التوقيت المدرسي الجديد يؤجج غضب الأسر وحيرة الأطر الإدارية والتربوية

ذ :محمد بادرة

1- إن إنجاح أي إصلاح تربوي أصبح بموجب الميثاق الوطني للتربية والتكوين وربيبته الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030 … أصبح مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع بحكم انخراط كل الفعاليات الوطنية و تمثيليات الفرقاء الاجتماعيين والتربويين و الجماعاتيين القوية وصلاحياتهم المتنوعة داخل الهياكل التمثيلية لمختلف مؤسسات التربية والتكوين و بالأخص الفرقاء التربويين والاجتماعيين من اطر تربوية وإدارية وآباء واسر ونقابات وهيئات موازية والتي أسندت إليها مهمة الانخراط الفعلي في تأهيل المنظومة التربوية لان حكامة المنظومة وتدبير دواليب إدارتها وتسيير شؤونها لا يمكن أن يقتصر -فقط – على الإدارة المركزية كما لا يمكن فرض الإصلاح أو تطويره من الأعلى سواء من طرف من هم في قمة السلطة التنفيذية (الحكومة) أو من هم في قمة السلطة التعليمية (الوزارة) أو كلاهما، لان من شأن ذلك أن يسبب احباطات وإخفاقات للعاملين في الحياة المدرسية (المدرسون – الأطر الإدارية- المفتشون- الموجهون …) وكذا المستهدفين بالتكوين والتعليم (التلاميذ)، بل انه قد يدفعهم ذلك السلوك ألبيروقراطي الأحادي في القوننة والتشريع التربوي وفي العلاقات التربوية إلى سن أساليب متنوعة في مقاومة أي إجراء جديد وبشتى الكيفيات آو الصيغ الرافضة، سواء أكان ذالك الإجراء أو الإصلاح موجها إلى إعادة تركيب بنية النظام التربوي أو إحداث تغييرات في طرق التدريس …. أو إحداث تغييرات في الإيقاعات المدرسية … حيث أن أي إجراء أو إصلاح لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح التلميذ الذي يشكل محور كل إصلاح تربوي، مع المواءمة بين حاجياته وتطلعاته وبين متطلبات الحياة الجماعية، حيث ينبغي للمؤسسة التربوية أن تساعد المتعلم على تحقيق ذاته جسميا وعقليا ووجدانيا وتطوير كفاياته لجعله قادرا على امتلاك المهارات التي تمكنه من التواصل مع بيئته ومحيطه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

وإدراكا لما سبق بادر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في سياق التحضير لبلورة رؤية إستراتيجية جديدة للإصلاح التربوي إلى إطلاق مشاورات موسعة شملت الفاعلين في المدرسة والأطراف المعنية والمستفيدة والشركاء والقطاعات المسؤولة عن التربية والتكوين، ومن له رأي في الموضوع من الكفاءات الوطنية والخبراء و كانت الغاية – كما جاء في الوثيقة – (هي مشاركة اكبر عدد ممكن من المغاربة في “مسالة الضمير” بخصوص واقع المدرسة المغربية واستشراف آفاقها)

هكذا أرسى الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الإستراتيجية تعاقدا مبنيا على الثقة لأجل الارتقاء بالحقوق والواجبات والقيم المهنية وعلى أساس نهج مقاربة تشاركيه يسهم من خلاله الفاعلون التربويون وهيئاتهم النقابية والمهنية في الإرساء التدريجي لأسس التعاقد المذكور وقواعده وتحظى مقتضياته بالتزام الجميع، ومن ذلك:

 توثيق العلاقة مع الأسر باعتبارها المصدر الأقرب لمعرفة حياة المتعلمين (ات) وأثرها على مواظبتهم وانخراطهم و تحسيس الأسر بدورها في تكميل عمل المدرسة.

 إعادة النظر في الإيقاعات الزمنية وتدبير الزمن المدرسي والتخفيف من كثافة البرامج ومن طولها وتضخمها ….وملائمة الإيقاعات المدرسية مع محيط المدرسة في المناطق النائية وذات الوضعيات الخاصة والظروف الصعبة. “من وثيقة الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 2015/2030 الرافعة12”

2- إن سياق هذا الحديث جاء بعد قرار الحكومة بتثبيت العمل بالتوقيت الصيفي (GMT+1)على طول السنة مما دفع وزارة التربية الوطنية إلى اتخاذ إجراءات استعجاليه تهم التدبير الزمني للحياة المدرسية مواكبة لهذا التغيير الطارئ دون استشارة الفاعلين التربويين أو الشركاء العمليين للمؤسسة التعليمية ولا حتى التواصل مع الفئات المعنية بهذا الإجراء من الأطر التربوية والإدارية واسر التلاميذ(وليس بعد إقرار الإجراء نقوم ونستدعي ممثلي جمعيات الآباء و أولياء أمور التلاميذ للإنصات لرأيهم؟)

إن أي خلل في بيئة تربوية قد يؤثر على العلاقات التربوية والاجتماعية والعاطفية بين أعضاء المجتمع المدرسي، كما قد يؤثر على قواعد ومبادئ تنظيم الحياة المدرسية والجماعية داخل المؤسسة التعليمية، لأن الحياة المدرسية بيئة منظمة تحكمها ضوابط تربوية وإدارية تراعي متطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمستهدفين بالتكوين والتعليم ومحيطهم الأسري.

