أعمدة الرأي

عادات وتقاليد رمضانية تجاوزها الزمن

كم تبقى من المدن المغربية التي لازال يسمع فيها صوت “النفير” خلال شهر رمضان؟ ذلك المزمار الطويل المصنوع من النحاس الأصفر، يطلق نداء جهوري مدوي بعد النفخ فيه؛ العملية تتطلب قليلا من المهارة: خدان متمددان وأوداج قوية لينطلق صوت “النفير” مدويا مسموعا معروفا ايدانا بحلول حدث ما ( السحور في رمضان، الأفراح العائلية، وقديما حلول الخطر). قليلة هي المدن المغربية التي لازالت تحافظ على هدا التقليد الرمضاني الأصيل . “النفار” ويطلق على شخص يرتدي لباس يراعي الخصوصية الإجتماعية المحلية، يجوب الأحياء زنكة زنكة يقرع إما الطبل أو ينفخ في “الغيطة” أو”النفير”. في المدن العتيقة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ كفاس ومراكش وتارودانت، النفار يصعد فوق صومعة المسجد الجامع قرب الجامور ليؤدي هذه العادة الأصيلة بعد صلاة التراويح وبدابة النصف الأخير من الليل، معلنا حلول وقت السحور. حرفة “النفار” يقوم بها رجال محتاجون لكنهم يتعففون بأنفسهم عن الإستجداء و يترفعون بكرامتهم عن طلب الحاجة (تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا( كما ورد بالقرآن الكريم، لذلك كانت النساء اللائي بلغن من العمرعتيا اليوم يتسابقن في تارودانت لإرسال وجبة السحور الى النفار بالمسجد، ويكون أول من يحظى ببركة السحور قبل العائلة لتحصل ربة البيت على تواب أجر مزدوج مضاعف: بركة السحور وإطعام محتاج في رمضان.

بمدينة اكادير حاليا، إنه كبور بوكاعة الذي يقوم بهده المهمة انطلاقا من حي سيدي يوسف مقر سكناه، مرورا بحي القدس وصولا الى حي الداخلة: من مواليد 1669 من دوي الإحتياجات الخاصة لكونه يتنقل فوق كرسي متحرك، يعمل حارس السيارات علما أن أقصى مدخوله اليومي هو 40 درهما يوم الجمعة أمام مسجد ابي بكر الصديق بحي الداخلة. يقول لسوس24 انه يقوم بمهمة ” النفار” مند 1985، له شعبية في الأحياء المذكورة ويحظى باحترام الجميع وإحسان معارفه على الخصوص (أثناء الإستجواب عصرا بجانب أحد المنازل حضر رب البيت من السوق محملا بقفة ثقيلة، طلب منه كبور كوب ماء لغسل وجهه فناوله قنينة ماء معدني كبيرة من القفة) نفس الإحسان خارج رمضان من سي بوجمعة الفتاحي الروداني صاحب المقهى… يضيف كبور. الآن حيث يصادف الشهر المبارك فصل الصيف ويكون السحور مبكرا، يبدأ طواف “النفير” من حيه على الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، أما فترة الشتاء لما يتأخر أدان الصبح حتى السادسة صباحا، فجولتة تنطلق ابتداء من الرابعة والنصف. السكان لاتزال تستهويهم زمجرة النفير يضيف كبور، لأنه مند تاريخه لم يذكر قط أنه تعرض للإنتقاد وإذا حصل ذلك، فبسبب إزعاج رضيع نائم أو مريض منهك فيتقبل ذلك برحابة صدر.

