لغو صاحب الملايين السبعة!

على خلاف ما كنا نعتقد وغيرنا من أنه سيقوم بترويض نفسه الأمارة بالسوء على الاستقامة والكف عن اللغو، ويسارع في ما تبقى له من سنوات عمره إلى مغفرة من ربه والاعتذار علنا للشعب المغربي عما فعلت به قراراته الظالمة وخياراته الفاشلة خلال قيادته حكومته المشؤومة، من حيث ضرب القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة والإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية من إضراب وتقاعد ووظيفة عمومية ومجانية التعليم وغيرها كثير، يأبى عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية “الحاكم” رغم حصوله على معاش مريح، إلا أن يتمادى في غيه واستفزازته ويواصل إرسال قذائفه الحارقة والعشوائية يمينا وشمالا لا يفرق بين عدو أو صديق.

فالرجل الذي حالفه الحظ واستطاع بعد قضاء خمسة سنوات عجاف في قيادة حكومة يشهد لها المغاربة بالفشل المبين، أن يظفر بما لم يتمكن من تحقيقه الكثير من أبناء الشعب الشرفاء طوال حياتهم المهنية، إذ استفاد من الحصول على سيارة فاخرة دون مقابل ومعاش استثنائي بقيمة سبعة ملايين سنتيم شهريا معفى من الضريبة ومن غير أن يساهم فيه ولو بفرنك واحد، فضلا عن معاشه العادي وتشغيل إحدى بناته في الأمانة العامة للحكومة ضد باقي الشباب المعطلين. وعوض أن يحمد ربه على كل هذه النعم التي حباه بها ويبادر إلى التكفير عن سيئاته، فضل الاستمرار في غروره وغطرسته تارة في محاولة استغباء المواطنين وأخرى في تصفية حساباته الضيقة مع من يراهم سببا في إزاحته من منصبه، ضاربا عرض الحائط بما ينبغي لرجل دولة أن يكون عليه من تحفظ واحترام المؤسسات وتقدير جهود الآخرين…

فأي استغباء أكثر من أن يعود من زعم ذات خطاب شعبوي إبان رئاسته الحكومة عدم قدرته المادية على إصلاح صالون بيته وتجهيز مطبخه، ليقول في كلمة له أمام جمع من منتخبي الحزب بمقاطعة بني مكادة في مدينة طنجة مع مطلع السنة الجديدة 2020، بأنه يرفض الوقوف بين يدي الله يوم القيامة وبذمته مال لا يستحقه، بسبب تقاضيه أجر أربعة أعوام كان خلالها موقوفا عن العمل. ويستمر في الحديث عن الالتزام بالمسؤولية والتحلي بالثقة والصدق والوفاء؟ فعن أي التزام بالمسؤولية والصدق والوفاء بالوعود، وهو الذي تحلل من كل تعهداته وأخل بوعوده الانتخابية، تملص من مسؤولياته وصلاحياته الدستورية عند قيادته الحكومة؟ وهل من استفاق ضميره فجأة ويرغب في إبراء ذمته يلجأ إلى مثل هذه الأسايب الملتوية، ويقبل بأن يحول إلى حسابه البنكي شهريا مبلغ مالي ضخم من أموال الشعب، كان يفترض أن يوجه إلى تشغيل الشباب المعطلين من ذوي الشهادات العليا أو ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ فأين نحن مما ظل وقياديو حزبه يدغدغون به عواطف الناخبين والتلاعب بعقولهم عن التعفف والزهد والطهرانية ونكران الذات والعمل لوجه الله وتحسين ظروف عيش الفقراء والمعوزين؟

وليت الأمر توقف عند هذا الحد من اللغو والهرطقة، بل تجاوزه إلى ما هو أبعد حيث ارتأى أن يوجه هذه المرة مدفعيته نحو الأساتذة والأطباء، ويشن عليهم هجوما عدوانيا محملا إياهم مسؤولية تردي أوضاع قطاعي التعليم والصحة، معتبرا أن معظم المشاكل المطروحة تعود بالأساس إلى وجود عدد كبير من المقصرين والمتقاعسين، زاعما أنهم لو كانوا يضطلعون بمهامهم ويقومون بواجباتهم التربوية والمهنية على أحسن وجه ووفق ما تمليه عليه ضمائرهم، لاستطاعت الدولة أن تتخلص من عبء نصف المشاكل المطروحة… وهو بذلك لا يريد سوى الهروب إلى الأمام وتجنيب حكومته وسابقاتها تبعات ما آلت إليه الأوضاع من تدهور فظيع ليس فقط في القطاعين السالفي الذكر، وإنما في جل القطاعات، بسبب سوء التدبير وعدم تفعيل مقتضيات الدستور من حيث الشفافية وربط المسولية بالمحاسبة…

فذو الملايين السبعة الذي ليس له ما يتغنى به من إنجازات حقيقية، يكاد منذ إبعاده في مارس 2017 عن مهمة تشكيل حكومته الثانية، لا يتوقف عن كيل الاتهامات للآخرين ومحاولة إلهاء الشعب عن جوهو الحقيقة، ناسيا أنه لا يمكن له مهما أوتي من دهاء تضليل المغاربة باختلاق مشاكل كاذبة. ألم يكن حريا به امتلاك الجرأة والإقرار بما اقترفه وقياديو حزبه من أخطاء فادحة، من خلال تسامحه مع المفسدين وهجومه على القدرة الشرائية للمواطنين والتشكيك في كفاءة ونزاهة الأساتذة والأطباء وسواهم، وهو يعلم أكثر من غيره أن هذين القطاعين الحيويين يعانيان معا منذ عقود من اختلالات بنيوية وهيكلية على مختلف المستويات منها المؤسساتية والمالية والتنظيمية والتدبيرية… ويحتاجان إلى مراجعة جذرية وحكامة رشيدة وموارد مالية وبشرية كافية وتجهيزات لوجستية، وإلى نموذج تنموي حقيقي يضع في صلب اهتماماته العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص بين مختلف فئات الشعب؟

إن مشكلتنا الكبرى في هذا الوطن الذي يقولون عنه بأنه من أجمل بلدان العالم ومغرب الاستثناء، هي غياب روح المواطنة الصادقة والحس بالمسؤولية والإرادة السياسية القوية في الإصلاح والتغيير، وانتشار داء “الانتهازية” اللعينة في صفوف الكثير من السياسيين من منتخبين ووزراء وموظفين إداريين، حيث لم يعد يهمهم سوى التهافت على المناصب والمكاسب والحقائب وتحقيق مصالحهم الذاتية، على حساب المصلحة العليا للوطن وأبنائه، مستعملين في ذلك كل أشكال المكر والخداع والتضليل وحربائية المواقف واستغلال الخطاب الديني وشراء ذمم الناخبين…

اسماعيل الحلوتي

2020-01-11 2020-01-11
المشرف العام