سلايدر

حديث مع الصورة ج1: دار البارود بتارودانت قلعة من زمن قطع الرؤوس بالفؤوس

بقلم: علي هرماس

أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عرف الجنوب المغربي عامة وتارودانت خاصة تقلبات محورها الأساسي السطو على السلطة المحلية وإمساك زمام الأمور بيد من حديد ولجام من نار وتسليط السيف على رقاب المتنطعين والبحث لتوسيع نطاق الحلف، بعدها نقضه والإنقضاض على الحليف، وضم أيالته وإخضاع مواليه. لم تكن لتمر هذه التقلبات دون إثارة رحى التطاحنات بين الباشوات فيما بينهم والقواد بعضهم على بعض، وما يتبع ذلك من قطع الطرق ليلا وفرض أتاوى المرور بتراب النفود نهارا، أبشع من كل هذا قطع الرؤوس بالفؤوس وتعليقها على شرفات السور فوق باب السلسلة أو باب ترغونت/ باب الغزو تخويفا وعبرة.
لقد دوّن المختار السوسي بعض الأخبار عن دار البارود في الجزء الثامن والتاسع من المعسول والجزء الرابع من كتاب خلال جزولة، لكن تدوين المختار يطغى عليه طابع فن الوصف الأدبي ضمن أدب الرحلة، نظرا لأن المختار السوسي هو أديب أكثر منه مؤرخ انطلاقا من فكرة متداولة وقتئذ مفادها التاريخ علم لا ينفع وجهل لا يضر، كما يمكن ملاحظة عدم تطابق تواريخ بعض الأحداث والوقائع بين ما دونه المختار وما سجلته بعثاث الاستطلاع الأجنبية بحكم تكوينهم الاستخباراتي وهم الأقرب تاريخيا الى الصواب في الوصف وتدقيق الضبط بالسنة واليوم والساعة والدقيقة وحتى حالة الطقس؛ يقول المختار السوسي في وصف دار البارود في الجزء الثامن من المعسول أثناء رحلة لتارودانت قام بها شهر شوال 1363 هـ/1944م :” فرأيت روضا اريضا شاسعا، جالت فيه اليد الحضرية المغربية، وقد هيأ صاحبه الجديد في غرفه العليا والسفلى اسرة للنوم، وفي كل غرفة ما يلزمها مما يحتاج إليه الإنسان من بيت الاستراحة ومن الحمام، ومغاسل الوجوه، وكل ذلك على طراز أوروبي، والطناني الغالية مفروشة إلى القبة التي فوق الأكمة وهي فسيحة لها سقف مقوس مرونق وفي مقابلتها قبة أخرى على طرازها … ثم رأيت بها لاستقبال وراء الممر يسير فيه الداخل من الباب الخارجي، فكان بهوا جامعا للعظمة “. وفي الجزء الموالي يقول : “وافضل ما يزور السائح هناك هو دار البارود التي بناها الباشا الحاج بن حيدة فقد استفرغ فيها كل ما في وسعه، واستخدم في إشادتها عملة القبائل التي تحت حكمه من غير شفقة، كما انه استورد لها من الزليج الغالي المتنوع ومن الصناع الحضريين ما كان به القصر الفخم آية تارودانت الفذة”. ويقصد المختار هنا بذكره التوسعة شرقا لدار البارود التي قام بها الحاج حماد بعد مقتل الكابا واستيلاء حيدة على القصر. وفي موضع آخر يفهم منه الموصوف من دون ذكره بالإسم يقول في كتاب الإلغيات 2/172: “وصلنا تارودانت فتسلمني الكومندان هناك كضيف، فأمر بي الى دار الأضياف فوجدت بيتا جميلا، وعرصة نفيسة، وخرير ماء، وزقزقة عصافير، فكنت أبقى مرتاح البال ،،، ثم أفقت في الثانية صباح الجمعة وأنا أتقلب على حسك السعدان، فصليت فأتيت بالقهوة والحريرة والأتاي كعادتهم مع الأضياف، كما أتيت من قبل بأفضل عَشاء”.

