يوميات شاب عجوز (رواية قصيرة)

بقلم مصطفى مازي

… أ تعلمين شيئا جارتي؟ الكل صار يحب هذه الأيام ، أصبحت كلمة الحب المقدسة هذه ، مجرد كلمة يبوح بها الكل دون أن يشعروا بها حتى ، ما هذه الوضاعة؟ 🤨 “الحب المسكين باتوا يستغلونه ….” 😮 أوه ! ربما هذا تأثير المسلسلات التركية المدبلجة عليهم … 😊 لا عليك … – صديقي

– أوه ، مرحبا ، كيف حالك؟

– بخير ، و أنت؟

– و أنا كذلك ، شكرا لك

– تهت هذه المرة 😥

– ماذا هناك؟ ماذا بك؟

– وقعت في الحب

بصوت خافت ، و بنبرة استغراب قلت في نفسي

– مجددا؟!

منذ أن عرفته وهذا هو حاله ، لم أعد أعاتبه على هذا ، فقط أستمع لحديثه لأتجنب نقاشاته الفارغة ، إذ اكتفيت من كل شيء ، كل ما أريده هو الهدوء والسكينة … نظرت إليه قبل أن أغرق في أفكاري كالعادة ثم قلت له

– أوه هذا جيد ، متى حدث هذا؟ وعذرا على تطفلي

– لا عليك ، أنا من معجبي جل ما تكتب ، اسأل ما شئت كانت هذه إجابته المعتادة ، بصراحة تعجبني إجابته العفوية هذه

– بوركت صديقي ، هذا من لطفك

– و أنت كذلك ، حدث هذا منذ ساعة ، حين صادفتها في أحد المراكز التجارية … 🙂 لحقت بها إلى أن توقفت ، تحدثنا قليلا ، ثم غادر كل منا بعد أن أعطتني رقم هاتفها … إلخ

– أهاه

– منذ أن رأيتها ، و صورتها تداعب ذاكرتي ، بل استعمرت أفكاري … ساعدني يا صديقي ، لا أعرف ماذا عساي أفعل؟

– كيف عساي أساعدك؟ اعذرني أيها الصديق ، هذه معركتك ، و أنت المحارب و لا أحد سواك … فقط لا تتهور ، تمهل إلى أن تدرك مدى صدق مشاعرك و تتوضح الصورة أمامك ، هذه مجرد نصيحة

– و الله أنا أجن بحبها ، صدقني ، أكاد أجن، تبا ، انغمست في الحديث في الأمر مجددا

– حسنا ، سأسألك سؤالا ، ثم أجبني بصراحة أوكي؟ – أوكي

– ما الشيء الذي جعلك تنجذب إليها؟ أقصد ما الشيء الذي جعلك تحبها و تقع في شباكها بهذه السرعة؟!

– ما الشيء الذي جعلك تنجذب إليها؟ أقصد ما الشيء الذي جعلك تحبها و تقع في شباكها بهذه السرعة؟! 🤔

– 😍 لباسها … طريقة تمايلها في المشي … شعرها المتدفق كالشلال … صوتها الرقيق الرنان … مؤخرتها 😋

بقيت أنظر إليه ، ثم قال متلعثما

– أ … أ … أقصد كل شيء 👀 و بنبرة جادة أجبته

– آسف ، هذا ليس حبا ، هذا شيء آخر ، أنت ترغب بأن …

قاطعني بنبرات عصبية قائلا

– كيف عساك تقول بأنني لا أحبها؟ ما أدراك بالأمر؟ 😡

أجبته بابتسامة:

– الحب يا صديقي مختلف تماما عما ذكرته لتوك ، ما قلته الآن هو إعجاب بجسدها ، أنت تريد فقط أن … فهمت قصدي؟ أما الشخص الذي يحب ، فلا يعرف لماذا يحب أصلا … إذ أنه لا يتحكم في قلبه و لا يفرض عليه ما يشاء

– كل ما قلته لتوك مجرد خزعبلات … أنا أحبها حقا ، و أريد أن أجعلها ملكي …

– حسنا ، هذه رغبتك ، افعل ما شئت ، هذا مجرد رأي أرسل لي بعدها صورة فتاة في 25 أو 26 من عمرها ، ترتدي ملابس عصرية سوداء ، و شعرها الأسود المنسدل ، يتدفق على كتفيها كالشلال … و من خلال طريقة وضعها لمواد التجميل على وجهها ، أدركت أنها من محبي الفن الخليجي …

– هذه هي ، ما رأيك في الصورة؟

– جيدة

بنبرة تساؤل يحيط بها لون من ألوان السخرية

– جيدة؟ إنها رائعة … جميلة لحد الجنون … جذابة … “قوقة”(1) و بابتسامة توحي على مدى سعادته و كأنه قام بعمل بطولي خارق

– لا تنسى ، إنها حبيبتي 🤩

– لا تخف ، هي ليست من النوع الذي أفضله ، و لو كانت ، فمازلت تائها في عالم الماضي

– أعلم ، كنت أمازحك فقط

– شكرا على مزاحك

… مر يوم واحد دون أن أراه أو أسمع عنه أي شيء ، و كأن الأرض ابتلعته … و في المساء ، اتصل بي ، و حدد معي موعدا في مكاننا المعتاد حيث التقينا لمرات عديدة بعد أن تعارفنا على الموقع الإجتماعي المشهور “الفايسبوك” … يصغرني هذا الأخير ب 3 أو 4 سنوات ، أو ربما 5 سنوات ، له شارب صغير ، و شعر في ذقنه ، تسريحة شعره عصرية بعض الشيء ، أما ملابسه فهي عصرية تماما ، بنية جسده معتدلة … مجال كل

منا ، مختلف عن مجال الآخر ، فهو يهتم بالرياضة ، يحب كرة القدم إلى حد الجنون ، بل و يرتاد أحد الأندية المعروفة بمدينة أكَادير(2) المغربية ، كما أنه يرتاد أحد نوادي بناء الأجسام …

بدت نبرة صوته سعيدة حين حدثني في الهاتف ، كل ما قاله حينها ، أنه يرغب برؤيتي ، حتى أنه لم يذكر السبب …بعد انتهاء المكالمة ، عدت إلى منضدتي حيث أوراقي ، لأكمل ما كنت أرسمه بكلماتي . في اليوم التالي ، ذهبت إلى مقهاي الهادئ حيث أجد سكينتي ، و شرعت في قراءة أحد الكتب إلى أن تسلل صوت مألوف إلى آذاني ، نعم إنه صوت محرك سيارة العاشق الذي حطم الرقم القياسي في الحب و المشاعر … لم أنظر إليه أبدا ، بل استمريت في القراءة إلى ينضم إلي ، ظننته بمفرده ، غير أنه كان برفقة شخص آخر .

… مهلا ! لم يكن رجلا ، إنها امرأة ، بل فتاة ، عرفت هذا من خلال سماعي لصوت قهقهاتها و كذا كعبها العالي … بقيت أتحدث مع نفسي دون أن أنظر إليهما ، كما توقفت عن القراءة بالرغم من أن الكتاب ما يزال بين يداي … اختفت جل الأصوات التي كانت تحيط بي ، بعد أن سافرت على متن قطاري السريع بين أفكاري ، حتى نظراتي لم تعد ترى الكتاب المسمر أمامهما بين يداي ، فيا ترى في ما كنت أفكر؟ منذ أن صرت بجسد العجوز و أنا أبحر في كل مرة بين مخيلاتي …

– أعلم ، أعلم أنا شخص غريب ، و مختلف …. 15 دقيقة و أنا غائب عن الواقع ، لم أصحو من غيبوبتي إلى أن وضعت “نجلاء” ، فتاة في الثلاثينيات من عمرها ، ترتدي ملابس عصرية و وشاح تغطي به شعر رأسها ، و كذا حقيبة صغيرة ملفوفة حول خصرها ، و نعال كنعال سندريلا في قدميها … فنجان قهوة سوداء أمام العاشق الذي كان يجلس أمامي رفقة فتاته …

– فتاته؟ عذرا أيها العجوز ، أ قلت فتاته؟ 🤔

نعم فتاته ، غير أنها فتاة أخرى ، لم تكن تلك الفتاة التي صادفها في المركز التجاري و التي وقع في حبها “منذ ساعة ذلك اليوم” ، هذه فتاة مختلفة عن تلك ، على ما يبدوا أنها في 22 من عمرها ، ترتدي تنورة سوداء ، و حقيبة نسائية ، و هاتف ذكي في يدها ، و نعال ذو كعب عالي في قدميها … هي من المهتمين بالموضة و الأزياء …

– صديقي ، هذه حبيبتي منى

نظرت إليه مبتسما ، و أومأت له برأسي ، ثم نظر إلى الفتاة و هو مبتسم

– حبيبتي ، هذا صديقي الذي تحدث لك عنه

نظرت إلي الفتاة ، و بابتسامة

– تشرفت بلقاءك

أجبتها بابتسامة

– شكرا لك أختي

نظرت إلي بابتسامة ماكرة ثم قالت :

– لم تخبرني عن اسمك ، ما اسمك؟

نظرت إليها و بابتسامة قلت :

– اسمي إلى حد الآن ما يزال مجهولا ، غير معروف ، حين يُعرف كوني على يقين بأنني سأخبرك به إن التقينا مرة أخرى أتعلمين جارتي؟ قالت جملة أعادت إلي إحدى ذكرياتي السالفة معك ، فظننت لوهلة أنها أنت

– على ما يبدوا أنك فيلسوف أيضا ، كفاك فلسفة ، أخبرني عن اسمك نظر إليها العاشق ضاحكا ، قائلا :

– إنه عميق ، و لسوف تحبين الحديث معه كثيرا إن توضحت صورته أمامك

نظرت إليه ، قائلة :

– أحب الأشياء العميقة ، الغامضة .

تبا ، منذ مدة طويلة و أنا لم أسمع هذه الكلمات ، منذ أن اعتنقت الوحدة …

أخبرتها باسمي الذي جعل الدهشة ترسم على محياها بعد سماعها إياه ، كانت تعرف اسمي غير أنها لم ترى شكلي يوما … قامت بمدحي ، و الخجل يتملكني ، لا أحب الإطراء المبالغ فيه … هي من ضمن المعجبين بصفحتي الفايسبوكية حيث خواطري الرومانسية ، أخبرتني بأنها تحب كلماتي ، و لو لم تصدقني في البداية … لا أحد سيصدق شابا بهيئة عجوز 😊 و بالأخص إن كان يهتم بالمظاهر . على أي لا يهمني ذلك ، كل ما يهمني أن أخلد كلماتي و تخلدني لا غير . بعدها طلبت مني أن أكتب عنها خاطرة ، غير أنها صعقت حين أخبرتها بأنني توقفت عن كتابة الخواطر منذ مدة طويلة ، سألني العاشق هو الآخر بنبرة تتملكها الدهشة

– و تلك الخواطر التي تقوم بنشرها على صفحتك؟

– هي من أرشيف السنوات السالفة الخاص بي

نظرت إلي منى بنظرات صادقة ، مؤثرة ، قائلة :

– فهمت ، “ثم أخذت نفسا عميقا”

فيا ترى ماذا فهمت هذه الأخيرة؟

… نظرتُ إليها مبتسما ، و قد شعرتُ و كأنها أدركت شيئا كانت تجهله ، شيء متعلق بها ، بحياتها طبعا ، و ليس بعجوز شأني … أصر علي صديقي العاشق المتجددة مشاعره بأن أجيبه على سؤاله ، غير أن حبيبته منى ردعته ، طالبة منه الاحتفاظ بأسئلته … ليعم الصمت لدقائق معدودة بعدها …

غرباء هم عشاق هذا الزمن ، في كل يوم يغيرون أحباءهم ، هل هذا هو الحب؟ طبعا لا .

فقدت جل الأشياء براءتها ، و هذا ما لا يعجبني … بالمناسبة ، منى ليس اسم الفتاة الحقيقي ، هذا اسم مستعار اخترته لها لأخفي هويتها الحقيقية …

بعد ذلك اليوم ، صارت منى تراسلني عبر الرسائل الالكترونية في صفحتي … هي الآن متزوجة و لها ابنتان ، بالتأكيد غيرت مسار حياتها برمته … أ تعلمين جارتي؟ ففي ذلك اليوم الذي أتت فيه رفقة العاشق إلى المقهى ، كانا يرغبان بأن “….” غير أنها رفضت القيام بفعل ذلك بعد مغادرتهما المقهى حينها ، هي من أخبرتني بهذا …

كانت تائهة تماما ، لم تكن تعلم وجهتها ، غير أن شيء ما أبت أن تخبرني به جعلها تفكر مليا في ما كانت تفعله ، لتغير مسار حياتها بعد مدة ، و تبدأ صفحة جديدة …

2019-09-13
المشرف العام