الوافي : “تكرابت” تراث في حاجة إلى عناية الدولة

محمد الزعماري

هو الوفي لمهنته “تكرابت” منذ إن احترفها، والحافظ لتراث لا مادي يكاد ينقرض ، اعتاد ارتياد ممشى “توادا” بشاطئ اكادير ، متجولا بهندامه التقليدي الضارب في عمق التاريخ والمتميز بلباس لونه احمر ( قد يكون سروالا فضفاضا وقميصا،أو عباءة أو جلابة قصيرة) وقبعة مزركشة بألوان زاهية ،وعلى صدره تتدلى طاسات نحاسية كأوسمة من مهنة تضرب في عمق التاريخ وهي اليوم مهددة بالاختفاء،ومن على كتفه الأيسر تتدلى قربة جلدية مزينة بقطع نقدية  قديمة يمتد منها أنبوب نحاسي لصب الماء المعقم بالقطران والذي يعطي نكهة خاصة لماء “الكراب”،وعلى جانبه الأيمن يتدلى جرابه’اقراب’ الجلدي المزركش كذلك بقطع نقدية قديمة يضع فيه ما جاد به الشاربون ، وفي يده جرس نحاسي صغير ، يستعمل رنينه لإثارة الانتباه ورغبة شرب الماء كاستجابة شرطية وفق نظرية إيفان بتروفيتش بافلوف .

 استغربت وجوده صباح يوم بارد بعد ليلة ممطرة، وهو يقوم بجولته العادية بالشاطئ، فاستدرجته سائلا:كيف هي الحركة هذه الأيام؟ بروح القناعة بحرفته والإيمان بما قسمه الله من رزق وبابتسامة الرضى أجاب :الحمد لله الذي يسر لنا الرزق في هذه الحرفة التي وفرت لنا عيشا مستورا،فالماء سر الحياة ونحن لا نبيعه وإنما نقربه من الناس بشعار ورثناه” الماء لله ،واللي عطا شي في سبيل الله”، كما أن دعوات الناس يستجيب الله لها بتنزيل البركة في ما نجنيه من ورائها.

2016-05-21_213522

اشرب ، امش ، تعش

 استرسلت معه في الحديث فأباح لي سر حفاظه على صحة سليمة وقد جاوز الستين من عمره ولازال قادرا على تحمل السير لمسافات والقيام بعمله دون كلل فقال: “قليل من يدرك أن شرب الماء والمشي سر الحفاظ على الصحة سليمة معافاة” ،كلامه هذا يجعلنا ندرك سر كلمة  pie,zhchc) ( المنقوشة على أمفورة الساقي باللوحة المكتشفة بدوكة (تونس) والتي تعني”اشرب،تعش)*،وبناء على قول صديقنا يمكن أن نجعل الشعار :اشرب ،امش، نعش..أي أن متعة الحياة مقرونة بالصحة السليمة التي يلعب شرب الماء والحركة دورا هاما في الحفاظ عليها وتؤكد ذلك النصائح وبعض الأبحاث الطبية. صديقنا الوفي الحافظ لمهنته يعتز بها كثيرا،لأنها كما يقول ضمنت له الصحة ولقمة عيش،إذ يعتبر المشي مسافة طويلة على شكل ذهاب وإياب مع شرب الماء كل لحظة سر الحفاظ على صحة سليمة جنبته اخذ الدواء أو زيارة الطبيب طيلة حياته إلا مرة واحدة اخذ فيها حقنة مضادة لأنفلونزا حادة. كما ضمنت له لقمة عيش لأسرة تتكون من ثمانية أفراد إضافة إليه، ووفرت مستلزمات تعليم الأبناء منهم من حصل على دبلوم التكوين المهني ضمن به عملا مناسبا.

    قدرت في هذا الشخص وزملائه بالمهنة واغلبهم تجاوز الستين من عمره،إصرارهم على مواصلة الظهور والحفاظ على بعض العادات المتعلقة بهذه المهنة رغم الظروف الصعبة التي أصبحت تعيشها وتهددها بالانمحاء. وقد فرح كثيرا لما استأذنته للالتقاط صورة له بجانب ماسورة الإطفاء قصد نشرها، فعلق قائلا:كلانا نقوم بنفس العمل، فنحن نطفئ لهيب العطش وهذا مستعد لإطفاء لهيب نار حارقة حفظ الله الجميع من شرها.

مهنة “الكراب ” تعتبر تراثا لاماديا وجب التدخل للحفاظ عليها ،بتشجيع امتهانها وإعادة الاعتبار لها،فهي ممتدة في عمق تاريخنا،فقد ورد في إحدى دراسات المستعرب جورج سان كولان وصفا “للكراب ” بالدارجة  كما يلي:( الكراب هو اللي كايرفد الما في الكربة ويبيعو.اوهاد الكرابة كاتشوفهوم دايزين فالزنقة ، محرفين واحد الكربة كبيرة على ضهورهوم،اودايرين ليها،تحت منها،واحد الرفادة د جلد باش ما يتفزكو ليهومشي حوايجهوم, كاينوض الكراب في الصباح ويعمر الكربة ويدور على الديور اللي كايسكي ليهوم كل  نهار او يعطيهوم اللي خاصهوم.عاد من تم للقدام،كيعمر الكربة ثاني او يركب ليها العنبوب ويدير فيدو الناقوس او الطاسات د شريب،ويبدا كايدور فالسواق ويطرنن بالناقوس،او جميع اللي جاه العطش،كايعيط عليه:كيشرب ويعطيه الصولدي للطاسة.*

وانطلاقا من النص أعلاه يتبن أن مهنة”الكراب” لعبت دورا هاما في الحياة الاقتصادية والاجتماعية عبر التاريخ ولازالت تلعبه بالإضافة إلى تنشيط السياحة،وبناء عليه يتوجب على الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والسياحة والصناعة التقليدية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ووزارة الأوقاف،أن تولي اهتماما لهذه الحرفة قصد الحفاظ على ظهور الكراب في فضائنا العام لما يشكله من تراث لامادي يستوجب الحفاظ عليه وتثمينه،وذلك بتشجيع الصناع التقليديين قصد توفير مستلزمات الكراب، وشرائها منهم وتقديمها في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كدعم لممارسة المهنة خلال تظاهرة سنوية تنظمها وزارة الثقافة ووزارة السياحة والأوقاف لان “تكرابت” تعد حسنة من الحسنات المندرجة تحت سقاء الاناسم والبهائم مصداقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:(أفضل الصدقة سقي الماء)،من اجل إبراز مكانة “الكراب” في المجتمع المغربي وتراثه وتكريم بعض وجوه هذه المهنة ، ويمكن إحياء مواسم  الأولياء التي كان “الكرابة” يقيمونها كما ذكر ذلك لويس ماسينيون*،كسيدي احمد الكامل،دفين باب الصالحة بمراكش،وسيدي المخفي بالجديدة ومولاي يعقوب بنواحي فاس وغيرهم.

 

هامش: * سمير أيت أومغار – المغرب الكرّاب عبر تاريخ المغرب – مجلة عود الند

http://www.oudnad.net/spip.php?article1520&lang=ar

 

 

كلمات دليلية ,
2016-05-21 2016-05-21
عبد اللطيف بتبغ