A 3

الباشا أحمد بن علي الكابا مؤسس دار البارود على أكمة أصله من عبيد البخاري ، “اشترى” ظهير الباشوية من عند المدعو الحاج المودن المتوكي جليس مولاي عبد الحفيظ خليفة السلطان بمراكش، كان الكابا أولا رئيسا لسجن القصبة السلطانية بتارودانت، دهائه وطموحه لأكثر من ذلك دفعه لما شعر بضعف السلطة المركزية وانشغالها بمناوشات تدخل فرنسا على الحدود الشرقية نواحي وجدة، وذهاب حيدة ميس بعدته وعتاده لتعضيد جيوش الباشا الكلاوي دعما للسلطان في حربه بتازة ضد المتمرد الجيلالي الزرهوني الملقب بوحمارة الذي يتلقى دعما وسندا من فرنسا، في هذه الظرفية شعر الكابا بتضارب قرار السلطة المركزية، فثار واستبد بالأمور وأعلن استقلاله بحكم الباشوية في تارودانت وبقي فيه من سنة 1324هـ إلى 1330هـ / 1903م الى 1909م. لكن في الوقت الذي توحدت فيه حْرْكة منطقة سوس الأوسط والأعلى ناحية راس الوادي وانضموا لجيوش ناحية الحوز واتجهوا شمالا نحو تازة بهدف، انطلقت لهدف آخر جيوش الأعراب العرب من الصحراء جنوبا بزعامة أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين معلنا الجهاد ضد فرنسا، فوجد الكابا نفسه مرغما ليعلن انضمامه الى حَرَكته التي ستمر بالضرورة من تارودانت، لما تراجع الهيبة تحت القصف المكثف لمدفعية فرنسا في المعركة الشهيرة لسيدي بوعثمان نواحي مراكش، خرج منها الهيبة قافلا العودة الى تارودانت، فعلم الكابا بالأمر هو الآخر فأسرع الى الوصول اليها قبله حتى لا يتحصن داخلها ويغلق مصارع أبوابها دونه ويصبح سيدها، فواصل المسير بالليل والنهار، لما بلغ الأمر الى مسمع أصحاب الهيبة تكونت فرقة بزعامة مربيه ربه شقيق الهيبة فاسرعوا الى تارودانت، كما كلفوا من يعترض طريق الكابا وقتله، ولما اقترب الأخير من سفح الجبل بمنطقة المنيزلة ناحية هوارة اعترضه المرسلون بدوار افرض بقبيلة إداوزال وفتك به أناس القبيلة ونهبوا جميع حوائجه وأثاثه كما ثم نهبت دياره بتارودانت، وقد أوتي برأسه الى الشيخ الهيبة الذي دخل به تارودانت وعلق بالحائط الشرقي بساحة أسراك أياما إلى أن سرق ليلة الأحد 01 ذو القعدة عام 1330هـ1909م .

A 6

بقي الهيبة متحصنا خلف أسوار المدينة في تارودانت مدة 7 أشهر و17 يوما، لكنه لما انهزم أمام جيوش الكلاوي في 17 جمادى الثانية عام 1331هـ 24 ماي 1913م رجع حيدة إلى محله وهو تاريخ دخوله لدار البارود كباشا خلفا للكابا وذلك سنة 1332هـ ثم تابع الهيبة في جيشه مرتين ليَقطع دابره، بعدما وعده الفرنسيون في صفقة أن يبسطوا له اليد على سوس كله وأمدوه بمدفعين نوع شندر، هلك في الأخيرة منها بمرتفعات أيت باعمران في المكان المسمى ” إكلفن ” وذلك يوم الاربعاء 13 ربيع الأول عام 1338هـ موافق لـ 17 يناير 1917م وفصلت رأسه عن الجسد وحملت الى خيمة قيادة الهيبة ،،، وعلق عبرة وانتقاما، والقصة كاملة وظروفها أوردها الأستاذ عبد الله كيكر في كتابه الأول عن الباشا حيدة ميس وكتابه الثاني الاحتلال الفرنسي لسوس صفحة 124 الى 126.
الباشا احمد بن علي الكابا كان أول من فكر في تشييد دار البارود، ورفع صرح المعلمة المشرئب الى عنان السماء، يكون بذلك برجها أعلى نقطة بالمدينة لمراقبة ما يقع من تحرك بتارودانت ويستطلع ما حولها، شرع في ذلك لكن أحداثا وظروفا تاريخية طارئة منبعها عدم الاستقرار بين مناطق حكم سلطة القواد والباشوات ومنطقة نفود السيبة لم تمهله مع حركة أحمد الهيبة، إلى أن تولى الحاج حماد بن حيدة –بذكر المختار- إتمام توسعة الصرح شرقا قبالة ساحة البارود/ القصبة، بحيث تجاوز القصر علو صومعة المسجد الجامع الكبير 27 متر، وهي أعلى نقطة بتارودانت مند أربعة قرون عهد دولة السعديين، في ظرف تنافسي محتدم بلغ أشده في اكثر من مجال بين الحاج حماد بن حيدة سنة 1346هـ والقائد ناصر التومي صاحب قصبة فريجة وزعيم القبيلة العربية الأصل أولاد يحيى التي تأنف من سيطرة العبودية، وقد كان يتربص به الدوائر حيدة من قبل كما ذكر بول شاتنيير في كتابه “في الأطلس الكبير” 1914، ولم تأت عليه الدائرة الا سنة 1928 حيث توفي مقتولا ومن غير المستبعد أن يفصل الرأس عن الجسد كما جرى بذلك عرف الانتقام.

