موسـم الدرس والحصــاد بالبوادي المعزولة..تقاليد أصيلة بـقيّم إنسانيّة نبيلة (+فيديو)

أحمد أولحاج -سوس 24
يقال”مصائب قوم عند قوم فوائد” ..أو بالأصح  “مصائب جيل عند جيل فوائد” .. من سوء حظ من تبقى من العائلات المعوزة بدوار تــــوكارت النائية بإقليم تزنيت- رغم كل ما تحمله القرية من رمزيّة تاريخية- أن الأقدار رمت بساكنيها  إلى فج عميق بسفح جبل”أضاض مدني” الشامخ أعالي آيت احمد ،حيث لازال يُعتمد على كل ما هو تقليدي وبدائي في تدبير الشؤون المعيشية اليومية  نظرا لغياب تــــام لما قد يُعـَــدّ مسلكا طرقيّا أو يشابهه.
لكن في الوقت ذاته ،من حسن حظنا نحن الجيل الناشئ أن يكون ذلك فرصة لنطل من خلال القرية وعادتها على بعض  من مظاهر حضارة أجدادنا الأولين بثقافتها وقيمها الانسانية ورمزيتها الدالة.
ويعتبر الدرس التقليدي واحد من بين تلك العادات الأصيلة  المحتفط بها إلى اليوم من طرف الأهالي – رغما عنهم – بدواوير  توكارت وأدار وتكضيشت وعموم البوادي المعزولة بالمناطق الجبلية السوسية التي غالبا ما يتعذر الوصول إليها  بالآليات الفلاحية العصرية.
“العربي” أحد حفدة المرحوم الشاعر المقاوم “أبيضار نتوكارت” أعد عدته استعدادا للدرس، جمع حصاده بمساعدة الأقارب في “بيدر” وسط الدوار ،و أحضر ما يلزم من مؤونة تكفي من السوق الأسبوعي  على بعد بضع كيلومترات (آيت احمد اقليم تزنيت) ثم أخبر الجيران بالموعد .
كان يوما حارا ،وكذلك أريد له، الكل كان في الموعد،وبحيوية ونشاط انخرط الجميع بهتافات “اللهم صل عليك يا رسول الله”،وأهازيج وطقوس من الذاكرة الشعبية الشعبية الأمازيغية.
هدف المرحلة  هو دكُّ ما جمع من محصول دكّــا دكــّا ،ولو تطلب الأمر وقتا إضافيا من الأيام الموالية ،استعانة بدواب يتسابق أطفال القرية في إحضارها ركوبــا ثم تُرتب ترتيبا دقيقا حسب ،المزاج والقوة العضلية وسرعة البهيمة، وطبعا كلما كان عددها أكبر كلما صارت العملية ميسّرة حسب ما تسمح به الطاقة الاستيعابية للبيدر أو “أنرار” باللفظ الأمازيغي المحلي “. وهنا عادة ما يُغضّ الطرف عن حماقات الصغار ويطلق العنان لحركاتهم الرياضية يعبثون متى وكيف ما شاؤوا أماما وخلفا قفزًا وهرولةً  تحت أشعة الشمس الحارقة لأن المقصد واضح والهدف واحد عملا بقاعدة ” الغاية تبرر الوسيلة”.
وعلى طريقة “التويزي” /وتعني “التعاون” يجمع المحصول مجددا على شكل كومة مستطيلة الشكل،وبدقة عالية  و تؤدة وصبر وتجاوب مع حركات الرياح الغربية يتم التناوب على رفع عيّنات من المحصول إلى كنف السماء استعاناة بمدراى خشبية فتتساقط الحبوب في اتجاه الأسفل بفعل الجاذبية فأما الخفيف الوزن فيذهب بعيدا إلى كومة التبن المتجمِّع.نظريا تبدو العملية سهلة للغاية، لكن في تفاصيلها  تكمن الكثير من التعقيدات من حيث طريقة مسك المدراة ووضعية الوقوف واختيار وقت الرمي واتجاهه ..وكلها أمور ليست إلا في متناول أهل الاختصاص.
بعد الانتهاء من فصل الحبوب عن الأتبان تتعاون نساء القرية على نقلها إلى المكان المخصص لها أسفل المنزل بينما تجمع الحبوب في الأكياس وتعد بشكل دقيق صاعا بصاع لفصل ما يلزمها من أعشار توزع على الفقراء والمساكين.
وإذا تعسر على أجيالنا الحالية  فصل الحبوب عن التبن عمليا في بيدر توكارت وغيرها من القرى النائية بمغربنا العميق فإن مغزى العملية برمتها بما تشمله من قيم التعاون التضامن والتآخي وحب الأرض والارتباط بالأصل والمنشأ والعمل بالأسباب، ليس بعيد المنال بل هو مطلب يرجى العمل به .
كلمات دليلية , ,
2018-07-08
المشرف العام