“دْكّانة” دلالة المبنى ومفهوم المعنى

علي هرماس

الدلالة في اللغة العربية هي علم يهتمّ بدراسة المعنى، ويُعرف أيضاً بأنه العلم الذي يهتمّ بدراسة الشروط الواجب توفرها في المنطوق حتى يكون قادراً على حمل المعنى، والدلالة اربعة انواع نأخذ منها ما يهمنا في ورقة موضوع حديث مع الصورة، وهي الدلالة المعجمية أو الاجتماعية وتعني فيما تعنيه ما تحمله الكلمة من معنى يصل إلى الذهن عند سماعها، ولكل كلمة دلالة معنى مُعيّن.

ويكون اول مصطلح روداني هو “دْكّانة” لا وجود له على الاطلاق في القواميس العربية الورقية والرقمية ، واقرب دلالة له من حيث الصياغة الحرفية تحيلنا على “دُكّانٌ” وهو المتجر او الحانوت، بالنسبة لي كان بداية فك لغز هذه التسمية الرودانية في كتاب “العصاميون السوسيون في الدار البيضاء” تأليف د.عمر أمرير ط 2017 الصفحة 123 سطر7 وهو يسرد سيرة واحد من العصاميين الرودانيين هو الأب جيكو يقول المؤلف :” وبهدوء وصمت من دكّة المدربين يوظف طربوشه للتحكم عن بعد في تسيير خطة اللاعبين”.

الدَكّة في معاجم اللغة العربية ، بينما يطلق عليها في المتداول الشعبي الروداني “دْكّانة” ،وعليه عوض المدلول اللغوي الفصيح ، سنحافظ في هذه الورقة على مصطلح الدلالة في المتداول العامي للوصول لفهم المعنى، مع سرد عينة مواقع لتقريب نموذج الصورة في ذهن القارئ مقرونة بالاختصاص المجالي الاجتماعي، كما لا يفوتني التذكير كون “دْكّانة” بتارودانت تعد من التراث المادي مثل الصابات، بالرغم من كون هذه الأخيرة كان يتجاوز عددها بالمدينة 40 وحدة حسب بحث ميداني اشتغل عليه سنة 2009 الاستاذ مولود شهبون متخصص في التراث المادي بمندوبية الثقافة بتارودانت، الا أن “دْكّانة” تنفرد باستثناء خاص اجتماعيا ومحدودة العدد ميدانيا.

منطوق المصطلح يفهم منه مكان جلوس فرد او جماعة شيد بمواد بناء تقليدية أهم مكوناتها آجور الفخار طبقة عن طبق والطمي المخلوط بالجير ولمسة ملاط خارجية، “دْكّانة” تشبه الى حد ما المقعد الخشبي le banc الذي يستخدم في قاعات الانتظار حاليا بالمؤسسات ذات الطابع الاجتماعي العمومي ، اما عن أشهر وأقدم الأمكنة بتارودانت التي أدركناها بالسماع والمعاينة هي “دْكّانة” ضريح سيدي وسيدي طولها ……….بينما ارتفاعها أقل من نصف متر، كانت ملاصقة بمدخل مرقد الولي ابو محمد بن صالح بن وانْدلوس المتوفي بعد سنة 590هـ كما ورد في كتاب التشوف الى رجال التصوف ص347 تحقيق احمد توفيق ط2/1997، وقد استمرت “دْكّانة” لسنين تؤمن وظيفتها الاجتماعية كملجأ لتجمع المحتاجين والفقراء والمساكين بتارودانت، دونما حاجة منهم للسعي طيلة الوقت طلبا للإحسان والتماس العطف، الى أن عمد أحد نظار الأوقاف والشؤون الاسلامية في عقد الثمانينات -لا سامحه الله ولا التاريخ – وفي غفلة من اهل تارودانت بدريعة الاصلاح والترميم، محى “دْكاّنة” ضريح سيدي وسيدى من الوجود والى الأبد ، ثم ردم السقايتين المجاورتين عمرهما أربعة قرون، علما أن الضريح سبق السقاية بقرون، وهي من أهم المعالم الأثرية لدولة السعديين بالمدينة وحولها الى متاجر، فشتت فقراء ومساكين “دْكاّنة” سيدي وسيدي تاهوا على وجوههم يسترزقون جود الوجوه بتارودانت، قبل أن تظهر شريحة المحتالين في هيئة محتاجين، وأضحت الحالة ظاهرة اجتماعية وحرفة مدرة للدخل، لم يعد معها المسكين محتاج للمبيت ليلا “بأعكمي” في الضريح، والجلوس طيلة اليوم في “دْكاّنة” سيدي وسيدي تُحمل اليه الصدقات من نقود واطعام ولباس، سُنّة اجتماعية تضامنية متعددة الأوجه في التنافس على فعل الخير وصنع المعروف ،اشتهرت بها تارودانت قبل محو أثر تلك “دْكاّنة”، من تجلياتها قياسا فقط لا حصرا، أن سي المكي بوصالحي رحمة الله عليه من حومة درب الجزارة، كان يُعدّ بمنزله طاجين أول لأهل البيت، والثاني احتياطا في انتظار قدوم ضيف، اذا لم يحضر أي زائر عوض أن يُحمل الطعام الى مساكين “دْكاّنة” سيدي وسيدي، يبعث ابنه حميد قصد احضار أحدهم يشاركه وجبة الغداء على مائدته بمنزله، ، طمعا في زيادة الأجر والثواب والدعاء بالبركة والرحمة في البيت، هذا مثال فقط، ناهيك عن عادة حمل قصع الطعام/دشيش الشعير يوم الجمعة، ونصيب خراج السكلة التي تقام في البيوت بمناسبة ما…

