دمنات: إصرار على مقاومة أفول مهنة الغياط والنفار في ليالي رمضان

نصر الله البوعيشي

يتميز شهر رمضان بدمنات ذات التاريخ الموغل في القدم بتلك السمفونية الرائعة التي ترددها اعذب الحان الغياط والنفار وتهليلات المهللين الروحية من اعلى صوامع مساجدها التاريخية (مسجد ارحبي ومسجد القصبة)، فيخترق العزف والأناشيد والتراتيل أسماع الناس وتنبه ألحانها الغافلين، وتوقض النائمين في فترتين الأولى بعد التراويح لتذكير السيدات بالخصوص لاعداد الوجبات والفترة الثانية لإيقاظ الأسر لتناول السحور وتنبيههم بقرب حلول موعد الامساك. ومن الغياطة المشهورين بدمنات المرحوم عزي عمر السكوري وعزي عمر الحداد المعروف بالغياط وعزي احميدة الغياط ومن النفافرية (النافخين في النفار) عزي بوكماز رحمه الله الذي كان في نفس الوقت مؤذنا ومكلفا بايقاذ جذوة المدفع .ومن المهللين المرحوم عزي بوبكر بعُويْ / الكتاني والمرحوم الحاج البوهالي وغيرهم رحمهم الله جميعا برحمته الواسعة واسكنهم فسيح جنانه.

والمهلل والغياط والنفار الذين وهبوا انفسهم لهذه المهنة كانوا يعزفون الحانا من وحي الامداح الدينية المشهورة كالبردة والهمزية وغيرهما ، و في الحقيقة فلا أعرف متى ومن أدخل هذا التقليد الى دمنات، وان كانت بعض الكتابات ترجعها الى العهد المريني والاخرى تنسبها الى العهد السعدي. ولكن المؤكد أن دمنات تشترك فيه مع المدن العتيقة كفاس ومراكش التي كانت تربطها بدمنات – عندما كانت في أوجع عزها – علاقات متشعبة ومتداخلة، تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية.

توقف تقليد الغياط والنفار لردح من الزمن بسبب زحف الحداثة وإكراهات التطور وتوفر وسائل تكنولوجية حديثة للايقاظ والتذكير وتغير العادات الغذائية وتوفر ألات عصرية لاعداد الطعام في وقت وجيز .وانشغال الناس بالسهر امام شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي وفي المقاهي التي تتفتح ابوابها الى ما قبُيل الفجر بقليل.

بعد انتهاء شهر الصيام ، و في صباح يوم الفضيلة يقوم الغياط والنفار بجولات في كل دروب وأحياء دمنات ،و من دار إلى دار، لجمع ما يجود به الناس عليهم من حبوب او وسكر أو ما تيسر من المال.

إن هذا التقليد كتراث لا مادي يمنح لدمنات – التي لها امتداد حضاري عميق- خصوصية وفرادة وتميزا باعتبارها أهم المدن التاريخية في جهة بني اخنيفرة وفي اقليم أزيلال بصفة خاصة لهذا يتعين علينا جميعا العمل على ان يبقى هذا التراث دائم الحضور ضمن الليالي الرمضانية ، والحفاظ عليه كرأسمال شفهي ولامادي.

لهذا تجند بعض الدمناتيين الغيورين لإحياء هذا التقليد السنوي الجميل بمساهمة من السيد رئيس المجلس البلدي لدمنات الذي تعهد مشكورا بالمساهمة في الدعم المادي لكل من الغياط والنفار الذين سيقومون بالمهمات المشار اليه آنفا في كل من مساجد أرحبي والقصبة وأيت أكنون.

2019-05-07 2019-05-07
المشرف العام