إثنوغرافية اجتماعية… الحمام الروداني نموذجا-ج1

بقلم: علي هرماس

كما هو معلوم، تتوزع أوجه الملكية العقارية بتارودانت بين عدة أصناف، وتصنف المدينة من أهم الحواضر المغربية مند عصر الدولة السعدية القرن العاشر الهجري 16 الميلادي، التي تضم اكبر رصيد عقارات أحباس وقفية متنوع، بين ما له ارتباط بالجانب التجاري كالفنادق والحوانيت والمصريات والأطرزة، وما له ارتباط بجانب الصناعة التحويلية كمعاصر الشمع والسكر والأرحى، وما له علاقة بالميدان الفلاحي كالجنان ونوبات السقي، أخيرا ما له علاقة بالجانب الاجتماعي كالأفران والحمامات التقليدية .

يشكل الحمام التقليدي لوحده عينة فريدة من بين مجموع هذا التراكم التاريخي بتارودانت، لازال يحتاج لمزيد من البحث والدراسة والتحقيق لتحديد وظائفه الاجتماعية وأدواره الدينية وسبل الحفاظ على العينات المتبقية منه، خاصة تلك التي تعطل استغلالها وظيفيا، وتعذر استثمارها ثقافيا. ان الحمام وجد قبل الاسلام بما يربو عن 3000 سنة قبل الميلاد، بدليل وجود خطاطات رسوم حجرية في قلب الأهرام ومآثر الحضارة الفرعونية، وتذكر كتب التاريخ القديم ان الملك الفرعوني رمسيس الثاني اصيبت احدى بناته بعاهة البرص، فاستشار في أمرها كهنة المعبد الذين أجمعوا على أن شفائها وعافيتها يكمن في دورات استحمام بانتظام من اليمّ، فما كان منه الا أن شق مجرى قناة مائية من نهر النيل حتى القصر الفرعوني، وشيّد لها حماما خاصا جوار مُغتسل الكهنة، بقية القصة معلومة بحكم ما أوحى الله لأم موسى عليهما السلام، كما ورد في محكم تنزيل الكلام.(وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي..الآية).

بعد مجيء الاسلام ألحّ على النظافة بمفهومها الشامل، والنظافة الجسدية بشكل خاص لدرجة جعلها “جزء من الايمان”، وان كان استدلال هذا الحديث ضعيف جدا حسب الألباني، فهذا لا يمنعنا من الأخذ بظاهر قوله ومنطوقه، للوصول للحديث المتفق عليه، عن الحسن عن سمرة أنَّ النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم – قال: “مَن توضَّأ للجمعة فبها ونعمتْ، ومَن اغتَسَل فالغسل أفضل”.

هذه السُنّة الشرعية هي التي أطرت الحياة الاجتماعية بشكل عام ولفترة طويلة بتارودانت، تتعطل خلالها يوم الجمعة جميع أسْمُط الحرف اليدوية وبدائع الصنع المعدنية، لفائدة حركية تعرفها صباحا الحمامات الخمسة التقليدية استعدادا لأداء فريضة الجمعة؛ هذا ما جعل منشأة الحمام ضمن منظومة قائمة الأملاك الحُبُسية المختلفة، تتمتع باعتبار اجتماعي خاص يدبر أحيانا بظهائر سلطانية، ما يفسر درجة أهمية الحمام في فترة زمنية خلت، والتأكيد على احترامه، وهو ما نقرأه في مُضَمّن ظهير تولية حمام مجمع الأحباب، محرر عدلي بالحوالة الحبسية لأحباس تارودانت قبل قرن ونيف، يقول نصه:” كتابنا هذا السامي قدره النافد بحول الله نفعه وأمره، يتصرف ويعلم منه اننا بحول من له القوة القاهرة يمّنّا لماسكه ناظر احباس الأعظم الحاج ابريك ابن عبد الفاضل الروداني جميع الحمام الكائن بمجمع الاحباب بردانة المحدود قبلة الطريق ويمينا الطريق النافد لدور بني رُمان وجوفا دار اوبلا التيوتي ودار علي ابن مُح يسارا الطريق الكبيرة بما اشتمل عليه الحمام المذكور من المنافع والمرافق والحرم وكلفة …صحيحا قاطعا حائزا منجزا دون شرط يفسده ولا ثنيا ولا خيار ولا اقالة بثمن مبلغه خمسمائة ريال حزناها منه وابرناه من درك حوزها بغير مطلها على ان يحترم الحمام المذكور بما تحترم به املاك الاحباس المذكور فمن بدل او غير فالله حسيبه وسائله وولي الانتقام منه وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون والسلام حرر بامرنا المعتز بالله تعلى في رابع عشر قعدة الحرام عام ثلاثين وثلاثمائة والف”.

