جماليات التشبيه في القرآن الكريم

مرام سعيد أبو عشيبة*

إن كلام الله تشتاق الأذن دائماً إلى سماعه، وينفطر القلب عند تلاوته، فيعجز اللسان عن وصفه، فالسورة القرآنية أشبه ببستان مليء بالأزهار والأشجار مختلفة الألوان والأشكال تبث في نفس القارئ من التشويق والإمتاع مما يجعله ينظر إلى السورة بأنها وحدة واحدة متماسكة الأجزاء بما في آياتها وحروفها وكلماتها وبيانها من جماليات تضفي رونقاً ، ومنها جمال التشبيه في القرآن الكريم وضرب المثل ،ثم إن الناظر في كتاب الله يلاحظ وجود الأمثال والتشبيهات بكثرة ، فلهما فوائد وأهمية كما يقول الزمخشري في تفسيره الكشاف عن حقائق التنزيل قائلاً: “ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبيّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله”.

وإن من أسلوب القرآن الكريم أن يرسم لنا صوراً تحرك الوجدان والشعور مما يزيد من تفاعل النفوس معها بصورة مشاهدة وأحداث حية فيها من الحياة والحركة كأنها مشاهدة على مرآى من العين ، ومن هنا وقع النظر على التشبيه في قوله تعالى : {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ }(الرعد: آية 14).

إن التشبيه المذكور في الآية متناسب متناسق مع سياق آيات السورة، فالآية تشبه حال الكافرين الذين يدعون آلهتهم وعدم استجابتهم لهم بحال العطشان الذي يفتح فمه باسطاً يديه إلى الماء فلا يستطيع الوصول إليه.

يقول سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن:” إنها دعوة الله والتوجه إليه والاعتماد عليه وطلب عونه ورحمته وهداه، وما عداها باطل وما عداها ضائع وما عداها هباء.. ألا ترون حال الداعين لغيره من الشركاء؟ انظروا هذا واحد منهم، ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه، وفمه مفتوح يلهث بالدعاء يطلب الماء ليبلغ فاه فلا يبلغه وما هو ببالغه بعد الجهد واللهفة والعناء وكذلك دعاء الكافرين بالله الواحد حين يدعون الشركاء:«وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ»

ويقول أبو السعود في تفسيره إرشاد العقل السليم:” شبه حال المشركين في عدم حصولهم في دعاء آلهتهم على شيء أصلا وركاكة رأيهم في ذلك بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصوله إلى فيه”.

فالتشبيه في القرآن الكريم بحاره عميقة فيها كنوز وفيرة فكل تشبيه له خصائصه وميزاته وهدفه الذي سيق من أجله فهناك سور انفردت بذكر تشبيه وأخرى بعدة تشبيهات وهكذا، فالتشبيهات مبثوثة في سور القرآن الكريم المنسجمة مع سياق ومحور السورة التي سيق فيها التشبيه ولا ننسى مجيء التشبيه وضرب المثل في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنها ما جاء في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر». والله أعلم

* ماجستير في تفسير القرآن الكريم، كاتبة ومؤلفة أردنية

2019-03-14 2019-03-14
المشرف العام