الإنسان بين سلبيات الغفلة وإيجابيات المحاسبة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي حكم بالفناء على هذه الدار، وأخبرنا أن الآخرة هي دار القرار…**و تتعاقب الأيام والشهور والأعوام ، وأغلب الناس في غفلة من أمرهم وعن طي سجلات أعمالهم ونقصان أعمارهم واقتراب ءاجالهم…إن الناس في سفر، يمر بهم فيه قطار الحياة بمحطات ليتزودوا أو يتذكروا : محطة شيء من الخوف ، ومحطة شيء من الجوع ، ومحطة نقص من الأموال أو الأنفس والثمرات {ولنبلونكم…وبشر الصابرين }…ومحطة الوصول النهائي بانتهاء الأجل { وإذا جاء أجلهم لا يستاخرون ولا يستقدمون } فهل من مفر؟؟؟ …قد يفكر البعض في الفرار من الموت ، لكن الخالق يؤكد حقيقة أبدية بقوله: { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون } .الجمعة :8/

ـ ومن لم يمت بالسيف مات بغيره*** تعددت الأسباب والموت واحد

ــ فهنيئا لمن تزود لسفره { وإن خير الزاد التقوى } ، والعاقل البصير الذي يستعد ليوم الميعاد ، فيجعل من محطات سفره فرصة للمحاسبة والمراجعة . ومن مجامع الخير وعلاماته أن يحاسب المرء نفسه ، ويزجرها عن الغفلة والتمادي في نسيان الغاية التي من أجلها خلق { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ومن علامات السير نحو الهلاك ، موافقة النفس في هواها ، وقد خاب من دساها…ويوجه سيدنا عمر [ض] نداء فيقول : < حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا > واعلموا أيها المومنون/ت أن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه . ومن أراد أن يثقل موازينه بالخير يوم القيامة ، فليحاسب نفسه في هذه الدنيا !

أيها المسلمون/ت…تذكروا وأنتم تودعون فترة من العمر أن نجاتكم في محاسبة النفوس ومراقبتها ، وقد أفلح من زكاها ، فهل أدينا ما وجب ؟ هل عالجنا عيوبنا ونسينا عيوب غيرنا ؟ هل أدينا ما علينا من حقوق دون من ولا أذى ؟ هل أتينا كل ذي حق حقه : حق النفس ، وحق الأهل والغير ، وحق الله ؟ ـ إن المتقين لايقيسون أعمارهم بالزمن أي بعدد الشهور والسنين ، وإنما يقيسونها بالعمل الصالح ، ولذلك تراهم يسارعون في الخيرات و يتنافسون على أبواب البر متى أتيح لهم ذلك…منفذين أمر الله تعالى الذي يقول :{ سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير!) وبين أساس التفاضل بين الناس قائلا : ( خيركم من طال عمره وحسن عمله ) واعلموا رحمكم الله أن لا عذر ينفع لمن توفرت له أسباب فعل الخيرات ثم تقاعس ولم يفعل ، وأن الدنيا لا تبقى بأهلها عل حالها ، فهي إما أمان كاذبة أو بلاء نازل أو آمال باطلة … جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وهي بمثابة ظل زائل ، أو أحلام نائم ، وصدق من قال : الناس نيام إذا ماتوا استيقظوا ـ وهاهو أحد العارفين بقيمتها علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل يمثُل في محرابه ، ويقبض عل لحيته ، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين ويقول : < يا دنيا أبي تعرضت أم إلي تشوقت ؟ هيهات هيهات ! غري غيري، قد أبنتك [ طلقتك] ثلاثا لا رجعة لي فيك ،فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ! > فليهنأ من لم تشغله الفانية عن الباقية ، والله تعال يؤكد بقوله لخير خلقه صلى الله عليه وسلم: { وللآخرة خير لك من الأولى ، ولسوف يعطيك ربك فترضى } ولنا جميعا يقول عز وجل : {والآخرة خير وأبقى} وكم من راحل تمنى العودة للعمل فلا أمل !

· وللتذكير ـ فإننا مقبلون على أيام شهر رمضان وهي أيام مليئة بالدروس والعبر والآيات،يشترك فيها المعافون ، المقيمون بتفاوت اجتهاداتهم . فلا تفوتكم أيها المومنون هذه الأوقات ، واعلموا أن كل يوم جديد من العمر ينادي ويقول : [ يا ابن ءادم ! إنما أنت أيام ، كلما مضى منك يوم مضى بعضك، يا ابن ءادم ! أنا يوم جديد ، وأنا عليك شهيد ، فقل في خيرا أو افعل في خيرا أشهد لك به يوم القيامة، فإنك لن تراني بعد أبدا …] فهل نتدبر ونتفكر، ونحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب ؟ أم أن الغفلة عن أمر الآخرة أجدر؟ من العاقل ؟ المحسب لنفسه أم الغافل ؟ـ يجيبنا رسول الله صلىى الله عليه وسلم : (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ….)

ــ اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه …

الحسين أشقرا ـ مسجد المتوكل

2019-05-03 2019-05-03
المشرف العام