الجهوية المجني عليها

الكاتب: رشيد غفران

تعتبر الجهوية من أهم الخيارات الإستراتيجية، التي بموجبها يحدث نوع من التوازن التنموي والإقتصادي بين الجهات المشكلة للدولة، كما يعد خيار الجهوية، من أهم الأوراش لتحفيز التنمية المحلية، وتشجيعها، بإعتبارها رافعة للتنمية على المستوى الوطني، وقد تبنت كثير من الدول في العالم، سياسة الجهوية لتخفيف الضغط على الدولة المركزية من جهة، وكذلك كبديل ملائم للنهوض بالتنمية المحلية، وترسيخ للديمقراطية.

كانت إيطاليا من الدول الأوروبية التي أقرت سياسة الجهوية في دستور 1948، وأيضا ألمانيا التي تبنتها منذ سنة 1949بعد أن أقرت في دستورها الصادر أنذاك، عن وجود جهات إدارية وإقتصادية، تتكامل في أهداف وآليات العمل مع النسق الفيدرالي المطبق، والذي بموجبه تم منح الأقاليم والجهات صلاحيات واسعة، كما تبنت إسبانيا ذات الخيار أيضا، بعد أن أقرت في دستور 1978 على الجهوية، فرنسا التي تعد النموذج الأمثل للنظام المغربي في كل شيء، عرفت كذلك تبنيها لسياسة الجهوية منذ سنة 1982، وتعززت بإصلاحات 2010التي منحت صلاحيات واسعة للجهات، لتشمل مجال التعليم والصحة، بعد إن إقتصرت صلاحيتها على الجانب الإداري قبل ذلك.

في المغرب عرف موضوع الجهوية إهتماما واسعا من طرف الرأي العام، وكذلك مختلف الفاعلين السياسيين والإقتصاديين، حيث إحتلت الجهوية حيزا كبيرا في تفكير النظام السياسي، وكافة القوى السياسية والإقتصادية، ومختلف الهيئات على الصعيدين المركزي والجهوي. وقد برزت الجهوية في المغرب منذ أمد بعيد، حيث عرف المغرب منذ عهد الحماية، وحتى بعد الإستقلال، عدة تقسيمات لمناطق المغرب إلى جهات وأقاليم، وقد إتخذ مفهوم الجهوية في المغرب مسارا طويلا ومتدرجا، بلغ مراحله الأكثر أهمية بعد تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم، حيث أعطى أهمية خاصة لتأسيس وإعتماد نموذج جهوي أكثر تقدما وتطورا، يساهم في التنمية وتدبير مصالح المواطنين بشكل فعال.

وقد ترجم الفاعل السياسي في المغرب، إرادته الإرتقاء بورش الجهوية، بدستور 2011 الذي منح للجهة مكانة هامة بين بنوده، وإرتقى بالجهة إلى مراحل أكثر تقدما، مقارنة بوضعها السابق، وإعتبر ورش الجهوية من ابرز الدعامات الأساسية في مسلسل الإصلاح السياسي الذي إنخرط فيه.

كان الهدف من تبني خيار الجهوية، هو تحقيق تنمية جهوية شاملة، ومتوازنة لجميع مناطق وجهات المملكة، وكذلك للحد من الفوارق الجهوية من جهة، وتكريس العدالة المجالية بين الجهات في المغرب من جهة أخرى، فهل حقا تحققت هذه الأهداف على أرض الواقع؟ أم أن ورش الجهوية بمفهومه الجديد مجرد فصول وبنود في دستور 2011؟