قبل هذا التاريخ بثلاثة قرون، أي نهاية القرن الحادي عشر الهجري، قام الأمير العلوي عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله ببناء حمام بالجهة الجنوبية للجامع العتيق قبالة الصومعة سنة 1085هـ ، وهو ما يفهم من مضمن محرر عدلي آخر من الحوالة الحبسية عبارة عن ظهير مؤرخ في 1129هـ يقول نصه:((الحمد لله، انتهى بناء الحمام الجديد المنشأ في دار الثقة المعروفة للاحباس بداخل المحمدية ردانة حرسها الله بجوار الجامع الاعظم عمره الله بدوام الذكر فيه، يوم الجمعة الاول من شهر رجب من عام تسعة وعشرون ومائة وألف، وخدم يوم السبت غدا تاريخ بنائه، وكان دخوله مند ثلاثة ايام متصلة وبعد يحبس كراؤه للمستقيل على مكتريه الى تمام زمان كرائه، جعله الله مباركا ميمونا مسعودا بالسلامة والعافية في الدين والدنيا والاخرة، فالله يتقبل عمل سيدنا ابي مروان مولانا عبد المالك بن سيدنا امير المؤمنين المؤيد بالنصر والتمكين، الذي ارشد على احيائه، لما في نظره ايده الله من المصلحة والسداد للاحباس والعمارة للمسجد المذكور، وكان هو السبب لذلك ايده الله وكمل الله المراد بحوله وقوته بلغ الله قصده وامله انه على ذاك قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير، وكان مبدؤه على يد الامين الأرضى السيد الحاج احمد بن احمد بن ابراهيم اخضار، ثم من بعده الناظر الطالب احمد بن موسى ثم ختم وتم على يد الناظر المحترم الطالب مسعود بن موسى نفع الله الجميع باجره، فلهم انشاء الله اجر هاذه الحسنة ومن عمل بذاك الى يوم القيامة وهو ملك للأحباس)). ا يفيد أن الحمام المعني شيد فوق ملك أحباس يسمى دار الثقة، كما يفهم من عبارة “…الذي أرشد على احيائه… وكان هو السبب لذلك” أن الحمام تعطل بنائه في مرحلة ما، الى عهد السلطان عبد الملك الذي أكمل الله المراد على يده بإحيائه. ليكون أول مستأجر له الأمين الأرضى الحاج احمد أخضار وهو أحد الميسورين المجاورين للمسجد العتيق/الكبير لازال درب يعرف باسمه – درب أخضار- ما بين رياض الضرضوري شرقا والتيوتي غربا.

نطوي العقود ونلف القرون للوصول الى فترة الاستعمار الفرنسي بالمغرب، حيث راهنت استراتيجية الاحتلال “على كون المغربي ذاك الشخص الذي يجب التركيز على توعيته عوض محاربته، من هنا يمكن كسب وده وربح صداقته”، فكانت حملات التوعية بشروط النظافة تعتبر أهم المرتكزات لضمان الوقاية الصحية ونجاعتها، وتأسست خصيصا وحدات عمل كالفرق الطبية المتنقلة ومجموعات بعثة الراهبات الفرنسيسكان؛ من جهته المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال المتخصص في التشخيص والتحليل الاجتماعي وهو يتحدث عن أهميَّة الجامع في الحضارة الإسلاميَّة يقول :” المركز الحقيقي الذي يُعَدُّ قلب المدينة الخفَّاق هو المسجد الجامع وما يلاصقه في أي مدينة إسلاميَّة لها شيء من الأهمية”، ما يهمنا تحديدا في استنتاج المستشرق قوله: “ما يلاصقه” لذلك نرى أنه من الضروري أن يتخذ المحيط الاجتماعي للمسجد الجامع مِفْتاحًا لكل دراسة تاريخيَّة وخاصة اثنوغرافية، وهي التي تهتم بالدراسة الوصفية لنمط وأسلوب عيش مجتمع من المجتمعات وحياة الشعوب، والواقع أنه من النَّادر أن يصف جغرافِيٌّ عربي مثل ابن عدارى (ت695 هـ) وابن خلدون (ت808 هـ) مدينة اسلامية قديمة، دون أن يبدأ بجملة أخبار عن المسجد الجامع بها وما يدور في محيطه الاجتماعي، ما يعني أن استنتاج المستشرق ليفي هو تكرار لما خلصت اليه النظريات العربية في علم الاجتماع قبله .

