حق الاضراب بين القانون والقضاء

بقلم: ذ ميمون خراط

يعتبر الإضراب أحد أهم الآليات التي يستخدمها العمال والموظفون للدفاع عن مصالحهم وغالبا ما يتم تعريفه بكونه « امتناع عمال المنشأة أو فريق منهم عن العمل بطريقة منظمة ولمدة محددة مرتبطة بالمطالبة ببعض حقوقهم.” أو بتعبير آخر هو ” توقف كل أو بعض الموظفين أو العمال عن العمل، بهدف تحسين ظروف العمل والحصول على مزايا أفضل ” أو بقصد مساندة نشاط سياسي أو اجتماعي معين ” .

هكذا يشكل الحق في الإضراب أحد أهم الآليات التي يلجأ إليها الموظفون والمستخدمون للدفاع عن مصالحهم كما يعمل على التأثير في الرأي العام من جهة، والحياة الاقتصادية وأمن الدولة من جهة أخرى، وعلى هذا الأساس نجد معظم الدول تنظر إليه عادة بعدم الارتياح.

وهناك من الدول كسويسرا وألمانيا ما يحظر الإضراب بشكل مطلق ويعتبره عملا غير مشروع . بل كانت معظم الدول الاشتراكية تعتبره نوعا من التخريب لأموال الدولة وتأخيرا لتنفيذ الخطة القومية الشاملة للدولة .

وهناك من الدول ما يبيح الإضراب للعاملين في القطاع الخاص دون موظفي الدولة، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد جاء النص على حق العمال في الإضراب بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك في الاتفاقية رقم 87 الصادرة عن منظمة العمل الدولية والتي ذهبت إلى “أن شروط الإضراب المشروع يجب أن يكون مرتبط بمطالب يمكن تنفيذها وألا يكون من شأنها التقليل من الوسائل المتاحة أمام المنظمات النقابية”.

وذهبت منظمة العمل إلى أنه قد يكون مقبولا فرض التزام على النقابات بإخطار صاحب العمل قبل الدعوة إلى إضراب، وكذلك مما يتفق مع الالتزامات والإجراءات الواردة في الاتفاقية والتي تضمنت فترة (تهدئة) لدرجة تجعل حدوث إضراب شرعي أمرا مستحيلا في الواقع. 

وبالمثل يمكن اعتبار الحصول على نسبة معينة من الأصوات أو الاقتراع السري لاتخاذ قرار الإضراب من الأمور المقبولة. ولكن تحديد نسبة الأغلبية المطلوبة بثلثي الأصوات مثلا قد يكمن أمرا من الصعب تحقيقه، وقد يكون من المقبول حظر الإضراب في بعض الخدمات أو المنشآت الجوهرية ولكن يجب ألا تعامل منشآت الدولة جميعها على أنها منشآت جوهرية.

وقد ذهبت لجنة الحرية النقابية بمنظمة العمل إلى أن الأنشطة التي تبدوا غير جوهرية وبالتالي لا يجوز مصادرة حق عمالها في الإضراب منهم : عمال الموانئ بصفة عامة – إصلاح الطائرات ، وجميع خدمات النقل ، البنوك، الأنشطة الفلاحية، المناجم ، الصناعات المعدنية والبترولية، التعليم ، توريد وتوزيع المواد الغذائية، على أنه يمكن القول أن من الأنشطة الجوهرية التي من الممكن منع الإضراب فيها مثل الخدمات المتعلقة بالإمداد بالمياه وعمال المستشفيات ، واعتبار أيضا أن انسحاب مراقي خدمات الطيران الجوي يعرض حياة عدد كبير من الركاب والملاحين للخطر، الأمر الذي جعل استبعاد هذه الطائفة من مزاولة حق الإضراب لا يمثل انتهاكا لمبادئ الحرية النقابية. 

انطلاقا مما سبق يمكن طرح التساؤل حول ما موقع مشروع القانون التنظيمي الجديد المتعلق بالإضراب من مسألة الإباحة والحظر ؟ وإلى أي حد توفق المشرع المغربي من احترام القاعدة الدولية في هذا الإطار ؟ وكيف كان الحق في الإضراب مؤطر في الوقت السابق ؟ وما هو موقع مقتضيات المشروع الجديد من ضمن القوانين المقارنة ؟

المحور الأول: نبذة تاريخية من الحق في الإضراب في التشريع المغربي 

النقاش القانوني المرتبط بحق الإضراب، يثير الكثير من الجدل والتساؤلات التي ما زالت مستمرة منذ الستينات وإلى الآن، ويعود السبب إلى وجود عدة نصوص قانونية متناقضة في الموضوع، وإصدار القضاء المغربي أحكاما مرتبطة بممارسة حق الإضراب.

ويرجع أصل الجدل حول حق الإضراب في الوظيفة العمومية إلى نص الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بمباشرة الموظفين للحق النقابي والذي جاء فيه ” كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة يمكن المعاقبة عليه علاوة على الضمانات التأديبية ويهم هذا جميع الموظفين “. وقد صدر هذا الظهير قبل وضع دستور 1962 هذا الأخير الذي ينص في فصله 14 على حق الإضراب مضمون، ويشير تأكيد هذا الفصل في الدساتير اللاحقة إلى غاية الدستور الحالي لسنة 2011 . لهذا يؤكد غالبية الملاحظين على الفصل 14 من الدستور الصادر سنة 1962 أنه يلغي مرسوم 5 ماي 1958 الذي حرم ” الإضراب في الوظيفة العمومية”.

إلا أن هناك آراء أخرى وإلى حدود أواسط الثمانينات تعتبر الإضراب في الوظيفة العمومية غير قانوني، وذلك لعدم صدور قانون تنظيمي وهو الشيء الذي لم يتم لحد الآن، وتستند تلك الآراء على تأويل للنص الفرنسي للمادة 14 من الدستور الذي جاء فيها أن حق الإضراب يظل مضمونا، ويعني هذا في نظرهم أنه يبقى مضمونا في القطاع الخاص، كما نجد الحكومة تعتبر دائما الإضراب في الوظيفة العمومية غير مشروع ارتكازا على الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 ونذكر على سبيل المثال منشور الوزير الأول رقم 5-319 بتاريخ 17 أبريل 1979 وكان ذلك بمناسبة إضرابات رجال التعليم والصحة في أبريل 1979 .

ويعرف النقاش القانوني والفقهي انتعاشا عند حدوث كل إضراب من جهة واقتطاع الإدارة من أجور الموظفين أو عزلهم من جهة ثانية بمناسبة الإضراب عن العمل.

ويجب أن نشير إلى أن ممارسة الإضراب في عدة محطات من تاريخ المغرب أدى إلى طرد العديد من الموظفين من الوظيفة العمومية، مثل طرد موظفي وزارة الخارجية المضربين في دجنبر 1961، وعرضت قضايا الطرد من الوظيفة العمومية على المجلس الأعلى منها قضية محمد الحيحي وإدريس نداء، فماذا كان موقف القضاء من هذه القضايا؟.

المحور الثاني: حق الإضراب في الاجتهاد القضائي المغربي.

كان المجلس الأعلى يرتكز على تفسير الفصل 5 من المرسوم 5 فبراير 1958 بشأن مباشرة الموظفين الحق النقابي، وقد صدر على أساس ذلك قرار شهير وهو قرار محمد الحيحي بتاريخ 17 أبريل 1961، وما يثير الجدل في هذا القرار هو ارتكازه على مرسوم 5 فبراير السابق دون أن يأخذ بعين الاعتبار أن هذا المرسوم قد صدر قبل وضع الدستور، وبأن هذا الأخير في الفصل 14 منه يؤكد على أن حق الإضراب مضمون.

وبمناسبة إضراب 20 يونيو 1981 واصل المجلس الأعلى تأكيد اجتهاده الوارد في قرار محمد الحيحي ، وبنفس الحجج، وذلك في قراره الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 25 مايو 1984 في قضية إدريس نداء ضد وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، حول عزله بتاريخ 23 دجنبر 1981 من غير توقيف حق التقاعد ابتداء من اليوم الموالي لتاريخ تبليغ القرار.

وفي تعليقه على هذين القرارين، يرى الأستاذ عبد القادر باينة ، أنه لا يمكن أن يعتبر الإضراب بصفة عامة غير شرعي ومحرم في الوظيفة العمومية، وكل قرار يعتبر غير ذلك فهو غير شرعي ومخالف للدستور ويرى كذلك أن ظهير 24 فبراير 1958 لم يمنع ممارسة هذا الحق ولكن بالفعل اعتبره محرما على مجموعة من فئات الموظفين الذين تمنع أنظمتهم الاساسية بصراحة حق الاضراب ويبقى الاضراب مشروعا لباقي الموظفين.

حيث أنه بالرجوع للأحكام المرتبطة بممارسة حق الاضراب الصادرة من طرف المحاكم الادارية المغربية فان الاجتهاد القضائي المغربي استقر على اعتبار الاضراب حقا مشروعا إلا أن ممارسته تخضع لبعض الشروط القانونية تتمثل في عدم الاخلال بالسير المنتظم للمرفق العمومي، لذا فان الاضراب المفاجئ أو المباغث والطارئ يعتبر غير مشروع كما أنه يجب أن يكون بهدف تحقيق مكاسب مهنية وليس ذا أبعاد سياسية ومن الاحكام الصادرة من طرف القضاء الاداري في السنوات الاخيرة: 

الحكم الاول صادر عن ادارية مكناس تحت عدد 36/01 بتاريخ 12 يوليوز 2002 قضى بالغاء القرار الصادر عن وزير التربية الوطنية القاضي باتخاذ عقوبة الانذار في مواجهة الطاعن معللا حكمه كما يلي “الاضراب حق دستوري أكدته جميع الدساتير المتعاقبة وعدم صدور تشريع تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الاضراب لا يعني اطلاق هذا الحق بلا قيود بل لا بد من ممارسته في اطار ضوابط تمنع من اساءة استعماله وتضمن انسجامه مع مقتضيات النظام العام والسير العادي للمرافق العمومية على نحو لا يمس سيرها المنتظم بشكل مؤثر كما أن عدم ثبوت أن الاضراب الذي خاضه الطاعن فيه خروج عن الضوابط المذكورة (الاخلال بسير المرفق العام…) لذلك لا يمكن اعتباره تقصيرا في الواجب المهني وبالتالي تكون عقوبة الانذار المؤسسة على هذه الواقعة لاغية”.

الحكم الثاني: صادر عن ادارية الرباط بتاريخ 7/2/2006 في الملف عدد 05/107 قضت فيه برفض طلب تقدم به أحد المضربين يطعن بواسطته في القرار القاضي باقتطاع من أجرته عن التغيب المبرر موضحة في حيثيات الحكم “ان حق الاضراب حق أصيل مكفول دستوريا وغياب النص التنظيمي ووجود فراغ تشريعي بخصوص تنظيم هذا الحق يعطي القضاء الاداري استنادا الى دوره الانشائي امكانية خلق ضوابط كفيلة بتأمين ممارسته بشكل يضمن الحفاظ على سير المرافق العامة بانتظام وباضطراد” وأضافت المحكمة ” أن ثبوت عدم التزام الجهة المضربة بالضوابط المقررة لممارسة هذا الحق أدى الى عرقلت سير المرفق العام ولجوء الادارة الى تطبيق مقتضيات المرسوم الصادر بتاريخ 10 ماي 2005 باعتبار أن الاجر يؤدى مقابل العمل يجعل قرار الاقتطاع من الراتب قرارا مشروعا ”

يتضح اذن مما سبق أن القضاء المغربي حاول في كل حالة من حالات الاضراب وضع قواعد وذلك في غياب النص التنظيمي المؤطر لذلك مع العلم بأن حالات لجوء المضربين للقضاء كانت جد نادرة وهذا راجع بالأساس الى الى تردد الادارة بدورها من اتخاذ اجراءات تأديبية في حق المضربين نظرا لعدم وجود ما تستند عليها من نصوص واضحة في هذا المجال، ولتجاوز هذا الفراغ جاء مشروع القانون التنظيمي للاضراب، فالى أي حد حاول أن يتجاوز هذا الفراغ؟

المحور الثالث: الحق في الاضراب وفق مقتضيات مشروع القانون التنظيمي

لقد عرف مشروع القانون التنظيمي الاضراب بكونه ” هو توقف جماعي ومدبر عن الشغل من أجل الدفاع عن مطالب مهنية.” (المادة 2) كما أقر كذلك بممارسة حق الاضراب في المقاولات والمؤسسات والأنشطة الخاضعة للقانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل والمقاولات المنجمية والعمل البحري والوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية ومن طرف المشتغلين لحسابهم الخاص(المادة 8).

إلا أن ما يثير الملاحظة هو اشتراط المشرع في مشروع القانون  عدم اللجوء إلى الإضراب إلا بعد فشل المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، وفي حالة تعذر إجراء هذه المفاوضات لسبب من الأسباب يحق لكل طرف اتخاذ قرار الإضراب أنذاك طبقا للتدابير والمساطر المتضمنة في القانون التنظيمي (المادة 9)

وهنا يطرح التساؤل عن من هي الجهة المخول لها الحكم على فشل المفاوضات؟ هل الادارة والمشغل أم العمال والموظفين خاصة اذا علمنا بأن جل المفاوضات تنتهي باختلاف الرؤى حول تقييمها من داخل الهيئات النقابية نفسها فما بال الادارة والمشغل الذي سيضل دائما يتشبث بعدم فشل المفاوضات وبضرورة الاستمرار فيها وبالتالي الربح المزيد من الوقت على حساب مطالب الشغيلة.

كما يلاحظ على هذا المشروع فيما يتعلق بشروط وإجراءات ممارسة حق الاضراب أن هذا الأخير مرتبط قرار شنه على مستوى المقاولة أو المؤسسة من لدن النقابات الأكثر تمثيلا أو المكاتب النقابية أو من طرف لجنة الإضراب في حالة عدم وجود تمثيلية نقابية.

كما يتخذ قرار شن الإضراب على الصعيد القطاعي والوطني من لدن النقابات الأكثر تمثيلا والتي تستوفي الشروط المنصوص عليها في مقتضيات المادة 425 من قانون 65.99 بمثابة مدونة للشغل.

وأيضا يتخذ قرار شن الإضراب على مستوى العمالة أو الإقليم أو الجماعة المحلية أو المرفق العمومي أو المؤسسة العمومية ذات الطابع الإداري من طرف المكاتب النقابية للمنظمات النقابية الأكثر تمثيلية.(المادة 17)

وهو ما شكل تراجعا عن بعض المكتسبات والتي كانت تسمح لأي اطار نقابي مهما كانت تمثيليته الدعوة الى خوض الاضراب وغاية المشرع من هذا المقتضى يبقى نبيلا ما دام سيدفع الى عقلنة المشهد النقابي والحد من التشتت الذي لا يخدم مصلحة الموضف والأجير. 

ومن الملاحظات التي تم الاختلاف بشأنها بين الفرقاء هو ما يتعلق بمسألة الاخطار اذ يتعين قبل شن الإضراب تمكين المشغل أو من ينوب عنه بالقطاع الخاص أو رؤساء الإدارات العمومية والشبه عمومية أو الجماعات المحلية من مهلة إخطار لا تقل عن 10 أيام كاملة.

تحدد مهلة الإخطار في 48 ساعة في حالة عدم أداء الأجور في وقتها المحدد أو وجود خطر حال يهدد صحة وسلامة الأجراء.

يبدأ سريان مهلة الإخطار المشار إليها في الفقرة السابقة من اليوم الموالي لتاريخ تبليغ قرار الإضراب إلى المشغل أو من ينوب عنه أو رؤساء الإدارات المعنية.

وهنا اختلفت النقابات الى منددة بهذا النص من جهة والداعية الى جعل مدة الاخطار في يومين فقط، من جهتنا نرى خفض مدة الاخطار الى 5 أيام سيكون كافيا للمشغل والإدارة لإعمال الاحتياطات اللازمة، وعليه تبقى مسألة مراجعة هذه المدة ضرورة ملحة.

ومن المستجدات التي أتى بها مشروع القانون التنظيمي ما يتعلق بلجنة الإضراب المشار إليها في المواد 7 و17 و 21 والتي تنشأ من لدن الجمع العام للأجراء الذي يقرر الإضراب، ويتراوح عدد أعضائها مابين 3 و 6 أعضاء ينتخبهم الجمع العام للأجراء والذين يتولون تأطير وتدبير مختلف مراحل الإضراب واتخاذ الإجراءات القانونية المنصوص عليها في القانون.

يتخذ قرار الإضراب في حالة الدعوة له من لدن لجنة الاضراب بنسبة 35 % على الأقل من مجموع أجراء المقاولة أوالمؤسسة المعنية (المادة 22).

كم تم حصر لائحة من الموظفين الذي يمنع عليهم الحق في الاضراب وهم:

جنود القوات المسلحة الملكية ورجال الدرك الملكي؛

رجال الأمن الوطني والقوات المساعدة؛ 

رجال السلطة ومتصرفو وزارة الداخلية؛ 

القضاة وقضاة المحاكم المالية؛

أعوان السلطة العمومية؛ 

موظفو وأعوان إدارة الجمارك؛ 

موظفو وأعوان إدارة السجون وإعادة الإدماج؛ 

موظفو وأعوان الهيئة الوطنية للوقاية المدنية؛ 

موظفو وأعوان المياه والغابات.

كما يمنع ممارسة حق الإضراب في المرافق الحيوية التي يؤدي الانقطاع فيها عن الشغل إلى المخاطرة بحياة أو أمن أو صحة كل أو بعض الأشخاص(المادة41).

كم مكن مشروع القانون رئيس الحكومة، أن يأمر بوقف الإضراب أو بمنعه في قطاع ما بموجب قرار معلل في الحالات التالية:

– حدوث أزمة وطنية حادة؛

– كوارث طبيعي؛.

– حالة حرب.(المادة43)

المحور الرابع: حق الاضراب في التجربتين الفرنسية والمصرية في التجربة الفرنسية

كان الاضراب في فرنسا حتى عام 1946 يعد عملا غير مشروع ويشكل خطأ تأديبيا يسمح للإدارة بفصل الموظف المضرب، كما اعتبر القضاء الفرنسي الاضراب خطأ ذا طابع خاص يسمح للإدارة بفصل الموظف دون حاجة الى اتباع الاجراءات التأديبية، واستند مجلس الدولة في البداية لتبرير قضائه هذا الى فكرة أنه بالإضراب ينهي الموظف عقد الوظيفة العامة، ومنذ عام 1937 برر قضاءه بأنه بالإضراب يضع الموظف نفسه خارج دائرة تطبيق القوانين واللوائح التي تقررت لضمان ممارسته لحقوقه من قبل السلطة العامة.

وفضلا عما سبق فان الادارة يمكنها أن تفض الاضراب غير المشروع دون حاجة الى حضره مسبقا، ولها لكي تمنع الاضراب أن تكلف الموظفين المضربين دون أن ينسب اليها الانحراف بالسلطة، بل لها أن تجندهم في الحالات التي يسمح لها القانون بذلك.

ومنذ عام 1946 خضع الاضراب الى قواعد قانونية وقضائية جديدة  أما عن القواعد القانونية فقد نصت مقدمة دستور 1946 على أن ” حق الاضراب يمارس في اطار القوانين التي تنظمه” وفي ضوء هذا النص انتهى مجلس الدولة الى أن هذا النص يقر فقط حق الاضراب، لكن حدوده ونطاقه يرسمها القضاء. 

كما صدرت منذ 1946 عدة قوانين تحظر الاضراب على بعض فئات الموظفين وإلا أمكن مجازاتهم دون التزام بالضمانات التأديبية، من هذه الفئات: رجال الشرطة ، موظفو ادارة السجون ، القضاء، بعض العاملين بالملاحة الجوية، العسكريون. 

كذلك صدر قانون في 31 يوليوز 1963 مقررا ضرورة الاخطار بالإضراب مسبقا، فعلى النقابة أن تبلغ السلطة الرئاسية أو الادارة المختصة بالإخطار قبل خمسة أيام من التاريخ المحدد للإضراب ويجب أن يتضمن الاخطار أسباب الاضراب ومكانه وتاريخه وساعة بدئه كما حظر القانون المذكور الاضرابات بالتوالي، أي قطاعا بعد قطاع في المرفق الواحد لأن هذا يعوق العمل في المرفق مدة طويلة.

ويترتب على عدم مراعاة أحكام القانون سالف الذكر تخويل الادارة الحق في توقيع الجزاءات التأديببية على المضربين متخففة في ذلك من كثير من اجراءات التأديب العادية اللهم اذا كان الجزاء هو الفصل أو خفض الدرجة فلا يمكن اتخاذهما إلا بإتباع الاجراءات التأديبية العادية ولا يجوز الجمع بين الفصل وبين الحرمان من المعاش.

وإذا كانت القواعد القانونية سالفة الذكر غير كافية لتحديد مضمون حق الاضراب والقيود التي ترد عليه، فان مجلس الدولة قام بهذا الدور في حكم DEHAENE وأحكام لاحقة به، فقد قام هذا الحكم الأخير على أنه “وان كان حق الاضراب معترف به منذ عام 1946 إلا أن هذا الحق يمكن أن ترد عليه القيود بسبب مقتضيات سير المرافق العامة”.  واذا كان الدستور يوكل الى المشرع نفسه فرض هذه القيود فان حكم Dehaene ذهب الى أنه “في غياب التنظيم التشريعي المتكامل لهذا الحق يكون من اختصاص الحكومة المسؤولة عن سير المرافق العامة أن تحدد بنفسها طبيعة ونطاق القيود التي ترد على هذا الحق، وذلك تحت رقابة القاضي بقصد تجنب التعسف في استعماله أو استعماله بشكل يتعارض مع مقتضيات النظام العام” وهكذا فان مجلس الدولة اعترف للسلطة التنفيذية مع المشرع بالحق في تقييد حق الاضراب كما اعترف في ذات الوقت للقاضي بالحق في رقابة ما اذا كانت القيود التي تضعها السلطة التنفيذية تبررها حماية النظام العام أم لا.

والقيود التي تفرضها السلطة التنفيذية على حق الاضراب يمكن أن تصدر عن الحكومة بمقتضى سلطتها اللائحية كما يمكن أن تنتظمها منشورات تصدر من الوزراء أو حتى من رؤساء المرافق.

والإضراب المشروع هو الاضراب المقصود به الدفاع عن المصالح المهنية للموظفين كما ذهب حكم Dehaene. ويصير غير مشروع اذا كان يستهدف أغراضا سياسية.

ومجلس الدولة الفرنسي في سعيه للتوفيق بين ممارسة حق الاضراب وضرورة حماية النظام العام يقر بمشروعية القيود التي تضعها الادارة لحظر ممارسة شاغلي وظائف معينة لحق الاضراب بالنظر الى طبيعة مهام هذه الوظائف ولزومها للمحافظة على النظام العام وفي نفس الوقت يباشر رقابته لتتحقق من أن هذه القيود تتطلبها بالفعل المحافظة على النظام العام وذلك سواء من حيث طبيعة مهام الوظائف المعنية ومدى تعلقها بالنظام العام أو من حيث نطاق الحظر الذي قررته الادارة ومدى اقتصاره فقط على الموظفين الذين يلزم وجودهم للقيام بمهام هذه الوظائف.

وفضلا عما خوله حكم Dehaene للسلطات العامة من مكنات فان هذا لا يشكل الوسيلة الوحيدة التي تملكها هذه السلطات لتقيد من حق الاضراب ذلك أن القوانين خولت الحكومة الحق في فض الاضراب في المرافق العامة عن طريق تكليف الموظفين المضربين، فلها عند اندلاع اضرابات تهدد بصورة خطيرة سير المرفق وإشباع الحاجات العامة للجمهور أن تلجأ الى هذه الوسيلة.