ما هو ملاحظ اليوم رغم كل الإشارات التي قدمها النظام السياسي المغربي على عزمه على تطوير ورش الجهوية، وجعله آلية من آليات ترسيخ الديمقراطية، و رافعة للتنمية المحلية، هو أن مغرب اليوم لم ينجح في بلورة ورش الجهوية بشكل صحيح، ولم يترجم ما جاء في دستور 2011 على أرض الواقع، خاصة أن ظاهرة الفوارق والتفاوتات، بين الجهات المشكلة للمملكة ما زالت قائمة، حيث أن هناك جهات قائمة بذاتها تتوفر فيها كل المقومات الأساسية، والحاجات الضرورية، من بنيات تحثية ومختلف التجهيزات، تمكنها من الإستقلالية والإستمرار، هذه الجهات تحظى بنصيب أكبر من الإهتمام، وحصة الأسد من الإستثمارات الحقيقية، بينما في المقابل هناك جهات، لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط الإستقلالية، تعاني من الفقر والهشاشة وإنعدام التجهيزات الضرورية، رغم أنها تزخر بثروات هائلة تكفي لسد حاجياتها في كل المجالات، و تتوفر على كل مقومات النهوض الإقتصادي، يكفي أن نعرف مثلا أن جهتي سوس ماسة، ودرعة تافيلالت، تحتويان على أكبر عدد من مناجم الذهب والفضة، وغيرها من المعادن الثمينة، وفي المقابل لا تتوفر على بنيات تحثية، تضاهي تلك التي تتوفر عليها جهة الدار البيضاء سطات على سبيل المثال، إضافة إلى غياب مشاريع وإستثمارات حقيقية في كل من الجهتين، بالحجم الذي يمكن أن يقلص معدلات البطالة، وينتشل أبناء تلك الجهات من براثينها، مقارنة بنسبة الإستثمارات التي تحظى بها جهات أخرى، يكفي أن نعلم أن أغلب شباب سوس ودرعة وتافيلالت مثلا يجبرون على الهجرة، و ترك جهتهم وأهلهم وذويهم، بحثا عن فرص شغل في جهات أخرى، وقس على ذلك مجالات أخرى، كالصحة والتعليم وغيرها.

عاد موضوع الجهوية ليطفوا على السطح مرة أخرى، ولكن هذه المرة كذريعة، ووسيلة لتمرير قرارات وسياسات، تقول الحكومة أن تمريرها تكريس وتفعيل لمبدأ الجهوية.

وظفت الحكومة ورقة الجهوية هذه المرة، لتمرير قانون التعاقد في التعليم، بعدما قرر الأساتذة المتعاقدين إسقاطه، وخاضوا ضده إضرابا عن العمل لا زال مستمرا، شلوا به المدارس العمومية، كما نظموا مسيرات، وإعتصامات، في العاصمة الرباط ويهددون بالتصعيد، في حالة لم تستجيب الوزارة لمطلبهم، وحقهم في الإدماج داخل أسلاك الوظيفة العمومية مناصفة مع زملائهم الأساتذة المرسمين.

أمام تصعيد الأساتذة المتعاقدين، وبدل الإستجابة لمطالبهم، إبتكرت الحكومة شعارا جديدا سمته التوظيف الجهوي، تروج له في مختلف المنابر الإعلامية، بل سمته خيارا إستراتيجا لها لا رجعة فيه، وكأن الحكومة تحاول أن تقول أن كل من لا يقبل بهذا الخيار فهو يعارض بذلك خيار الجهوية الذي أقره المغرب في دستور 2011.

كنا سنصدق الحكومة ورئيسها، بجدية خيار التوظيف الجهوي الذي يروجون له، لو لم يكن مجرد وسيلة وخدعة، لفرض التعاقد وتمريره من جهة، ومن جهة أخرى لو تم تفعيل ورش الجهوية بشكله الصحيح، وتصحيح الإختلالات والنقائص التي شابت تجربة النموذج المنصوص عليها في دستور 2011، والعمل على الإرتقاء بها إلى وضع متقدم، وضع يجعلنا نطمئن على أن كل الجهات المغربية دون إستثناء، قادرة على تدبير شؤونها ومواردها، مستقلة بثرواتها وخيراتها، قادرة على تبني خيار التوظيف والتشغيل في كل المجالات والقطاعات، قادرة على توفير سبل العيش الكريم لأبنائها وبناتها، وضمان الإستقرار النفسي والإقتصادي لهم.

2019-04-11 2019-04-11
المشرف العام