A 8

من جهة أخرى الباشا أحمد بن علي الكابا صاحب دار البارود رغم قصر مدة حكمه التي لم تتجاوز 6 سنوات بتارودانت ، سعى للبحث عن سند دعم قوي خارجي من خلال التقرب من بعثات الإستطلاع الأجنبية التي حلت مند سنوات بسوس، تمركزت البعثة الأولى وهي فرنسية بتارودانت يرأسها الفرنسي الخبير افيسك Evesque والمرشد اليهودي ليون قرقوز Korkos ومهندس المعادن مسيو دوريDore، هذا الأخير تمكن من ربط علاقة بالكابا، بينما الأخير سعى جاهدا لتوطيد تلك الصلة بما أن فرنسا كانت هي الأوفر حظا لاحتلال المغرب من خلال أحداث وجدة وتازة ومراكش التي كانت تصل تباعا للقواد والباشوات بالجنوب المغربي عبر ساعي البريد فوق دابته الذي كان يلقب “الرقّاص” ، تقارب تم من خلال تمكين مسيو دوري من عرصة بمحاذاة قصر الكابا، سميت باسمه وهي ساحة 6 نونبر حاليا واقتطع دوري طرف كبير منها لفرنسي آخر حل بتارودانت سنة 1914 هو الطبيب بول شاتنيير وشيد فوقه ” سبيطار الكرمة”- للمزيد يرجع المدونات السابقة من حديث مع الصورة – أما البعثة الثانية فهي ألمانية وصلت سنة 1895 تدعى بعثة الإخوان مانيسمان وكان مرشدهم مغربي تزوج لاحقا أجنبية وأضحى رقما وطنيا في الاستثمار الفلاحي،،، شرعت البعثة في شراء الأراضي باسمه كي تجد المانيا حجة للتدخل بدريعة حماية مصالح رعاياها.
أمر غريب وغير مفهوم كيف أن الفرنسي بول شاتنيير الذي وصل تارودانت سنة 1914 في بعثة كبيرة رسمية يتقدمها الجنرال دولاموط، وأقام لهم حيدة ميس صاحب تارودانت استقبال رسمي وثقه بالصور الفتوغرافية المستطلع الفرنسي مارسولان فلوندران كما وثق صور من داخل قصر دار البارود، سجل شاتنيير جميع تفاصيل دخولهم تارودانت في كتابه “في الأطلس الكبير المغربي” الذي صدر سنة 1919 وغضّ الطرف عن دار البارود المنتصبة عاليا بجلال قبالة القصبة السلطانية والأحداث التي شهدتها ومحيطها رغم طراوتها وقوة وقعها وقتئذ وأهميتها التاريخية ؟؟؟