فهل فكرت الوزارة الوصية في نتائج هذا الزلزال الذي سيحدثه الإجراء المتخذ سواء في العلاقات التي تنتظم العمل التربوي أو الاضطراب الذي سيحدثه هذا الإجراء في العلاقات الاجتماعية بين أطراف العملية التربوية من أساتذة و إداريين وآباء وتلاميذ ؟, وهل فكرت الوزارة فيما يمكن أن يحفز أو يدفع البعض الآخر إلى مقاومة هذا الإجراء بوسائل شتى ؟ وهذا قد يسبب في خسائر تربوية نحن في غنى عنها.

وبتفصيل استفهامي:

 كيف ستبدأ الحصة الأولى في الساعة التاسعة صباحا وتنتهي في الساعة الواحدة زوالا ثم يعود بعدها التلميذ مباشرة بعد ساعة لمواصلة واستكمال الحصص الدراسية المتبقية وهو في كامل قواه الصحية والمعنوية دون أن يستفيد من لحظة استرخاء واستجماع قواه واخذ ما يحتاجه الجسم من تغذية بيولوجية ونفسية وروحية.

 كيف يمكن له في ساعة واحدة أن يجمع فيها أدواته وكتبه ودفاتره التي يحتاج إليها في الحصص المسائية أو ينجز فيها بعض التمارين القبلية فبالأحرى أن يغذي جسمه (الوجبة الغذائية) أو يغذي روحه (الواجبات الدينية)

 كيف يمكن في ساعة واحدة أن تجهز الإدارة التربوية وطاقم المطعم المدرسي لتلميذتها الداخليين الوجبة الغذائية ليلتهموها في سرعة فائقة مباشرة بعد الخروج من الأقسام , وفي نفس الآن الاعتناء بالتلاميذ الخارجيين وهم يقتاتون الهريسة أو البوكاديوس أو ماشابه ذلك وسط ساحة المؤسسة؟ وماذا عسى ان نقول عمن عليه أن يقطع مسافة قصيرة أو طويلة للوصول إلى بيته؟؟؟

 كيف لساعة واحدة أن تسمح للتلميذ الذي أنجز حصة التربية البدنية من الساعة الثانية عشرة قبل الزوال إلى الساعة الواحدة زوالا حتى يأخذ حماما خفيفا ويغير ملابسه ليستأنف دراسته مباشرة بعد ساعة وهو منهك القوى مشتت الذهن فارغ البطن أما إن كان مصابا بمرض مزمن فماذا عسى سيحصل له؟

 كيف يمكن لتلميذ أو تلميذة مصاب (ة) بمرض مزمن وتعود(ت) على اخذ دواءه (ها) وهو(ي) بعيد(ة) عن البيت ولا يمكن له (ها )أن يصل إليه في اقل من ساعة.

 ما عسى الآباء والأمهات والأسر أن يفعلوا مع هذا الإجراء الذي سيزيد في تأزم وضعهم الاجتماعي – المؤزم أصلا- وبنفقات زائدة خصوصا إذا كان لهم أبناء عديدون.

 ماذا عسى أن تفعل الأسرة التي يعمل فيها الأب وألام معا، فهل سيضحي احدهما بالعمل لأجل التفرغ في نقل الأبناء إلى مؤسساتهم وتوزيع قفف الأكل عليهم وحمايتهم من أي طارئ قد يحدث لهم بين الساعة الواحدة زوالا والثانية بعد الزوال.

 ماذا عسى الأسر أن تقوم به وهي مجبرة على التأخر عن عملها (الثامنة صباحا) حتى تتمكن من إيصال أبنائها في الساعة الأولى من الحصة الصباحية (التاسعة صباحا)، فهل تضحي بعملها آم تضحي بمواظبة أبنائها؟

 كيف ستكون الحالة النفسية للأسر وهي تترك أبنائها في ظروف غير ملائمة، ولا تعلم ماذا يمكن أن يحصل لهم خلال الساعة اليتيمة بين الفترة الصباحية والفترة المسائية هل هم في ساحة المؤسسة آو بين دروب الحي أو بين أقران السوء من بائعي المهيجات و الممنوعات.