كان أيضا وجهاء القوم الكبار خاصة الزعامات السياسية والدينية والقواد وخلفائهم والأعيان، يتخذون “دْكاّنة” كمنصة أو مرتفع وموضع قدم لامتطاء البغلة في المعتاد من ايام الأسبوع أو الفرس )أنثى الحصان( لصلاة الجمعة والأعياد، أيضا تتخذ من طرف بعض العامة مجلس انتظار خروج السيد لتقديم طلباتهم أو اذن استقبالهم لطرح شكاويهم، معلومة أفادني بها المرشد السياحي المعتمد داخل مزار المنارة الموحدية بمراكش، رجل كهل وقور، ذاكرة مراكشية أكثر منه مرشد بالمبنى التاريخي الذي تؤثث شرفته العريضة بالطابق العلوي “دْكّانتين” للجلوس يمين وشمال الباب المطل على الحوض المائي، ما يضعنا أمام تساؤل تاريخي، وطرح السؤال يعد نصف الجواب، هل “دْكاّنة” وجدت بكل من سيدي وسيدي/تارودانت والمنارة/مراكش مند القرن 12 م/6هـ تاريخ الدولة الموحدية أي قبل ثمانية قرون ؟؟؟

من شكليات الأبهة عند وجهاء القوم لحضور المناسبات الاحتفالية في المجتمعات القبلية قبل نصف قرن على أقرب تقدير زمني ، ونخص بالتحديد الزعامات السياسية والمشيخة القبلية وبصورة أقل لدى مشيخة رباطات الطوائف الدينية، انهم يتخذون لأنفسهم عددا من مظاهر التميز الطبقي لممارسة الحياة العامة، يكون ابرزها المسكن الفسيح الضخم والملبس الفخم وثالثها الخيل المسومة بسروجها المطعمة، نحن بصدد حديث مع الصورة من زمن رق العبودية لما كان سيد القوم يعهد بدابته المفضلة لأحد عبيد الخدمة يرعى شؤونها اليومية، من ذلك ترتيبات لحظة الخروج وامتطاء السيد ظهر الدابة وهبوطه باستخدام كرسي خشبي يدلل عناء العملية، ويزداد الأمر مشقة كلما تزامن الفعل مع تقدم الزعيم في السن.

ضمن هذا الاطار التاريخي، تعاقب السنين والأعوام ينتج عنه تغير الأشكال النمطية من حال الى حال، فنجد اليوم السيارة الفارهة، والسائق الأنيق بمواصفات تليق بالمهمة من ترتيبات خروج المسؤول السامي أو مالك السيارة الشخصي ليفتح له السائق الباب الأيسر الخلفي، ثم يغلقه بهدوء، بعدها ينطلق بتؤدة، اضافة الى القيام ببقية الأعمال التي تتطلب العناية اليومية .