A 7

في كتاب le long des pistes moghribines وهو عبارة عن رحلة استخبارية ما بين 1910و1911 للمخبر الفرنسي raynolde de la charriere ذكر في الصفحة 176 وما بعدها، أنه وصل قصبة حيدة ميس في 18 ابريل 1911 الساعة 4 و4/1 – ويسجل ويصف الرياض بدقة مضبوطة كما وقفت عليها بعده ب100 سنة أثناء زيارة شخصية قمت بها للرياض وهو لايزال في ملكية صاحبه البلجيكي مسيو كازبر kazbert، صادفته متكأ في أريكة من جلد “الدان” بغرفة يطالع رواية بتركيز ذهني عميق وخلفه رفوف خزانة كتب كبيرة غطت الحائط ورائه بالكامل، وأمامه حديقة ظليلة ندية؛ ثم عدت في زيارة ثانية بعد تفويت الرياض بالكراء لفندق قصر السلام، حيث أدخلت على عرصته تغييرات شوهت تلك الجمالية وسط العرصة النفيسة منها ممرات أرجل اسمنتية عريضة بزليج أبيض وأسود مغشوش الخدمة دابل اللونين منفر المنظر- يوم 20 ابريل الساعة 2 و20 ودّعنا الباشا حيدة أنا ومسيو دوري ووعدته بزيارته ثانية عند الرجوع – ما يفهم منه أنه سينقل له أخبار الكابا باشا تارودانت – خفرَنا رجل ثقة حيدة قايد الرحى عيش، رجله مكسورة نتيجة طلقة رصاصة ومشدودة ببعض الخشيبات القصبية وطرف قماش رث، لم تمنعه الاصابة من ركوب الحصان والقتال، يبدو أننا مضطرين للمرور من مقطع خطير غالبا يتم خلاله نهب القوافل قبل وصولها لتارودانت، بالتتابع دار ولد ابراهيم ثم أكدال القايد علي ولد منصور- صاحب دار برج أومنصور قرب فندق السعديين بتارودانت وابنه المرحوم الأستاذ الروداني سي محمد المنصار المتواضع المخيار- ثم دار القايد ولد مالك – وهو القايد عبد المالك فروعه اتخذوا كاسم عائلي بازي من أعيان جماعة تلكجونت اليوم- الى الأسفل دار تشاما منطقة محروثة بالشعير، ثم الرزاكنة منطقة رعوية يحمل الرعاة مكحلة طويلة،،، فممر أيت أوكاليل- اداوكيلال- ثم قصبة كبيرة لخليفة القايد العربي باعباس ما بين اولاد عبد الله والجعافرة، منطقة شبه صحراوية بها واحة أشجار فواكه مثمرة، ثم أيت اكاس، قبل أيام كان بها بعض الألمان يبحثون عن المعادن، غابة أركان كثيفة، لا شيء يتحرك هنا حتى الريح توقف، لقد شهد المكان للتو حرب نهب لازالت أثارها بادية مما اثار مخاوفي فسبق قافلتنا عبْد esclave لاستخبار المسلك الآمن، وتأخر معنا مخزنيان بالبندقية، قطعنا شعبة وادي ما بين هضبة ضريح فريجة ودوار أكادير الطُلبة، حيث تبدو لنا طلعة تارودانت.

A 5

تارودانت يوم 20 ابريل 1911 على الساعة الواحدة إلا ربع في حرارة مخيفة استقبلنا الباشا الكابا، رجل كبير بقواسم متقاربة مستغربا وصولنا بلباس أوربي بدل التخفي في لباس محلي، قادنا الى عرصة محاطة بسور بها أشجار عديدة من الرمان والبرتقال والليمون الحامض والنخيل وممرات مغطاة بكرمة العنب، هذا الإخضرار يريح العين بعد شمس محرقة؛ مقامنا عبارة عن غرفة مربعة سقفها مزين بألوان الصباغة، بعض الألمان سكنوا هنا لمدة عشرة أشهر، الخيول محجوزة في ساحة كبيرة مع مهورها، ثم قطيع غزلان يهرب عند اقترابنا، العبيد يمددون الحصير بالهواء الطلق في الحظيرة ليصلي الباشا ومرافقوه،- نسجل عدم جواز الصلاة في مربط البهائم- بعض الخدم يحاولون إخراج دابة من وجرها المظلم – الوجر غار تسكنه فصيلة الكلبيات المتوحشة- وهي تزمجر مما أثار الخيول وأزعجها فأطلقت صهيلها، إنه ضبُع يقاوم للرجوع الى وجره المظلم لأنه لا يتحمل ضوء الشمس، خارج القصبة يوجد عريش قصب يجلس فيه ” الفقيه”، لا يفارق الباشا أبدا لأن السيد لا يعرف لا القراءة ولا الكتابة ويؤم به الكابا في الصلاة ، من فوق نسيطر بنظرة شاملة على المدينة التي تترنح في اخضرار عجيب، يسارا تبدو صومعة جامع الكبير وكثير من أشجار النخيل مبعثرة هنا وهناك، أمامنا منازل تارودانت جلها محاطة بحدائق، يمينا جبال رأسها تعلوه حلاقة ناصعة البياض، خلفنا القصبة يجللها السور العظيم تعلوه شرفات مربعة، هنا أتانا خادم بقطبان الملفوف قبل النزول الى العرصة حيث جلسنا تحت ظل أشجار البرتقال نرتشف عصيرا منعشا وأزهار الليمون تتساقط كالثلج من حولنا فوق الزرابي .
سُمعت طلقات نار، تأخر عني سيد الدار، فجاء سي عبد الله ليخبرني أنه دارت حرب غير بعيد، وأنه علقت بعض الرؤوس بمدخل المدينة، لما طلبت منه أن يذهب معي لأخذ صورة لها أجابني لقد أزيلت !!! في الغد، من اجل زيارة المدينة أحضر لي جلباب وبرنس، شد فوق رأسي عمامة طويلة عريضة وأدارها من الخلف ليخفي وجهي، وأخيرا خنجر، كل هذا من أجل التمويه احتياطا لحياة الأوربي.
كل زمن بعدما قطع دابر العبودية وتارودانت بألف خير

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى