الرهبان بدار نقطة الحليب/ج2

إعداد : علي هرماس

ابان فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب، آوت دار نقطة الحليب بتارودانت العشرات من الأطفال ذكورا وإناثا، الاناث منهن من صرن أمهات ربات أسر، بقي جلهن فيما أعلم متشبثات بالتربية القويمة التي تلقينها بين أحضان الميتم على يد الراهبات كالصدق والوفاء والاخلاص والاحتكام للمنطق والضمير،،، بعض الذكور كما ذكر الكاتب وقع لهم ما يشبه انفصام الشخصية لا يقرون بدين ولا يستقرون على تربية،،، فيما البعض الآخر تمكن من أن يأسس لنفسه مجد واعتبار اجتماعي فرض به نفسه، منهم الفنان الحرفي والصانع المهني وطبيب الأطفال والتقني في الهندسة الكهربائية الذي اعتمد على البحث والتكوين الذاتي، وهو من صميم تربية الميتم، لدرجة لم يبقى فرق بينه وبين معارف ومدارك إطار مهندس دولة تخصص الكهرباء سوى قطعة من ورق مقوى تسمى “دبلوم مهندس”، انه الكاتب موسى حميمو صاحب ثلاث مؤلفات روائية رائعة، والرابعة هي “الوردة الزرقاء” تدخل ضمن ما يسمى الأدب المغاربي بالتعبير الفرنسي، لقد ألف وأجاد التأليف والتألق الأدبي والإتقان اللغوي الفرنسي المحكم، تنشئته وسط الرهبان واكتسابه لغتهم الفرنسية باعتبارها “اللغة الأم” مكنه من إحكامها وتملك ناصيتها لغة ولجامها كتابة، هذا ما جعله يتميز بين أنداده من الكتاب المغاربيين الذين تمنحهم فرنسا جوائز يقال عنها أنها دولية، هذه الجوائز التي توضع لها مقاييس أدبية فنية من خلفها معايير ولائية فكرية ،،، موسى حميمو مسح مساحيق التجميل عن وجه فرنسا الجميل وهي تحتل المغرب، لم يتنكر لجميلها بل اعترف به بقدر معاملة رهبانها وتأهيلهم لشخصيته، مما جر عليه غضبهم وسخط البعض من عاشرهم من نزلاء دار نقطة الحليب ،،، موسى حميمو توفي رحمه الله سنة 1998 بالدار البيضاء، كان موظف بالمكتب الوطني للكهرباء، رواية الوردة الزرقاءLa rose bleue صدرت 1994 في274 صفحة، قبلها رواية مماثلة لمعاناة والدته وهي حامل به وظروف مخاض الوضع الذي ألمّ بها وهي منهمكة تعمل في صنع آجور الفخار لبناء فندق الكتان بالرحبة القديمة 1936/ قسارية التيوتي حاليا، الرواية بعنوان الدخيل L’intrus، صدرت1999 من 128 صفحة، وأخيرا رواية تحت عنوان فاكهة ممنوعةFruit défendu ، إليكم قراءة سطحية “للوردة الزرقاء” : جميع الصغار يلبسون “أقشابAkechab” رؤوسهم محلوقة حد الصلع، أقدامهم حافية، قلة من الكبار ينتعلون أحدية مصنوعة من العجلات المطاطية. يتم جمعنا في مرقد ضخم رائحة البول تزكم فيه الأنف وتخنق، في المراحيض التعليمات قطعية، يمنع الكلام مع الآخر من فوق حائط قصير يفصل بين المراحيض، من حين آخر يجب علينا كذلك قبول تفريغ المرحاض بغطس أيدينا حتى المرافق، جميع الوافدين يمرون من ذلك.

وجبة العشاء لا تختلف كثيرا عن الغداء، ما يسمى “أسكيفAssekif” يتكون من دقيق مخلوط بماء وزيت أو إدام دهني وملح، وحدهم الكبار الذين لا يتبولون في الفراش يذهبون للنوم، بينما الصغار يبقون في الساحة لبعض الوقت قبل الذهاب للنوم، وقبله تحية السلام:” نحييك مريم…/ يقصد مريم أم عيسى عليه السلام.

أحيانا الكبار يأخذوننا تحت رعايتهم يستضيفوننا للمبيت في فراشهم ويمارسون علينا “بلاهتهمLes bêtises” لا مجال للشكوى، وقبل ذلك لمن؟ عادة المسؤولون لما يتنبهون أن طفلا لا يؤكل ولا يستطيع المشي وشارد التفكير والمنطق، آنذاك قد فات الأوان، الصبي أصبح ضائعة épave une يجب أن ترمى خارج الباب حفاظا على سمعة الدار. الراهبة الأخت أناsœur Anna هربت من الصين بعد المذبحة التي تعرض لها الرهبان هناك، وصلت الى المغرب للقيام بعملية التنصير ضمن مجموعة من خمسة راهبات وجهن للعمل بالمستشفى، منهن الراهبة الأم ديروكmère Duroc أتت من الشرق الأوسط، تتكلم اللغة العربية الفصيحة بإتقان، هي من تولت الاشراف على مرقدنا ، بعض تعاملاتها لمخاطبتنا ألفناها: “أولاد الحرام” “أوسخ الدنيا” “دود الكلاب” هذا الكره لا يتماشى مع الحب الفياض الذي تكنه لكلبها الجميل.

كنت ابن ثمان سنوات لما جمعتنا في الساحة كبيرة الرهبان La supérieure لتعلن لنا بافتخار زيارة مرتقبة لشخصية مهمة، تركتنا مدة طويلة في حيرة المفاجأة والتساؤل، قبل أن تكشف الستار عن اسم يجسد الزائر، ليس أقل أو أكثر كونه محمد الخامس ملك المغرب. بقينا للحظة مشدوهين بدون كلام، هذه فرصة تعتبر بالنسبة لنا حدث من الأهمية بمكان، لحد يومه داك، لانعرف من نحن ولا أين توجد جدورنا ووطننا، كنا مبعدين عن تصور أن لدينا ملكا. كان يقال نحن المغاربة أمنا الصحراء ومرضعتنا نخلة عقيمة، لا أفهم كيف بين يوم وآخر أصبحت لدي جدور وأرض وهوية وملك، سأكون من الآن أكثر اعتزازا لما تحدثنا الراهبة عن الملكية الفرنسية، لماذا الراهبة “أنا” أكثر قساوة من الراهبة ديروك والراهب مالو sœur Anna mère Duroc le père Malaud يبدون متحمسين لاقتلاعنا من جدورنا، هي اذن مناسبة لتعترف الراهبة “أنا” وبعد كل شيء : حقيقة أنتم مغاربة، الملك سيحضر ، إنه ملككم، إنه أبوكم لكم جميعا أنتم الذين ليس لكم أب !!! انقلبت الدار رأسا على عقب، أُخذ كل شيء بعمق، طلاء المراقد، والمطعم، والورشات، والممرات، هدمت جدران بالكامل من أجل بناءها بشكل أجمل، بالحديقة تشذيب، إقتلاع، تحويل، غرس شتائل أزهار جديدة، شجيرات أخرى، البستان بدى جنة صغيرة، المدخل المسمى “ممر الورود” أضحى زاهيا مثل عقد فريد لفسحة معطرة لملك كبير، جودة الإطعام لم تستثنى هي الأخرى وعرفت تحسنا ملحوظا، لم نعد نتقيأ أحيانا، لم يعد أصحاب الشعور المرهف يشمون الطعام قبل الأكل، بالعكس نأكل ونطلب المزيد، كم هي زيارة الملك مستحسنة !!! الرؤوس ثم حلقها بحدة الشفرة، أرجلنا نظيفة رغم كونها حافية، تمر راهبة وتقرص خدودنا لتعطيها لونا ورديا ومسحة صحية جيدة، لتبدو بمسحة وردية فاتحة rose-bonbon، تم تحويل جانبا جميع الشهّاقين والمعاقين ومخدوشي الوجه والمتخلفين ذهنيا، إذن كافة ملامح النقص السيء، بعدها يتم ترديد عبارات الترحاب والإكبار وابتسامة البروتوكول. فجأة ، تجمدت الساحة بما في ذلك العسكريون لا يتحركون قيد أنملة، كنت أتوقع تواجدي بحضور أحد ملوك فرنسا ببزته وعتاده وجوقة حرس شخصي، لكن ها هو يدخل شخص يلبس جلباب بسيط أبيض وبلغة بيضاء وطربوش أحمر، ما عدا كبيرة الرهبان والراهب الأب مالو بلباس الرهبنة ، بقية الشخصيات المرافقة كانت بحمالات مميزة أكثر من السلطان نفسه، هذه الملاحظة أربكتني بعمق لدرجة أنني أحسست بتعاطف أكبر أتجاه الملك، تملكني شعور عدم الفهم كيف بشخص في منتهى بساطة اللباس له كل هذه الأهمية ويملك كل هذه المسؤولية بدل كافة الجنرالات والشخصيات المرموقة، أدركت أنه يمكن أن توجد مسؤولية وتحكّم أكبر مما يملكه الراهب الأب مالو.

طفلة وأنا قدمنا بابتسامة باقة ورد من أيدينا للسلطان، أخدها ومسد على رؤوسنا … السلطان وحاشيته دخلوا الى ورشة حرفة السمار القصبي La vannerie حيث عرضت بعض العينات كذلك ابداعات البنات في الطرز والتشبيك broderie et dentelle، في المراقد لم يجد الحصير المتلاشي ولا الأغطية البالية ولا الأرض المبللة بالبول، كل شيء كان نقيا؛ في المطعم لم يرى الطاولات المهترئة ولا صحون المعدن المخدوشة والمعوجة من طرف صبية أصابهم سعار مداومة أكل نفس وجبات العدس والحمص و”أسكيف” ، للعلم كذلك يقع أن نعض غالبا الإناء نتيجة خطأ عدم إزالة حشرة الكوز أو التبن أو بقية الأوساخ التي توجد في “أسكيف”.

في الحقيقة، لا نلتمس من السلطان شيء، بالعكس نعترف له ونشكره جزيلا كونه فكر فينا وتذكرنا، لقد أعطانا أملا كبيرا وإحساسا بالفخر أننا مغاربة قبل كل شيء.

في الحين قدم لنا هدية لا تقدر بثمن، جميع المراقد ستجهز بسرير وفراش ووسادة وغطاء، بفضل الهبة الملكية سنتمكن أخيرا من النوم على أننا كائنات انسانية، بعد معاناة طويلة ومتنوعة سببها الراهبة “أختي أناsœur Anna” وشرطتها ، لن يختلط لهم بعد اليوم المتبولون الحقيقيون والمشتبهون، بسبب الأمراض المتعلقة بشكل مباشر بالنوم مباشرة فوق الأرض، العقوبات القاسية ستختفي، سيكون الذين يعانون من أمراض الصدر أقل، كذلك أصحاب الزكام المزمن، وأيضا دووا إعاقة ضيق التنفس والإختناق الأنفي أثناء النوم. ثلاثة أيام بعد الزيارة الملكية، شحنات كاملة تدخل دارنا محملة بمآت الأسرة مفككة، أطنان من لفائف الثوب لصنع فراش السرير matelas ، نحن الصغار ثم تكليفنا بجلب تبن الدرة la paye de maïs مهداة من قبل تاجر ميسور محسن بالبلد، مخزنه بالطرف الآخر للمدينة، في البداية كانت لحظات مرح ونحن نعبر الأزقة، لكن بعض الرودانيين يتدمرون لأنهم يظنون أننا نستهزئ بهم ونحن نغني بالفرنسية. في انتظار تتمة حديث مع الصورة والرهبان بدار نقطة الحليب كل مدونة وانتم بألف خير.

2019-07-04 2019-07-04
المشرف العام