وإذا كان معترفا للموظف بحق الاضراب فان ذلك لا يعفيه أثناء ممارسته هذا الحق من وجوب التزامه بواجب التحفظ المفروض على كل موظف وإلا جاز مساءلته تأديبيا مع عدم الاخلال بالضمانات التأديبية المقررة له.

كما أن اضراب الموظف يحرمه من الأجر وفقا لمبدأ الأجر مقابل العمل فللإدارة أن تخصم من راتبه المدة التي شارك فيها في الاضراب دون أن يكون لهذا الخصم طبيعة الجزاء.

في التجربة المصرية

لم يكن الاضراب معاقبا عليه جنائيا في مصر حتى عام 1923 وكان يكتفي بتوقيع العقوبات التأديبية على الموظفين الذين يقومون بالإضراب إلا أنه بإصدار المشرع المصري للقانون رقم 37 لسنة 1923 جرم هذا الفعل الذي تلاه مجموعة من القوانين أكدت على تجريم الاضراب، منها قانون العقوبات الصادر عام 1937 والقانون رقم 116 الصادر سنة 1946 والقانون رقم 24 الصادر سنة 1951، وهكذا ينص الفصل 124 من قانون العقوبات على أنه” اذا ترك ثلاثة على الأقل من الموظفين أو المستخدمين العموميين عملهم ولو في صورة الاستقالة أو امتنعوا عمدا عن تأدية واجب من واجبات وظيفتهم متفقين على ذلك أو مبتغين منه تحقيق غرض مشترك عوقب كل منهم بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تجاوز سنة وبغرامة لا تزيد على مئة جنيه. ويضاعف الحد الأقصى لهذه العقوبة اذا كان الترك أو الامتناع من شأنه أن يجعل الناس أو صحتهم أو أمنهم في خطر أو كان من شأنه أن يحدث اضطرابا أو فتنة بين الناس أو اذا أضر بمصلحة عامة”

ويلاحظ ان المشرع المصري تشدد كثيرا في مواجهة الاضراب وآية ذلك أنه جعل من توقف موظف واحد عن العمل جريمة، إلا انه بالرغم من ذلك فقد وافقت السلطات المصرية على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1981، هذا الاخير الذي تكفل بضمان الحق في الاضراب. 

وقد أكد الدستور المصري في مجال قيمة الاتفاقيات الدولية في المادة 151 منه على أن ” رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات ويبلغها مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان وتكون لها قوة القانون بعد ابرامها والتصديق عليها ونشرها…”

وبالرغم مما سبق فالقضاء المصري لم يعمل على حماية هذا الحق فقد ساير في أحكامه موقف المشرع في العديد من القضايا التي عرضت عليه.

قد تظهر لنا المقارنة المعتمدة مع هذين النظامين القانونين الفرنسي والمصري بأن المغرب تقدم بشكل كبير وخاصة مع فرنسا الا أن هذا غير صحيح من جهة أن الموظف والمستخدم في فرنسا لديه من الحقوق ما تعفيه من الاضراب ومن جهة ثانية لديه من الطرق والوسائل ما تمكنه من ايصال مطالبه من دون اللجوء للإضراب، أضف الى ذلك للحكومة والمشغلين حس المسؤولية التي تجعلهم يستبقون الأحداث قبل اقدام النقابات على الإضراب علاوة على التدبير التشاركي الذي يطبع أطراف العلاقة الشغلية.

على سبيل الختم

على اعتبار بكون حق الاضراب من بين أهم الحقوق في يد الموظف والمستخدم والعامل للدفاع عن مصالحه المادية والمعنوية وباعتباره منصوص عليه في المواثيق الدولية من جهة وفي منطوق الفصل 29 من دستور 2011 (الفصل 14 من الدساتير السابقة) من جهة ثانية، وعليه يتعين على المشرع المغربي استحضار روح هذه النصوص والحقوق المكتسبة اثناء وضع اللمسات الأخيرة على مشروع القانون التنظيمي بشكل لا يدفع معه الى التراجع، لأن حقوق الطبقة العاملة كل لا يتجزأ.

2019-03-14 2019-03-14
المشرف العام