إثنوغرافية اجتماعية..الحمام الروداني نموذجا-ج3

بقلم الكاتب والباحث علي هرماس

الجزء الثالث والأخير من هذه المدونة، نخصصه لتقديم نموذج متميز في شكله، متفرد في صنفه ، هو حمام التونسي الذي شيده المرحوم الحاج الحسن الإسافني أصلا الوداني كنية التونسي لقبا، وحيث أن الاثنوغرافية المحور الرئيسي للمدونة، هي دراسة الانسان او المكان في علاقته بالمجال، نرى أنه لابد من تقديم ببليوغرافية مقتضبة عن هذا الرجل المهوب صاحب الحمام التحفة، لأننا نرى أنه يستحيل فصل نمط التفكير الاستثماري عن أوجه التنزيل العقاري في حياة التونسي، معطيات وافية عنه أوردها د. عمر أمرير في كتاب “العصاميون السوسيون بالدار البيضاء” ط2 سنة 2017 ص 101 الى 112.

حل التونسي بتارودانت في العقد الأول من القرن العشرين بعد بيع جميع ممتلكاته من بينها حمام تقليدي يعد الأروع بالدار البيضاء يومئذ ، شاءت الأقدار أن يحل بالمدينة باشا تارودانت الحاج حماد بن حيدة بن ميس الذي خلف والده في باشوية تارودانت سنة 1918، لما أراد الاستحمام اضطرت حاشيته للبحث بمجموع احياء الدار البيضاء عن حمام يليق بمقامه وفخامته، فلم يعثروا سوى على حمام درب الدالية الذي استوفى جميع مقومات الاستحمام الراقي، ليتفاجأ الباشا أن صاحب الحمام الذي يظنه الجميع تونسي بما يوحي به لباسه على الدوام ، كونه يتكلم اللهجة الأمازيغية السوسية، وأنه ابن منطقة سوس العميق؛ فأشار عليه الباشا بضرورة القدوم لتارودانت، صادف ذلك معاناة الحاج الحسن الوداني/التونسي مع مرض الربو بالدار البيضاء، فباع كل أملاكه وحل بتارودانت واشترى فدانا مترامي الأطراف من آل/أيت المير يمتد من أسراك حتى منتصف طريق باب الغزو/ترغونت، حدود رياض المرحوم مولاي عبد السلام المزوار/العلوي البلغيتي، فشق طريقا وسط ملكه لربط طريق باب الغزو بأسراك أوراغ عوض الانعطاف يسارا اتجاه أكافي، فبنى مجموعة دكاكين/أشقاف وفران يسارا، اضافة الى محجز فسيح لدواب المتسوقين تحول اليوم الى قيسارية، يمينا التحفة المعمارية حمام التونسي موضوع المدونة، وبعض الغرف للإيواء/فندق، بعد مدة قصيرة شرع في بناء قاعة وهي أول سينما بتارودانت، المحل التجاري لشركة زمني حاليا، فعاتب عليه ابنه محمد الملقب الأب جكو الذي لم يكن راضيا، فأجابه :” راني كنبني ليكوم مكينا ديال لفلوس”، يقصد الحمام والسينما. هذا أحد أوحه النبوغ التجاري السوسي في زمن غابر لا وجود فيه للعلوم التقنية والمحاسبة التجارية سوى حنكة التدبير وفطرة التسيير، فكان هذا أول مركب تجاري متكامل متعدد الخدمات بجنوب المغرب، يشمل الفران والحمام وفندق المبيت والسينما ودكاكين لمختلف الأنشطة التجارية المدرة للدخل وموقف/ مربد دواب النقل والتنقل، ساعده في الرواج الكبير “الطريق جديدة” الأولى التي اقتطعها من ملكه وشقها للعموم، لتيسير الربط بين باب ترغونت وساحة أسراك السجل الاجتماعي والتجاري للمدينة.

حمام التونسي منذ زمنه الى اليوم، يعد بحق معلمة عمرانية وثورة تجديد هيكلي واضافة نوعية خرجت عن المألوف المستنسخ هندسيا مند القرون الوسطى بالمغرب، حصل هذا بعدما قطع الحاج الحسن آلاف الكيلومترات سيرا على الأقدام حتى تونس لأجل تعميق مداركه الدراسية، فكان للعمارة العثمانية التي خلفها حكم الأتراك بتونس، بصمتها في وجدان الحاج الحسن الى جانب الزي التونسي التركي، هندسة حضارة ومظهر ثقافة حملهما معه بعد هجرة العودة النهائية، وبقي متشبثا بهما فيما يتعلق بأناقة الهندام على الدوام، ثم عمارة كل من حمام درب الدالية بالدار البيضاء ودرب التونسي بتارودانت، وقد شمل التجديد الهيكلي من ناحية الشكل مرافق الحمام الثلاث “البراني والوسطاني والدخلاني”، قبب فسيحة ذات طول وارتفاع بسقوف عالية محدبة عوض المنبسطة، وقبة جلسة الحمام vestiaire المستديرة عوض الهرمية.

يُعتقد ان تقسيم الحمام التقليدي بالمغرب الى مرافق داخلية رئيسية وملحقات خارجية تابعة وفق نموذج موحد بقي يستنسخ مند القرون الوسطى هو موروث عن الحضارة العثمانية التركية ، الا أن المفكر الأكاديمي المغربي محمد بن عبد الجليل بلقزيز في الجزء الأول من كتاب “حضارة وثقافة عبر منشآت فنون وحرف بطريقة التأثيل” ص 444و445 يرجع أصل الحمام البلدي – كما سماه – الى الحضارة الرومانية، بنفس المرجع أورد مصطلح عربي فصيح هو التّحمّة الذي ينطق في الدارجة العامية “تحمحيمة”، والجفنة وهي حوض الماء الحار ومنها جاء اشتقاق الكناية العامية لماعون التصبين … مستنده التأثيل étymologie هو علم يبحث في المعنى الأصلي والأولي للكلمة، وهي عملية لسانية تعتمد المقارنة بين الصيغ الجدرية للكلمة ودلالات المفهوم لتمييز الأصول عن الفروع.

يقول حفيد الأب جكو أستاذنا الحاج مصطفى رفيق في جلسة الذاكرة الرودانية التي عقدتها معه خصيصا للإحاطة ببعض جوانب الموضوع ونبش خباياه واستكناه أسراره، كان آجور الفخار العريض يُعدّ بمشارف قبيلة هوارة وينقل لبناء جلسة الحمام كمرحلة أولى، بعد رفع الجدران العريضة المتوازية المتساوية، شرع العمال في حفر بئر عريضة بالجوار، وتراب البئر يفرغ وسط الجدران الى ان استوى محتوى الأتربة مع علو الجدران، فشرع العمال في رص كومة من الأتربة بعناية، ودكها على هيئة نصف كروية مستديرة الارتفاع بمقاييس مضبوطة بدقة، لتشكل قالب للجلسة الحالية التي شيدت بالآجور بتقنية حسابية دقيقة. ونضيف من غير المستبعد أن يكون العمال قد استعانوا أيضا بتراب مربد الدواب سابقا/ قيسارية التونسي الحالية، المحتجز أدركناه مطلع السبعينات عبارة عن حفرة بانحدار سلس عند المدخل، كانت ترابط به عجوز بعكازة- لم أعد اتذكر اسمها- وكلب قزم أسود .

جلسة حمام التونسي vestiaire تحفة معمارية فريدة، عبارة عن قبة فسيحة شاهقة قاعدتها الأرضية مربعة مساحتها 10م×10م، استلهمها الحاج الحسن التونسي من تراث الحضارة العثمانية كالمساجد أو الرومانية كالمعابد، يُعد بناء القبة قمة مراحل تطور الفن المعماري التقليدي عبر التاريخ، هندستها تستدعي التطبيق العلمي للفضاء المتجهي espace vectoriel والتطبيق العملي للجبر الخطي algèbre linéaire، رأس القبة من الخارج يعلوه جامور فخار أخضر، وقاعدتها من الداخل تتوسط مركزها النافورة الشامية تقف على ساق منحوتة يحفها الحوض المائي، لدرجة ان أضحت هذه القبة مضرب مثل روداني “لي بغا يتنزه يمشي لقبة الحمام”، يحيط بجدران القبة قبلة وبحرا ويمينا دكانة عريضة لازالت ملامحها وان تغير شكلها وعرضها، كانت تمدد فوقها حَصُرُ قصب المروج/سمار لخلع الملابس، بينما الجهة اليسارية شمالا يوجد بها عدد من الغرف يلبس فيها الناس ثيابهم النظيفة، لكل مستحم الحق في دلو خشبي سعته صاع ونصف، ونعال خشبي/قراقب، بعد الاستحمام يتسلم من الجابي منشفتان/2فوطات : الأولى للسترة والثانية لحاف، بالغرف أفرشة/مضارب محشوة بالصوف، يستلقي عليها المنهكون بعد الاستحمام لأن الحصر تكون مبللة وباردة، وهي من صميم ترتيبات الحمام التركي الى اليوم، تأثر بها الحاج الحسن أثناء مقامه بتونس، بعد مدة اكتشف التونسي أن الأفرشة/لمضارب تثقب والصوف يسرق، فغضب وأغلق الغرف، وفتح لها أبواب للشارع هي صف الدكاكين الحالية ما بين مدخل الحمام ودرب التونسي حاليا، وكان أول مستأجر لهذه المحلات ـ محل المرحوم عمر سلايلي- مقاول عصري يهودي روداني اسمه سيمون بن شطريت الذي رمم الجامع الكبير سنة 1948 وشيد حي بويزمارن 1964، فنُسجت علاقة ود طيبة بين الرجلين، كان من نتائجها أن اضاف الحاج الحسن التونسي صالة صغيرة شرق الحمام مساحتها 1.6م×2.5م ونفس المساحة للجلسة دون احتساب دكانة التدليك، هي حمام الطائفة اليهودية الرودانية التي كانت تشكل 10/1، أي من بين 10 رودانيين يوجد يهودي، الجميع يدخل للحمام من نفس الباب، ثم يدلف كل منهم لمستحمه الخاص به.

الحمامات التقليدية المغربية bain maure كافة تتوحد وتتشابه في أجنحتها الوظيفية الداخلية وملحقاتها الخارجية، في مقدمة هذه الأخيرة موقد النار المعروف في جل مدن المغرب باسم “فرنطشي” ، وردت التسمية في توثيق عدلي يرجع تحريره لسنة 1309هـ ، يهم احد املاك وقف الجامع الكبير وهو المستند الى ضريح الولي سيدي عباس التلمساني “لمساني” وذكر الفرنطشي على سبيل التحديد المكاني في اشارة لموقد النار الخاص بميضأة الجامع الكبير؛ بالنسبة للحمام نفس الشيء مع اختلاف شكلي طفيف، في اللغة العربية الفصيحة يسمى “الأتون” hypocauste، يتعلق الأمر بحفرة تعلوها قدر عظيمة على شكل خابية من النحاس الأحمر سعتها 200 لتر، أسفل القدر توجد جيوب مبنية بآجور الفخار تسمى “لمناخر”، يدفع اليها أطراف حطب السدر وشجر الأركان الملتهب لتحافظ على قطع الجمر وتخزن الحرارة أسفل أرض “القبة الدخلانية”.

الجفنة مصطلح عربي فصيح هو الآخر، وتسمى في العامية الرودانية “تفضنة” ،عبارة عن نطفية مفتوحة يصب فيها الماء الغليان من ميزاب حديدي عريض الفوهة حتى يتسنى إزالة الترسبات الكلسية التي تخنقه، في خرص حديدي جوار “تفضنة” يربط دلو خشبي خاص بغرف الماء الساخن، لكن في العقود الأخيرة مع ارتفاع وثيرة النسمة السكانية، ومن باب الحيطة والحدر وتفاديا للحوادث خشية ان تزلّ قدم مستحم لحظة غرف الماء، ارغمت سلطات المراقبة الصحية مستغلو الحمامات التقليدية على إلغاء “تفضنة” وتعويضها بعدد كاف من الصنابير، أيضا لكون عدد من المستحمين – سامحهم الله – أثناء دروة الاكتظاظ، كانوا لا يترددون في استخدام صطل استحمامهم لغرف الماء، تصرّفات وان كانت تحفظ للماء نظافته ظاهريا، فقد انتفت عنه طهارته احتياطيا، وهي شرط شرعي والله أعلم.

حمام التونسي وبقية الحمامات التقليدية بتارودانت كانوا يتوفرون على عدد من الدلاء الخشبية صغيرة سعة صاع، وكبيرة سعة صاع ونصف الصاع، تصنع من الخشب تشد بالغراء وتدعم بحزامين معدنيين/سركس، حجم الدلاء وسعتها نابعة من فكرة ضرورة الحفاظ على نعمة الماء في زمن كان الماء يتفجر عيونا وينساب سواقي ومصاريف فوق الأرض بتارودانت، لكل مستحم الحق في دلوين فقط واذا رغب في الثالث يدفع ثمنا إضافيا، بعد الدلاء الخشبية الثقيلة ظهرت الدلاء المطاطية التقليدية، ثم العصرية القصديرية، ثم البلاستيكية حاليا.

“الصالات” وهي قبب ذات طول يضاهي العرض خمس مرات مع ارتفاع بارز للسقف المحدب، من غير المستبعد استخدام سقالة خشبية/سرير وصفائح قصديرية لتشكيل هيكلgabarit سقوف القبب المستطيلة التي تكوّن أهم مرافق حمام التونسي التقليدي، وهي ثلاث وفق النموذج التركي : “البراني-البارد frigidarium” و”الوسطاني-الدافئ tépidarium” و”الدخلاني-الحار caldrium”، مساحتها 2.30 متر×9.75 متر وعلو يقارب 5 امتار، حيث فتحت 5 فوهات تسمى “نفاسات” extracteur يتسرب منها فائض ضغط الهواء الدافئ والبخار الساخن، اخيرا شماسيتان ضيقتان تسمح بدخول خيط نور حفاظا على الحياء والخصوصيات الشخصية، يفصل بين الصالات جدران سميكة متينة عرضها 70 سنتيم، من غير المستبعد أن حمام المسلمين قد أزيلت الدُكّانات الخاصة بالتدليك-وهي ثقافة تركية، بينما لازالت موجودة بحمام الطائفة اليهودية.

في مدينة فاس ارتباطا بالحمام التقليدي كمنشئة اجتماعية، دوّن لنا التاريخ المحلي للمدينة اسم شخص شريف يدعى المرابط أبوبكر، لُقّب الحمامي بعدما تخصص حرفة في كراء حمامات الأحباس التي تجاوز عددها العشرين، لكن بتارودانت لم يتجاوز عدد الحمامات خمسة، لذا لم نسمع بهذا اللقب/الكنية المرتبطة بالحرفة على غرار البواب الذي كان مكلفا بفتح وإغلاق أبواب تارودانت الخمسة، والصبان الذي تخصص في صنع الصابون البلدي، والدلال قيم مزاد دلالة خرق الدراز بفناء الجوطية … من وجهة نظره يُرجع نجل العائلة الحاج مصطفى رفيق السبب كون الحاج الحسن حل بتارودانت بداية القرن العشرين يحمل معه اسم التونسي لقب أشهر من علم، بعد تشييده الحمام كان واجب الاستحمام بمجموع الحمامات “البلدية” بتارودانت اختياري بين من يدفع نقدا ريال وآخر ريالين وثالث يدفع عينا بضع بيضات أو ما يجود به يسر الحال عليه، فقرر الحاج الحسن التونسي كراء جميع حمامات الأحباس لمدة سنة فقط، وعمل على توحيد تسعيرة الاستحمام في ريال واحد بجميع حمامات تارودانت، بعد تمام مدة الكراء سلم للأحباس ملكيتها العقارية، من يومها صار عرف التدبير الجبائي الذي سنه التونسي قاعدة، و من تاريخه بقية تعرفة الاستحمام بمجموع الحمامات التقليدية بتارودانت موحدة، تتم مراجعتها بحسب حال الوقت والأحوال الاجتماعية، ما ينم عن كون الرجل رحمة الله عليه ملم بقواعد التدبير والمحاسبة قبل ظهوره كعلم يدرس، وحنكة ادارة التجارة التي تجنب صاحبها الخسارة وتراعي الظروف الاجتماعية للناس، منهج حياة وخصال ورثها منه أنجاله من بعده رحم الله الجميع وأطال في عمر من بقي.

كل زمن وتارودانت بألف خير

2019-05-06
المشرف العام