هل تكسب الأحزاب الرهان الملكي؟!

في خطابه ليوم الجمعة 12 أكتوبر 2018 أمام أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية وفق المنصوص عليه دستوريا، دعا الملك محمد السادس جميع المسؤولين والمنتخبين إلى الالتزام بعديد الإجراءات النوعية، التي من شأنها الدفع بدينامية الإصلاح وتعزيز التضامن الاجتماعي، عبر بلورة نموذج تنموي جديد لمواجهة الرهانات والتحديات، والاستجابة لانتظارات الشعب على عدة مستويات، منها: إصلاح منظومتي التعليم والصحة وتشجيع الاستثمار والنهوض بقطاع التشغيل، والحد من التفاوتات الاجتماعية والمجالية… دون أن يفوته الأمر برفع الدعم العمومي للأحزاب السياسية، والتنبيه إلى أن المغرب يحتاج في المرحلة الراهنة إلى توحيد الصفوف، وشخصيات وطنية صادقة تتحمل مسؤولياتها بإخلاص، دفاعا عن المصالح العليا للوطن وبناته وأبنائه بلا تمييز أو انتهازية.

ولعل الكثيرين ممن غاظهم أن يتضمن الخطاب قرارا بدعم أحزاب سياسية باتت في نظرهم متجاوزة وتعاني من موت سريري منذ سنوات طويلة. لاسيما أن المشهد السياسي عاش في السنة الماضية على صفيح ساخن، حين أبى الملك نفسه إلا أن يفجر غضبته المدوية على الطبقة السياسية، في خطاب الذكرى 18 لاعتلائه العرش، بتوجيهه انتقادات لاذعة للأحزاب وبعض السياسيين ممن تعوزهم الكفاءة وروح المواطنة والشعور بالمسؤولية، الذين صنعوا من العمل السياسي جسرا لتحقيق أهدافهم، بدل الانكباب على معالجة قضايا المواطنين وتأمين حاجاتهم الملحة. ووصل به التذمر والاستياء منهم وبعض الموظفين المتقاعسين حد وصفهم ب”الخيانة”، رابطا تخليهم عن واجباتهم بتردي الأوضاع وتعميق الاحتقان الشعبي، مما اضطر معه إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والإطاحة برؤوس عدد من الوزراء والموظفين في سابقة هي الأولى من نوعها منذ توليه مقاليد الحكم.

لم ينتبهوا إلى أن إقدام الملك على هذه المبادرة الجريئة لم يأت من فراغ، وإنما يندرج في إطار تعزيز الآليات الدستورية وتقوية دور الأحزاب السياسية في التأطير وتأهيل المشهد السياسي وتخليق الحياة العامة، وتعكس في ذات الوقت مدى حرصه على ترسيخ قواعد العمل السياسي، ورغبته في استنهاض الهمم وشحذ العزائم، وبث شحنة قوية في شرايين المؤسسة الحزبية، وتحفيزها على تجديد النخب وأساليب عملها والارتقاء بمستوى أدائها وجودة التشريعات والسياسات العمومية، عوض الاستكانة إلى الشلل الحاصل والجمود القاتل. فالدعم العمومي المخصص للأحزاب السياسية سواء منه السنوي أو الانتخابي، ضرورة ملحة، ويعد من أبرز آليات تحقيق الشفافية وتكريس الخيار الديمقراطي، وليس وسيلة لمراكمة الثروات من قبل بعض القادة السياسيين وحاشياتهم، الذين حولوا مؤسساتهم الحزبية إلى مقاولات خاصة، رغم أن المشرع أخضعه للمراقبة المالية والتدقيق المحاسباتي من قبل المجلس الأعلى للحسابات. ويهدف بالأساس إلى مساعدتها في الاضطلاع بمهامها حسب الفصل السابع من الدستور، في تنظيم وتأطير المواطنين وتعزيز انخراطهم في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام بشكل شفاف…

وجدير بالذكر أن الأحزاب تستفيد من دعم سنوي، يعينها في تدبير شؤونها المادية وفق قواعد موضوعية مضبوطة، يحددها القانون التنظيمي 11.29 الذي فصل مختلف الإعانات التي تتلقاها. إذ تحصل على حصة سنوية جزافية شريطة المشاركة في الانتخابات التشريعية، وتغطية نسبة 10 بالمائة من مجموع الدوائر الانتخابية المحلية الخاصة بانتخابات أعضاء مجلس النواب، وتوزع مناصفة بينها. كما تستفيد الأحزاب الحائزة على ما لا يقل عن نسبة 3 بالمائة دون بلوغ نسبة 5 بالمائة من عدد الأصوات المعبر عنها في الانتخابات بكافة الدوائر الانتخابية المحلية، من مبلغ إضافي يعادل الحصة الجزافية السابقة… وما إلى ذلك من الإجراءات والمعايير التي يحددها القانون. فإلى أي حد تقوم هذه الأحزاب التي تعد فاعلا أساسيا في المشهد السياسي بوظائفها الدستورية، وتستحق دعما عموميا إضافيا في ظل الأزمة المالية الخانقة؟ من الصعب أن يستسيغ المواطنون هكذا إجراء، وهم يتجرعون مرارة التقشف والحرمان خاصة بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة في ولايتين متتاليتين. حيث لم تعمل الحكومتان السابقة والحالية سوى على استنزاف قدرتهم الشرائية وتجميد أجورهم والإجهاز على أهم مكتسباتهم، في الوقت الذي ينعم فيه البرلمانيون والوزراء بمعاشات مريحة وتعدد الأجور والتعويضات والامتيازات…

إن القرار الملكي القاضي برفع الدعم العمومي للأحزاب السياسية، يضعها أمام مسؤليتها التاريخية. وعليها أن تكون في مستوى الحدث وقادرة على كسب الرهان، بالتخلص من تلك العقلية التقليدية البائدة، المزايدات السياسوية والتهافت على المناصب والمكاسب. والعمل الجاد والدؤوب على ابتكار الحلول الناجعة للإشكاليات المطروحة، بما يساهم في الانتصار على مظاهر اليأس والبؤس والإحباط والانحطاط وإعادة الثقة للمواطنين والشباب خاصة، فتح مقراتها بصفة دائمة ومنتظمة قصد التأطير والتكوين السياسي وإشراكهم في تسيير الشأن العام، ومحو تلك الصورة السيئة التي ترسخت في أذهانهم من كونها مجرد دكاكين انتخابية، تستقبل “زبناءها” من ذوي المال والنفوذ أو المقربين من “الزعماء” خلال مواسم الانتخابات فقط لمنحهم تزكيات الترشيح، دون الاحتكام إلى المعايير الموضوعية، من كفاءة وخبرة واستقامة… فلا مناص اليوم للأحزاب السياسية من الالتزام بالقانون رقم 04.36 الذي جاء مع مسلسل الإصلاحات التي عرفتها بلادنا، كآلية قانونية وإطار ضبطي يفرض عليها الاضطلاع بأدوارها الدستورية والقانونية. إذ لا يمكن إرساء قواعد الديمقراطية وفرز حكومات قوية بدون أحزاب قوية، تقودها شخصيات وطنية متشبعة بقيم النزاهة والديمقراطية والتدبير المؤسساتي والحكامة الجيدة. فلتنطلق قافلة التنافس الشريف لتحقيق التنمية المستدامة وتوفير العيش الكريم والعدالة الاجتماعية، وكفى من تمييع الحياة السياسية وتنفير المواطنين من الانخراط في العمل السياسي والمشاركة الانتخابية…

اسماعيل الحلوتي

2018-10-26 2018-10-26
المشرف العام