي وشرط أساسي للتحدث عن الكمال الجسمي، ربما يقصد الكاتب طول قامة الرجلان.
19 يونيو 1914 / 19 يونيو 2014 – 100 عام بالتمام ، كل قرن وتارودانت بألف خير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى