في ضيافة الشرطة

بقلم: عبد الرحمان بلعياشي

كان لا بد من سبب لأكون في ضيافة الشرطة، وتحديدا مصلحة الديمومة، لأرى وعن كثب بعض ما يدور حولنا، في الفضاءات العمومية المشتركة، من شوارع وأزقة وأسواق ومحطات الحافلات والتاكسيات وحدائق ومنتزهات وشواطىء وفي البيوت وغيرها. أمور تقع أحيانا أمام أعيننا أو في محيطنا دون أن نكترث أونلتفت إليها، أو حتي أن نعطيها الإهتمام اللازم بحجة أنها تدخل في خانة الروتين اليومي.

كان لابد من هذه الزيارة الخفيفة والمفيدة لأشاهد بأم عيني عينات متنوعة تعكس بعض ما نتخبط فيه من مشاكل، وأعاين مظاهر بعض الظواهر المتفشية في مجتمعنا ومتاهات وضعنا أنفسنا فيها وأصبحت الأخطبوط الذي يشل حركتنا وسلوكياتنا وتفكيرنا.

كان لا بد لي أن أحل ضيفا على مخفر الشرطة لأعاين بأم عيني عرضا مقتضبا ومختصرا لما هو عليه الحال في المجتمع. لكن أيضا كان لابد لي من هذه الضيافة لأرى كيف تعمل أفراد الشرطة المداومين وكيف تتعامل مع الحالات الواردة عليها طوعا وتلقائيا، أو تلك التي تقوم دورياتها برصدها في الفضاءات العمومية وفي مختلف الأوقات وبدون توقف. رأيت أعدادا هائلة من هذا الجسم الذي لا يمل ولا يكل ويعمل بانسجام مع بعضه البعض.

كان لابد من أن أتعرض لسرقة “بسيطة” لأضطر ككل مواطن أن أتوجه إلى مصلحة الديمومة للتبليغ عنها، وتحرير محضر عن الواقعة، والتي تسمي في القاموس المتداول ب”السرقة الموصوفة”. لا أعرف تحديدا المعنى الإصطلاحي والقانوني لهذه العبارة، لكن من باب الضحك كنت، بل كنا دائما نفهمها اعتبارا من معناها الحرفي. هل هي فعلا موصوفة؟ وبأي معنى؟ على كل حال “وصفت” الواقعة كما رأيت آثارها عندما ذهبت إلى مسرحها الذي ليس سوى سطح بيتي. حيث تمكن لص من التسلل إلى سطوح مجموعة من البيوت انطلاقا من دار غير منتهية البناء تتوسط هذه المجموعة، فسرق ما تيسر له من أنابيب نحاسية. قام اللص بالتسلل أمام أعين الجميع لأنه اقترف فعلته المشينة في واضحة النهار مستغلا وضع البيت الحالي، دون إثارة انتباه أي كان. وسيعتقد من انتبه إليه أنه عامل كلفه صاحب البيت بالقيام ببعض الأعمال أو الحراسة أوما شابه ذلك. لذلك قام بفعلته وهو مطمئن البال ومرتاح الضمير. غير أنه غفل عن أشياء أخرى ستضع الحبل على رقبته. إذ لا توجد جريمة كاملة كما هو معروف ومتعارف عليه ومؤكد بالحجج والبراهين، من خلال نماذج عرضت فصولها على أنظار المحاكم أو عاينناها في المسلسلات والأفلام سواء في التلفزيون أو السينما أو حاليا عبر الأنترنيت.

كنت إذن في حضرة الشرطة ولهذا السبب، ويا له من سبب….!! ذهبت إلى مخفر الشرطة وأنا متأكد أنني أمارس واجب الموطنة تجاه هذا الجهاز فأساعده أنا وكل من بلغ عن جرائم أخرى وقعت له أو من حوله في البحث والتقصي لمعرفة السارق والقبض عليه ومن يشتركون معه في الجريمة وتقديمهم للعدالة لينالوا العقاب المستحق لعلهم يتوبون ويصبحون بعد ذلك مواطنين صالحين لا يتعدون حدود البلاد والعباد؛ وتجاه المجتمع، لأن صمتنا ولا مبالاتنا تضره، أي المجتمع، أكثر ما تنفع الضحية، الذي عادة ما يحول بينه وبين ذلك، الخوف وتبعات الإبلاغ؛ أي ما قد يتعرض له من مضايقات من الجاني أومن أقربائه للتنازل عن المتابعة ومن الإنتقام عند انقضاء مدة العقوبة وإطلاق سراح الجاني.

كان اليوم يوم سبت، وبعد الظهر، حيث حركة المرور خفيفة بينما يخلذ معظم الناس إلى قيلولة مريحة علها تجعل مزاجهم عاليا لقضاء أمسية سبت جميلة، كل بالطبع حسب ميولاته وطبيعته وإمكانياته. ,لهذا كان وصولي إلى مصلحة الديمومة ميسرا حيث لم تستغرق الرحلة سوى بضع دقائق. وأنا في محيط مركز الشرطة تغير الوضع إذ انتقلت من حالة الهدوء السائد نسبيا في الشوارع الأخرى، إلى حالة تتسم بالحركة رغم أن اليوم يوم سبت. الشرطة جهاز لا يعرف السبت أو الأحد؛ مادام المجتمع يتحرك ويقض، فالشرطة أيضا كذلك، لا تنام ولا تتوقف عن العمل.

سجلت أفراد من الشرطة بزيها الرسمي اسمي ورقم هويتي في سجل وضع فوق طاولة مستديرة مباشرة بعد ولوج البوابة الخارجية، ووجدت نفسي بعد خطوات قليلة أمام مصلحة الديمومة، وهي عبارة عن صالة فسيحة بها موظفون بالزي المدني يزاولون عملهم كل حسب تخصصه. ورأيت أشخاصا، مواطنين مثلي، جالسين في مقاعد وضعت في بهو الصالة الفسيحة. رجال شرطة بالزي المدني يدخلون ويخرجون ويتكلمون في أجهزة الراديو اللاسلكية أحيانا، وأحيانا أخرى يستمعون إلى ما يجري من مكالمات بين أطراف متعددة أو يتلقون تعليمات؛ وأحيانا أخرى يتكلمون فيما بينهم مثنى أو ثلاثى، دون أن ينقطعوا عن العمل. المسدسات والأصفاد المتبثة على أحزمة سراويلهم، ترى للعين وبالعين المجردة من تحت ملابسهم المدنية. لا ينقطعون عن العمل، فهذا يدون أقوال المبلغ أو المتهم في محضر رسمي، وذاك يدون الصادر والوارد في سجلات ضخمة، والآخر يجري مكالمة هاتفية ويتقصى أمورا لها علاقة بالحالة التي بين يديه؛ وكل ذلك في جدية لا تخلو من حين لآخر من قمشات تقتضيها طبيعة العمل وطبيعة المرتادين والقضايا التي من أجلها استقدموا إلى مصلحة الديمومة. رأيت في عملهم خلية النحل التي لا يكل أفرادها من العمل، والكل يقوم بمهمته دون الإخلال بمهام الآخرين، وفي الأخير يتكامل عمل الجميع فتتراءى النتيجة للجميع. رأيت وعاينت في تلك الصالة المتوسطة الحجم، التي يوجد في طرفيها مكاتب وصالة استقبال، عينات مما قد يكون السبب في أن يجد المرء نفسه وهو يحرر محاضر يضع فيها رواية قد تشفع له أو لغيره، أو تدينه أو تدين غيره، تبعا للوقائع والأدلة التي تقدم ضده أو لصالحه.

الشرطة لا تتوقف، حركتها الدؤوية داخل المصلحة تعكس حركيتها وديمومتها في الشوارع والأزقة والأحياء وكل أطراف المدينة. كل دخول لأفراد جديدة يعني حالات جديدة وقعت وتم رصدها في إحدى هذه الفضاءات. وأسمع عند كل حالة وافدة على المصلحة عبارات تصفها وتحيل عنها من قبيل: الحيازة، السرقة الموصوفة، الإعتداء، السرقة عن طريق الهاتف، وغيرها. هي ليست قضايا من الحجم الكبير أو الخطير التي تمس مثلا بالنظام العام أو أمن الدولة أو الإرهاب أو خيانة الأمانة أوإفشاء السر المهني أو تبديد المال العام، التي تستحق فعلا كل هذا الإستنفار. غير أنه بالنسبة لخلية الشرطة المداومة، المسألة تدخل ضمن الروتين اليومي، و تعكس انشغالات الكثير من المواطنين الغير المحظوظين اليومية. ورغم ذلك فالتعامل معها يجب أن يكون بنفس صرامة التعاطي مع القضايا الكبرى.

في المقعد الخلفي والمحادي لحائط غرفة الإستقبال، والتي تستعمل أيضا على ما يبدو لتحرير المحاض، أسمع صوتا صبيانيا ذو رنة مميزة يردد نفس العبارة ويصدر نفس الحركات والإشارات. عندما سأله أحد الموظفين عن اسمه تفوه باسم يبدو أنه ليس اسمه ويغمز في وجه كل من تلتقي نظراته بنظراته طالبا بذلك تأكيد الإسم الذي ما فتىء يردده عند كل سؤال. وكان يبدو لي في تلك اللحظة أنه من مدمني المخدرات لأنه عندما يتكلم لا يتوقف عن الكلام و يضحك لدرجة القهقهة و يردد نفس العبارات التي حفظها عن ظهر أو تعوّد ربما على قولها كل ما حل ضيفا على مصلحة الشرطة. وكان أيضا يبدو من خلال ملامحه أنه قاصر. لم يتوقف الولد عن الكلام والضحك والإستهزاء خاصة من موظفي هذه المصلحة. يستفزهم بنفس العبارات التي يبدو أنه حفظها عن ظهر قلب، وبعينيه يبحث عن تعاطف ضيوف المصلحة من مواطنين مثلي. لا يكف عن الضحك والكلام. لم يكترث موظفو الشرطة له من شدة تعودهم على حالات من هذا القبيل، وبالتالي لا تشكل لهم أي مشكل أو عقدة، بل أحيانا قد تكون مصدر تنفس وفسحة للترويح عن النفس. لم يتوقف الولد عن تكرار نفس الحركات والكلمات والعبارات وبنفس السخرية والتهكم. ويدعي أنه مغني ويتهمهم بالحسد لعجزهم عن الغناء؛ وأنهم يحسدونه لأن حياتهم كلها وشايات واعتداءات على المواطنين وعلى ممتلكاتهم، وأنهم فاسدون لأنهم يتلقون الرشاوي. فطلب من أحدهم يبدو أنه في الخمسينيات من عمره أن يتركه وشأنه ليعيش حياته أما هو، أي الشرطي، فليذهب ليتوب عما اقترفه في حياته من ذنوب.لم يتوقف عن الكلام وعن نفس الحركات والنظرات فضننته تناول أقراصا مهلوسة جعلته في مستوى من الحيوية والنشاط يستحيل أن يكون عليها في الحالات الطبيعية. وبالتالي فهو لا يعي ما يقول ولا يعي عواقب ما يقول. الشرطة أيضا فهمت واستوعبت ولم تبد ردة فعل سلبية أو عنيفة تجاهه بل استمرت في عملها الروتيني في استقبال الوافدين وتحرير محاضر والتدوين في سجلات كبيرة، الواردات والصادرات وإجراء الإتصالات. لكنه هو، الولد الصبي المشاغب، لم يتوقف عن الكلام. وحتى عندما هممت بمغادرة المصلحة لم يتوقف عن الكلام وأضنه استمر في ذلك إلي حين المناداة عليه لتحرير المحضر وإحالته ربما على الجهة المختصة إن استدعى الأمر ذلك. في نفس الوقف رأيت سيدة عجوز ترافق ابنتها أو حفيدتها تلجان القاعة الفسيحة وتشرحان لأحد الموظفين مشكلتهما التي تريدان أن تبلغا بها أو عنها. رأيتهما ترويان قصتهما وبين يدي الفتاة بطاقة تعبئة الهاتف تعبث بها ربما تعبيرا عن ترددها أو خوفها واضطرابها النفسي. سمعتهما تقولان للضابط أنهما وقعتا ضحية أولائك الأشخاص أو الشركات التي توهم الناس، المتصلين بالهاتف، بالفوز بجوائز مالية مهمة. تبسم الضابط الذي يقوم بأخد أقوالي وعلق بصوت منخفظ وقال لي: الأمية!! وأضفت أنا: والفقر!!. متى اجتمعت الأمية بالفقر تحدث مصائب وكوارث. الفقر يجعلك تؤمن بكل ما قد تظن أنه منقذك منه. وبالتالي تسقط الأخلاق والمبادىء والشعارات والتوابث والمقدسات. الفقر يقضي عليها بضربة قاضية واحدة ووحيدة. الجهل يعطل كل آليات التفكير الغير موجودة أصلا. يعطل التريث والتعقل والتبصر. الجهل والفقر حليفان في الضراء قبل السراء، يشكلان ثنائية مضمونة الكوارث والمآسي. ثنائية الشر بامتياز، تأتي على الأخضر واليابس. لا تقبل القسمة ولا تقبل الحكمة.

أفراد شرطة آخرون يدخلون أشخاصا آخرين وقصص جديدة ومتجددة، قديمة ومتكررة، قصص عادية روتينية يومية، لكنها تدب في مصلحة الديمومة حيوية وحياة ونشاطا. قصص تشغل جيشا من الشرطة، تتعقب وتترصد وتراقب حركات وسكنات الشارع العام. همها الوحيد هو أن يسود النظام والأمان، وضمان شروط أمن السير والجولان. والمواطن العادي في الشارع يجهل التكلفة ويتمادى الكثيرون في “تعنترتهم”.

كان لابد أن أتعرض للسرقة، وكان لابد أن أحل ضيفا على مصلحة الشرطة، لأقف ومن جديد على تناقضات مجتمعنا وأزمته. تناقضات تنم عن خلل في المنظومات المجتمعية، الأخلاقية منها والتربوية وغيرها. خلل يسائل مدى نجاعة هذه المنظومات ومدى مسايرتها للتحولات التي وقعت في تركيبة المجتمع في العقود الأخيرة ونلمس جليا آثارها السلبية من خلال سلوكيات جديدة وغريبة ودخيلة طفت وطغت على الفضاءات المشتركة.

2019-11-28
مصطفى جلال