محسن محمد محمود : لا أحب فصل الخريف…. تحليل أدبي لحالة نفسية

لا أحب فصل الخريف, أشعر انه فصل موحش وفصل مخاض فيه يعتل بدني وأصبح قليل الصحة ومشوش الأفكار, على امتداده يرافقني شعور بالكآبة والإحساس بالوحدة, فصل لا يستقر على حال, شمس نهاره حارقة وليله بارد, لا أدري لماذا أعتبره فصل غم ونكد, كرهي له يخلق دوافع عديدة لدي لدخول في منولوج داخلي, إلى هذه اللحظة لم أصل إلى نتائج مقنعة, وبقيت جل أسئلتي معلقة لا إجابة عليها, يميل بنفسي إلى شعور بالحزن وقلة الحيلة, بالنسبة لي الوضع أصبح لا يطاق.

قبل أن يغزوني فصل الخريف بمشاعره الجافة, كنت انطوائيا منعزلا قليل التجارب الملموسة لكنني كنت قوي الحدس, يساعدني حدسي في تجاوز بعض المواقف وفهم البعض الأخرى حتى قبل حدوثها.

في فترة من مراحل دراستي الجامعية فرض علي الخروج من عزلتي والاحتكاك بالآخر, الآخر بالنسبة لي كان المجهول بعينه, ومع اتساع دائرة الاحتكاك والاختلاط ازدادت دهشتي من طبيعة البشر, وجدت نفسي غريب عنهم, أرى أننيلا أشبههم, عولهم هم تشبه الخريف

يشبهونه في تفاصيل كثيرة يعيشون مخاض دائم, لا يستقرون على حال كأيام الخريف تماما.

أمي كانت مجتمعي هي الوحيد, تعلمت من أمي أكثر وأحسن من المجتمع.

منذ طفولتي كانت أمي تردد على مسامعي مثل شعبي متواتر”اليد التي لا تستطيع قطعها, قبلها” هذا المثل بعينه لبس على سجيتي من شيء, ترفضه ميولاتي وطبائعي كان أول إحساس بالانقلاب على مجتمع أمي.

على الرغم من سلمية سلوكياتي إلا أنني أكره الخنوع والانهزام ككرهي لأيام الخريف.

أمي هي معلمتي وملهمتي لكنني لن اقبل يدا استعصى عليه قطعها. وبينما أنا تلميذ في مرحلة الابتدائي, كان بيتنا يقع في حي هو بؤرة للمجرمين والصعاليك.

كانت أمي دائمة تحذيري من مرافقتهم,كنت أذهب إلى المدرسة لوحدي دون رفيق أوعود منها لوحدي دون رفيق, حتى الوحدة كانت تزعج البعض, صاحب البقالة الذي كان متجره بجانبنا كثير الثناء علي, دائما ما كان يضرب لأولاده المثل بي, لم يكن يروق لي ذلك, بعض صعاليك حارتنا كان يرمقونني بنظارات لا تطمئن.

في أحد الأيام اعترض سبيلي اثنان من أبناء حيينا, واحد يكبرني بسنوات والثاني في نفس سني, الأول له باع طويل في البلطجة والثاني كان يتلمس خطواته الأولى في هذا المسار, بدون سابق إنذار أشار صاحبنا الأول إلى الثاني ذو البشرة السمراء بأن ينقض علي ويشبعني ضربا, ضل التشابك بيننا سجال إلى أن أوقعته أرضا فلم يكن لصاحبنا الأول سوى أن ركلني ركلة قوية أخل بها توازني وقلب بها نتيجة المعركة.

لم أخبر أحدا بالموضوع, غير أن هذا الحدث كبر معي كلما تقدمت في السن. بعضهم يضمر مشاعر الحقد والكراهية فقط لأنك لا تشبههم, أنا لا يمكنني أن أشبه الخريف أبدا, لن أكون على شاكلتهم, صاحبنا الأول هو والخريف وجها لعملة واحدة, يحملان في أحشائهما الغذر والبؤس والضياع.

لم أكن ضعيفا بالقدر الذي سيجعل حدثا كهذا ليهزني, أمي تستشعر أحوالي النفسية دون أن أتكلم, ترفع معنوياتي سريعا, هي خبيرة في هكذا أشياء.

صاحبنا الأول كلما أتى يشعر بعدم التكافؤ يرتبك كلما صادفني حتى وإن كبرنا, مرة يلقي التحية وعشرة لا. تشتد عقدة النقص لدى الكثير من البشر كلما صنع أحدهم تمييزا, بالنسبة لي كنت أشعر بالنشوة وأنا أصادف في حياتي من على شاكلة صاحبنا الأول.

لا أفهم لماذا, لكن في كثير من الأحيان تحتفظ ذاكرتي ببعض المواقف لا أعرف كيف لتبقى عالقة بها, لا أدري إن كانت هذه المواقف مترابطة فيما بينها أم أنها مواقف عشوائية لا تمت لبعضها بصلة.

مرضت أمي ولازمت الفراش وكان طبيعي أن يزورنا الأقارب والجيران للاطمئنان على حالها, ومن بين الزوار كان قريب لنا, قصير القامة, مكتنز اللحم, جاهل وأجوف, هذا الزائر كان يميز نفسه بشيء واحد وهو أنه يطرق الباب بقوة وهمجية وعن قصد.

وعلى الرغم من أننا أبدينا تضايقنا من طريقة طرقه للباب مرارا بأسلوب لطيف, إلا أنه كان يعيدها في كل مرة, بالنسبة لمثل هكذا أصناف فإن طرق الباب بهذا الأسلوب هو جزء من فرض الشخصية الذي يمنح الهيبة حتى وإن كان من وراء هذا الباب مريض يحتاج الهدوء والراحة. لا تفسير لهذا السلوك سوى أنه رد فعل نفسي لا شعوري يعبر فيه صاحبنا هذا عن عقدة النقص والدونية النفسية والاجتماعية ومحاولة تعويضها بإظهار العدوانية على ظهر الباب.

تقول نوال السعداوي : إن مثل هذه الممارسات يسمى في الطب النفسي “بالحيل اللاشعورية لتعويض النقص ” أو عمليات ” الدفاع اللاواعية عن الذات المجروحة” بإشاعة صفات الكمال والسمو والقوة باللاوعي وخداع النفس والآخرين والاستمرار في الكذب حتى تصديق النفس والاستراحة راحة مزيفة.

قال لي قريبي إن ما فعلته فلانة( إحدى قريباتي) بأن امتنعت عن مناداتك لأعراس أبناءها هو فعل مقصود ويتم عن سوء نية, لم أكن أريد في إجابتي أن أمكنه من رأي حقيقي عن هذه الواقعة غير أنني تحججت بكوني لم أكن بخير في تلك الفترة وأنا من قرر عدم الذهاب, فرد قائلا بنبرة غاضبة, لكن وجب عليها أن تقوم معك بالحد الأدنى من الواجب وتتصل بك هاتفيا, فقلت له إن ولائم اليوم لا تغري لأنها تكشف عن اختلال المفاهيم وتعري عورة التفكير السائد لدى المجتمع, ولم تعد سوى فرصة لطبقة مجتمعية دنيا بأن تظهر بمظهر طبقة أعلى منها, المناسبات والأعراس يا أخي لم تعد إلا وسيلة للاستعراض الاستهلاكي وفرصة للتبجح بمكانة اجتماعية, لا أساس لها من الواقع.

فإذا كان فصل الخريف معروف بتعرية الأشجار من أورقها فإن مجتمعنا يفضح عقد النقص والدونية التي تميز سلوكاتنا ونمط تفكيرنا.

*باحث في قضايا التراث والمجتمع الحساني

2019-12-09 2019-12-09
سكينة العلمي