في افادة على علاقة بالموضوع، ذكر لي قبل سننن المرحوم مولاي عبد الله بن السعيدي عن والده المرحوم مولاي سعيد سليل الشجرة العلوية السعيدية بأولوز، في مطلع القرن العشرين بناحية اولاد برحيل أدرك أحد الزعامات القبلية الجبابرة المشهورين وقتئذ، يملك عبدا من عبيد الخدمة زاده الله بسطة في الجسم مكلف بدابة السيد، ومن حين لآخر يجد نفسه مجبرا أن يجتو أرضا على ركبتيه وراحة يديه ليتمكن سيده من وضع قدمه فوق ظهره والارتماء فوق سرج دابته؛ بعد مجيء الاحتلال الفرنسي الذي سن ظهير الغاء الرق بالمغرب، اضطر زعيم القيادة القبلية لصنع مرفع خشبي عريض أضحى ضمن ترتيبات الخروج والاستعداد للامتطاء ظهر الدابة أو الهبوط منه وأراح الله بذلك ظهر المملوك.

على هامش خيمة معرض موسم المدارس العتيقة بتارودانت في دورته الخامسة 2017،وقفت على وثيقة تاريخية غاية في الأهمية مؤرخة – اذا لم تخني الذاكرة – في 1922،موضوعها استفسار وتنبيه من ضابط الشؤون الأهلية بتارودانت يومئذ الفرنسي القبطان بركنيون، موجهة الى هذا القائد القبلي الجبار لإقدامه على قطع يد احدى امائه عقب خطأ ما، الوثيقة ملكية السيد عبد المالك بازي؛ من غرائب الزمن وتقلبات الأحوال أن خرج من نسل ذاك الجبار ابن موظف خدوم ناصح أمين، شهد له بذلك أكثر من واحد وأنا منهم رحمة الله عليه.

اذا كان شاهد التاريخ مند العصر الموحدي هو “دْكّانة” بكل من مزار المنارة بمراكش وضريح الولي سيدي وسيدي دفين تارودانت، فان نفس الشاهد في الحقبة السعدية نجده يمين وشمال المدخل الشمالي للمسجد الجامع العتيق/الكبير بتارودانت، بالرغم من كون “دْكّانة” في شكلها الحالي خضعت لترميمات عبر مراحل ما زاد ارتفاعها علوا اكثر من المعتاد المقبول،..؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ يستنتج ذلك أن الداخل للجامع من الباب الجنوبي يهبط درجتين قصيرتين بكل يسر، بينما الباب الشمالي ينزل بأربع درجات عالية.

قد تكون “دْكّانة” دلالة لمنطوق لغوي يفيد التصغير – بعيدا عن اطار اللغة طبعا- مشتق من صيغة دُكّان، هي جلسة مع توالي الزمن واسترسال الاستغلال تكتسب قيمة معنوية يمكن تفويتها بشتى أوجه التفويت كالبيع والرهن والصدقة والهبة وهو ما تطرق له د.مصطفى بنعلة في كتاب “تاريخ الأوقاف الاسلامية بالمغرب في عصر دولة السعديين من خلال حوالات تارودانت وفاس” ج1 ص347 وما بعدها؛ أيضا “دْكّانة” بالرجوع للصور التاريخية باعتبارها مرجعا ومستندا شكل من اشكال الدكاكين الضيقة لم يعد لها وجود بتارودانت كانت تمارس داخلها بعض أنواع التجارة بالصماطات الحرفية التي اندثرت بتارودانت وبقية الاسم حاضرا لمسمى شبه غائب، حرف مارسها المسلمون واليهود جنبا الى جنب بكل ود واحترام، نذكر صماط الحدادة والخرازة وجوالقية وصفايحية صانعوا حدوات الدواب ، بينما لازال نموذجان من هذه “دْكّانة” بمراكش خطوات معدودة من ساحة جامع لفنا دخولا الى رياض الزيتون القديم بالقرب من درب بن عمران، احد الدكانين/دْكاّنة خاص ببيع خيوط الحرير “صابرا” به شيخ طاعن في السن من ذاك الزمن، يلتمس رزقه بسلعة لا تسمن ولا تغني من جوع؛ هو نموذج دكان عتبته مرتفعة بشكل ملحوظ يتجاوز نصف متر بقليل عن مستوى الأرض، يتم الصعود اليه بالركبة عوض الدخول بالقدم، والقعود أو الاستلقاء في جلسته بما أن ارتفاع السقف يسمح بالوقوف المنحني فقط، هذا الشكل من الدكان/دْكّانة مدخله صغير، في الأصل التاريخي ترفع دفته العلوية وتسند فوق عصى من أحد جوانبها، بينما الدفة السفلية تطرح فوق القاعدة الأرضية، هذا النموذج يسمى الأبواب الحولاء، اشتقاق تشبيه بحَوَل بؤبؤ العينين نحو الداخل وهو الأقرب للصواب، أو قياس تشبيه معنوي بالأبواب العرجاء المزدوجة الدفة التي تسمح بفتح نصفيها السفليين دون العلويين توجد ببعض الرياضات الأثرية.