اعتمادا على مجموع هذه الاستنتاجات كقاعدة تاريخية وبنيات اجتماعية نراها وجيهة في تحليل شق من الأنساق العمرانية، وهو واقع الحال مند قرون خلت في مدينة تارودانت ، ولربط هذه المدونة بسياقها وموضوع مادتها، نسجل تواجد حمام تقليدي قديم جوار كافة المساجد الجوامع التاريخية بتارودانت، نذكر المسجد الجامع بسيدي وسيدي بقربه حمام كان يحمل نفس التسمية قبل إغلاقه، المسجد الجامع العتيق/الكبير يقابله الحمام الثاني، المسجد الجامع الجديد/ مجمع الأحباب يجاوره الحمام الثالث، أخيرا بساحة أسراك التي كانت تسمى “رْبَعْ الزّاويات” لتواجد أكبر تجمع محلي لمقرات زوايا الطرق الصوفية التي كانت تنافس المساجد في استقطاب المريدين، يوجد حمام أثري فريد في شكل عمارته وطبيعة هندسته يسمى حمام التونسي، هو الذي سنعتمده عينة تقديم ودراسة في هذه المدونة، كما نـتأسف على اندثار ومحو أثر حمام السعديين له تاريخ عريق، وهو الخامس يوجد سابقا بسماط السراجين/الحلايسية، هدمته نظارة الأحباس وحولته الى محلات تجارية ، كما حول أحد نظار الأحباس السابقين المسجد الذي يجاور هذا الحمام الى نزل – مسجد تحول الى أوطيل- يحمل الآن اسم “فندق ورززات”، طبعا هناك وضعيات مشابهة غير التي ذكرنا وحصرناها في خمس عينات، لكن لا يمكن تصنيفها في خانة المآثر لعدة اعتبارات، في مقدمتها معيار التراكم الأزلي الذي تحكمه ضوابط تاريخية.

اذا كانت العقارات الفلاحية تكترى بالسنة، فان الحمامات على غرار الحوانيت تكترى للشهر، واذا كانت الجوامع وعدد من المساجد تتوفر على أوقاف حبّسها أصحابها لتغطية صوائر ونفقات التسيير والاصلاح والترميم، وحصروه في مُضمّن عقد الوقف، أيضا كنس السواقي وتنظيفها لجلب المياه نحو السقايات الثلاث التي تزود المساجد والحمامات على السواء بماء الشرب والتوريد والطهارة والنظافة، فان اصلاحات وترميمات الحمامات وكلما يهم شؤونها، بالرغم من كونها ملكية أحباس، ظل على الدوام وتعاقب الأعوام يقع على عاتق مكتريها.

في بدايتها كانت الحمامات من أجل التزود بماء الاستحمام تُشق لها قنوات لجلب مياه السواقي من السقايات التاريخية القريبة الملاصقة بالمساجد الثلاث: مجمع الأحباب والجامع الكبير وسيدي وسيدي، وقد وقفت على مجرى قناة مائية اثناء اشغال اعادة بناء الجامع الكبير عقب كارثة ماي 2013 مدفونة تحت الأرض بعمق يقارب وقفة رجل معتدل القامة – انظر مدونة الذكرى الثالثة “للنكبة” الرودانية -ج1 /9ماي 2016 ـ كما نجد بمطلع الجزء الرابع من حوالة احباس تارودانت بعض الظهائر السلطانية التي تأطر وتلح على ضرورة تنظيم عملية كنس السواقي من حين لآخر، ورد الاعتبار لها ممن يتجرأ على تحويل مياهها، خاصة تلك التي تسقى منها أفدنة الأحباس ويجلب منها الماء الى سقايات المساجد، طبعا ومنها الى الحمامات المجاورة؛ أما حمام التونسي فيتزود من الماء بنظام الغرف بالناعورة من حفرة عرضها ضوء خطوة ممددة وطولها أضعاف ذلك ثلاثا، هيئت جنباتها بآجور الفخار بسمك غليظ، وطويل بارز، وانخفاض ملحوظ في حزام المحيط نحو الأسفل لتفادي سقوط الأجراف، وهذا نطام تدبير هيدروليكي جد متقدم بالنسبة لزمنه، حيث الماء ينساب تحت الأرض على عمق 3 أمتار فقط، ويجلب بجدب الحبل من “المْعْدة” باسراك – انظر مدونة سبعة رجال بمراكش وسبع سقايات بتارودانت 20ماي2014-.

يتبع في الجزء2

كل زمن وتارودانت بألف خير

2019-03-10 2019-03-10
المشرف العام