 ماذا عسى الإدارة التربوية أن تقوم به تجاه مئات من التلاميذ متواجدين داخل المؤسسة، لا هم في لحظة الاستراحة ولا هم في لحظة الانتظار ولا هم في انشغال مع الأكل والشرب ولعب الورق وفي غياب بنيات استقبال ملائمة أو كافية وفي ظل قلة الأعوان والمنظفات وزد على ذلك أن اغلب هذه المؤسسات التعليمية تشتغل بأفراد واطر لا يتعدون أصابع اليد في المؤسسات الإعدادية و التأهيلية، أما في المدارس الابتدائية فلا وجود إلا لفرد واحد : مدير المؤسسة لوحده فقط؟؟؟

 ماذا عسى ذلك المدير الوحيد في مدرسته أن يقوم به لضبط حركية التلميذ بين مرافق المؤسسة أو لتقديم الإسعافات الأولية لمن حصل له طارئ صحي؟؟ ماذا سيفعل إن وقع تشابك أو تصادم بين مجموعة من التلاميذ أو التلميذات، أو وقع لأحدهم حادث فهل يضطر المدير إلى إخبار الأولياء آو الشرطة أو الإسعاف أو أو

 ماذا عسى ذلك المدير أن يقوم به لإسعاف هذا التلميذ أو ذلك وهو أصلا مصاب بمرض مزمن يتطلب حضور ومعاينة ومساعدة أسرته المتكفلة بإسعافه وتطبيبه وإعطائه أدويته المعتادة في وقت معين.

 ماذا عسى أن تقوم به المصالح الأخرى من الأجهزة الأمنية وأجهزة المراقبة الصحية، خصوصا وان هذا التوقيت الجديد سيساعد على تزايد وتواجد أصحاب الوجبات السريعة بجوار المؤسسات التعليمية من بائعي ( – البابوش والهريسة –والبوكاديوس- والطاكوس – والكلية و……و)

إن القرار الذي اتخذ مناف للطبيعة البشرية والطبيعة الثقافية والاجتماعية لحياة المدرسين المتمدرسين و أسرهم ونشاطاتهم مما سيؤثر على توازنهم النفسي والعقلي ويدمر كل خصوصياتهم وخاصياتهم.

انه يجب احترام القوانين الطبيعية التي تحكم النمو الإنساني الأمثل (كما يقول دافيد شيكتر) وأي سلطة أو قرار أو تدخل لفرض هذا الأسلوب في الإيقاعات الزمنية المدرسية لن يجني غير المقاومة والرفض والاحتجاج لأنه لا وجود ولا نجاح لسلطة لا عقلانية عندما تفرض على الفرد معايير منافية للطبيعة الإنسانية (كتغيير عادات ومواقيت الأكل والنوم والسفر والعبادة ….) ولن يخدم إذاك هذا القرار لا مصلحة المجتمع ولا الإنسان.

فما هي المسوغات التي دفعت الحكومة إلى تثبيت العمل بالتوقيت الصيفي (GMT+1)وجر الوزارة الوصية إلى اعتماد توقيت زمني مدرسي جديد؟ اهو اقتصاد الطاقة؟

في هذا السياق يجب الفصل بين ما هو تربوي وما هو اقتصادي بل انه دلت نتائج الأبحاث الحديثة عن فشل استنساخ النموذج المقاولاتي في المؤسسات التربوية حيث أكدت بعض الدراسات أن ممارسات إصلاح التعليم التي تحكمها إستراتيجية المقولة الشائعة في تصور العمل في المصانع والشركات على انه (مدخلات – عمليات – مخرجات ) لم يكتب لها النجاح (سيروتنيك- 1987) مما يدل على أن تصور النظام التعليمي على انه معادل لنظام المصانع هو تصور خاطئ لان النظام التعليمي هو نظام مرن وان الصلات بين مكوناته تتسم بالتراخي والليونة، كما بين ذلك علماء الاقتصاد من أمثال (ا- ف – شوما خر E .F.SCHUMACHER)حين قال ان (الاقتصاد كمحتوى للحياة هو مرض قاتل . وذلك لان التنمية اللانهائية لا تناسب عالما محدودا ) وأضاف انه(تعلم من رسائل المعلمين الكبار للإنسانية أن الاقتصاد يجب أن لا يكون محتوى الحياة، والواقع المعاش يدل بوضوح على استحالة ذلك…)

وسمى شوما خر هذا الوضع المعكوس للطبيعة الإنسانية بالإدمان، وهو إدمان يشع ما هو مادي فج ولا يسلك سبيلا ثقافيا أو حضاريا.

3- إن من الجوانب الأساسية التي تدفع إلى الارتقاء بالحياة المدرسية و دمقرطة تدبير الإيقاعات المدرسية فيها، هذا التدبير الذي يقتضي تفعيل دور المؤسسة التربوية وتمكينها من هامش الحرية التي يتيح لها التصرف في الاحياز الزمنية بحيث تحقق التفاعل الايجابي مع محيطها المباشر بمكوناتها المختلفة من أباء واسر ومؤسسات اجتماعية وثقافية واقتصادية وهيئات المجتمع المدني مما يقتضي الأمر أن تراعي المناهج إيقاعات التلميذ الجسمية والنفسية والمدرسية و السوسيو ثقافية بحيث تجعل الحصص الأسبوعية والتوزيعات السنوية تستجيب لما تفرضه تلك الإيقاعات من ضرورات تنظيمية مع مراعاة متطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية لمحيط المؤسسة.

ذ: محمد بادرة

مدير ثانوية -الدشيرة – الجهادية

2018-10-30 2018-10-30
المشرف العام