بعد إعلان رؤية هلال شهر شوال، يرفع صوت النفير من وقت السحور الى ما بعد طلوع شمس يوم العيد، فيبدأ كبور النفار باكادير جولته زنكة زنكة ، بيت بيت، دار دار لجمع زكواة الفطر ويتعفف عن دق الأبواب أو لمس زر الجرس ، اما في تارودانت التي تتميز بخصوصية “الغيطة” فوق الصومعة بعد صلاة التراويح والنفير للسحور ففي صباح العيد يترافق الغياط و الطبال، فيما النفار يطوف لوحده…
قديما كان النفار أول من يحظى قبل الجميع بفطور لذيذ شهي صباح العيد، عنصره الرئيسي رغائف بالزبدة الطبعية(البلدية) أو شفنج مطفي في عسل النحل الصافي الحر وكوب قهوة بالأعشاب الطبية أو كأس شاي بالأعشاب المنسمة. الإستعدادات المنزلية ليلة العيد ترخي بطبيعتها داخل البيوت، والتحضرات المطبخية في صباحه تخترق أجواء فضاءاته وخصوصيته نحو المحيط ، لأنها تأبي أن تبقى حبيسة جدران المطبخ. فيجد لها الجيران قبل غيرهم رائحة شهية تمتد على طول الزقاق أو الدرب تثير الدوق وتستفز الشهية، فترفع بذلك درجة فرحة قدوم العيد وشوق التزين بالجديد ، وزيارة الأهل والأحباب والتناول معهم كل ما لذ وطاب، وقضاء لحظات سنوية استثنائية في أجواء عائلية.
كان أيام كان بعض هذا في قديم الزمان، أما اليوم فاستعاض الناس عن صوت النفار بالمنبهات الإلكترونية وضبط الهواتف المحمولة بالنسبة لمن لازالوا يحرصون على سنة السحور التماسا للبركة كما ورد في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، أما غيرهم فيكتفون بوجبة الفطور والعشاء بعدها يواصلون حديث اللسان والسهر والسمر أمام شاشات التلفاز من قناة لأخرى أو ارتياد باحات المقاهي أو لعب الورق حتى الفجر ويشربون جرعة ماء ثم يخلدون مباشرة بعدها لسبات عميق،لأن العادات والتقاليد العرفية في رمضان، وسننه المستحبة شرعا لا تلقى منهم ببال !!!

يومين أو ثلاث قبل العيد، تزدهر أكثر عن بقبة الأيام التجارة الموسمية الخاصة بإعداد الفطائر المعجونة كالرغائف و”البغرير” و”المسمن” و”الملاوي” و”رزة القاضي”و “البطبوط”وغيرها؛ بعض ربات البيوت من الجيل الحالي يجدن في ذلك مسلكا لتفادي (تمارة وصداع الراس)فيلجأن للتزود بوفرة والتخزين في المجمد لأيام العيد (عوض يوم العيد)؛ أماكن بيع هذه السلع هي الأخرى أمام كثرة الطلبيات les commandes لا يبقى همها الإتقان والجودة بقدر ما يطاردها هاجس تلبية رغبات الزبناء ، فيكون أول الملاحظين المنتقدين لتلك السلعة فوق مائدة فطور العيد، هن المقتنيات أنفسهن، وهذا ربما سبب اختفاء سنة التكافل الإجتماعي والتضامن الأسري ما بين الجيران بتبادل أطباق فطور العيد، لأن جلهم يلجئون لخدمات السوق، والجميع يتوفر على مائدة فطور بنفس الفطائر، واختفى بهذا عنصر الخصوصية المناسباتية التي كانت سرا من أسرار أيادي الجدات، تلك الأيادي التي كنا نقبلها احتراما وتقديرا ووقارا عند دخول البيت لمباركة العيد، فاستعاض جيل اليوم خاصة الصغارعن تقبيل اليد ، بمد عنقهم وانحناء الكبار عندهم لتقبيل الخد وتلك عادة الشارع وتربية المسلسلات التلفزية.

*سوس24 تشكر المركز التجاري haute paradis بحي الداخلة اكادير الذي رحب بالتصوير داخل المحل ، خلاف بعض المحلات والعارضين للسلعة شبه عارية بالشارع العام

كل عيد وتقاليد وطننا بألف خير
علي هرماس لسوس24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى