لِيَسْكُنَا إلى بَعضِهمَا

بقلم: مرام سعيد أبو عشيبة

الحياة الزوجية حياة ترتقي إلى أعالي القمم كلما أحسن الرجل والفتاة الاختيار، فكما أن للشاب حق الاختيار للفتاة تمام هذا الحق ، فالحياة الزوجية حياة قائمة على التشارك والتعاون والترابط والاقتران ضمن منظومة وقاعدة أسرية متكاملة تحتاج إلى تخطيط ، فإن حسن التخطيط والانتقاء والاختيار هو الذي يصنع ويحقق أواصر المحبة والاحتواء والسكن والرحمة والوئام والسعادة والتفاهم والتآلف والانسجام والوصال بين الزوجين بعد عهدٍ وميثاقٍ اتخذوه أمام الله. إن معاني اختيار كل من الزوج والزوجة لبعضهما مغيبة في مجتمعاتنا أما آن لنا أن نتمسك بتعاليم ووصايا رسولنا الكريم-صلى الله عليه وسلم- فكل من الشاب والفتاة سيعيش حياة واحدة،فلماذا نسيء الاختيار ؟،فكما أنه هناك معايير ومقاييس وضعها نبي الرحمة المهداة –محمد -صلى الله عليه وسلم –ضمن منهج قويم سليم آمن قائم على أساس مستقيم صحيح سوي لاختيار الزوجة، هناك أيضا معايير ومقاييس صائبة في اختيار الزوج، فالإنسان العاقل، المدرك للأمور ،الواعي ، نافذ البصيرة، سليم الفكر من يحاول اصطياد صدفة ولؤلؤة ثمينة من جوف وعمق البحر فإن أحسن اصطيادها استحقها ومن ثم نال الدنيا والآخرة ألم يقل النبي-عليه السلام- كما جاء في صحيح مسلم :«الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».

وألم يقل –عليه السلام- كما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ” تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك “.

وأما بالنسبة إلى الفتاة فإنها تتحرى وتختار وتبحث وتتقصى عن صاحب الدين والخلق روى الترمذي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض” ومن هنا نقول أن معاني السكن والأُنس والمودة والرحمة بين الزوجين لا تتحقق إلا باتخاذ القرار الصائب في الاختيار، ومن أجل ذلك لننظر إلى روعة ورصانة تلك المعاني الجميلة الرائعة المذكورة في قوله تعالى:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

يقول ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير:” أن جعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأن التآنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أُنسا بين الزوجين ولم يجعله تزاوجا عنيفا أو مهلكا ، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة … وجعلت الآيات لقوم يتفكرون؛ لأن التفكر والنظر في تلك الدلائل هو الذي يجلي كنهها ويزيد الناظر بصارة بمنافع أخرى في ضمنها.”

ولننظر إلى مدى الرحمة والمودة والرأفة والعطف بين النبي -عليه السلام- وبين زوجاته، فها هي خديجة -رضي الله عنها- كانت خير النساء وزوجة محبوبة إلى قلبه –عليه السلام- رُزق حبها واستعمرت روحه وفؤاده، وكان متيماً بها فمال القلب إليها وسرقته، فكانت المُعينة والمؤنسة والسكن والحصن الحصين المنيع والملاذ الآمن ، روى مسلم في صحيحه عن عائشة، قالت: ما غرت على نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلا على خديجة وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذبح الشاة، فيقول: «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة» قالت: فأغضبته يوما، فقلت: خديجة فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إني قد رزقت حبها»، وروى أحمد في مسنده عن عائشة-رضي الله عنها-، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة أثنى عليها، فأحسن الثناء، قالت: فغرتُ يوماً، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها، قال: ” ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء “.

وها هي عائشة –رضي الله عنها- قد لفها وغلفها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بمشاعرِ الحب والحنان والإشفاق والاحتواء والشمول، فهي الحبيبة وشريكة العمر وأحب الناس إليه حتى أنه كان-عليه السلام- يتتبع المكان الذي تشرب منه فيشرب منه ، عن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي -صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على موضع في، فيشرب وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي -صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على موضع في» ” صحيح مسلم.

كما أنه كان-عليه السلام- يلعب مع السيدة عائشة ويمازحها ويضاحكها، ففي ذات مرة تسابقا فغلبت السيدة عائشة رسول الله، وفي المرة الثانية غلبها فقال لها : هذه بتلك، روى أحمد في مسنده عن عائشة، قالت: خرجت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: ” تقدموا ” فتقدموا، ثم قال لي: ” تعالي حتى أسابقك ” فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: ” تقدموا ” فتقدموا، ثم قال: ” تعالي حتى أسابقك ” فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وهو يقول: ” هذه بتلك”.

وإننا لنرى الحب في عيون رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لزوجته صفية مظهراً رقته ولينه وشهامته معها واضعاً ركبته لها فساعدها حتى تركب على البعير ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسا، فاصطفاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «آذن من حولك» ، فكانت تلك وليمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة قال: فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب” صحيح البخاري.

قولوا لي: أي حب أجمل من هذا ؟ حب مغلف بغلاف الرعاية والاهتمام والعناية والأمان والطمأنينة والسكون، إنه الحب المحمدي لزوجاته، فداك أبي وأمي ونفسي يا رسول الله فأنت كنبعٍ صافٍ انفجر وسال حناناً ومودة،وأنت كشجرة أزهارها مورقة مثمرة تنتج حباً واحتراماً وتقديراً وامتناناً وأملاً ،فما أعظم رقتك ورحمتك وعطفك وحبك وإحسانك بزوجاتك.

2019-11-09
المشرف العام