في جلسة عرضية قبل سنين أفادني الصديق حجوب العزوزي – شفاه الله- ونحن بصدد استعراض ومناقشة مجموعة صور توثق التاريخ الاجتماعي لتارودانت، نقلا عن مصدر شفوي قبله، أن قبائل هوارة قبل شن غارة السلب والنهب على تارودانت، تبعث العصابة رقاصا متسترا لاستطلاع حركية السوق الكبير والفنادق المجاورة لرصد وتحديد المستهدف بالغارة، لحظة هجومهم المباغت يسمع قرع بالمفاتيح الحديدية على سطل أو غراف معدني كناية عن الخطر المحدق، يتلوه صياح الانذار متبوعا بهرج نجدة الاستغاثة، مما يسمح لأصحاب دْكّانات البعيدة في عمق السوق اقفالها عليهم بجر عكاز/عصى الباب العلوي فيسقط ، وسحب الباب السفلي من الخرص بالحبل الممدود، فتلتقي الدفتان – التقاء البؤبؤيان عند الأنف- وتقفل ب”اللزاز” وهو وتد خشبي من الداخل، وتسلم التجارة ومعها التاجر الذي يتسمّر في الجلسة الى حين زوال خطر النهب والسلب.

 

بقيت الاشارة أن جميع مساجد تارودانت في شكلها القديم كانت تتوفر ميضآتها على “دْكّانة” قصيرة يجلس عليها مرتادو بيوت الله للوضوء، جل هذه المساجد بعد هدمها واعادة بناءها مطلع الثمانينات حافظت على “دْكّانة”، أغلبية الحمامات التقليدية العمومية كانت تتوفر على “دْكّانة” فيما عدد محدود فضل جلسة الأرض مباشرة فوق حصير قصب المروج/سمار، أيضا لا زال يوجد جوار باب برج القايد علي بن منصور الكدالي/برج أمنصور طرف صغير من “دْكّانة” الأصلية المثلثة الجوانب كانت هناك، بمدخل درب التونسي قرب أسراك توجد الى الآن “دْكّانتين” متقابلتين، “دْكّانة” كبيرة عريضة يرجع تاريخها لزمن تنافس الاستقطاب الروحي الى المقرات الطائفية بين الزعامات الدينية وهي المقابلة لمقر زاوية سيدي أحماد أوموسى بفناء الرحبة القديمة، جوار مدخل مسجد حومة القصبة السلطانية الى اليوم وان تغيرت معالمها الأثرية، أخيرا ما لم يسقط سهوا مكان، داخل فناء الأبواب الخمسة لسور تارودانت نجد “دْكّانة” بخصوصيات استثنائية تتجلى في زيادة نسبية للارتفاع عن مستوى الأرض، وعدد محدود من الصاريات مضلعة تشد عليها أقواس مربعة أو دائرية يرفع فوقها سقف الأشقاف ، كانت مخصصة في الأصل مند زمن الدولة السعدية الى حدود فترة حكم المولى الحسن الأول لجلسة العدول الكتبة ومسؤولي جباية مكوس السلع وضريبة الحافر.

كل زمن وتراث تارودانت بألف خير

2018-10-11 2018-10-11
المشرف العام