أخبار بلاديسلايدر

من ذكرى 11 يناير..وطني صادق طاله النسيان

علي هرماس

مفكر سياسي، رئيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (المنشق عن حزب الاستقلال )، عرف بالرزانة السياسية والحنكة والنبوغ الفكري والإنتاج الفلسفي، اعتبر من ذاكرة الفكر السياسي المغربي الذي تم التكتم عنه بالصمت، تقلد عدة مناصب ووشح بعدة اوسمة. ولد سنة 1918 بتامصلوحت ناحية مراكش، حيث ترعرع بوسط عائلي بسيط، التحق بـالكتاب القرآني قبل ولوجه مدرسة ابتدائية حرة أنشأها الباشا الكلاوي سنة 1922، في الثلاثينات أصبح معلما بإحدى المدارس بمراكش، ثم تابع دراسته العليا بجامع ابن يوسف الذي درس به على يد شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، حيث نال شهادة العالمية في سنة 1945 تحت إشرافه ، ثم التحق بفرنسا لاستكمال تكوينه العالي بجامعة السوربون ومعهد الدراسات الشرقية بباريس، انه الوطني الصادق مولاي عبد الله ابراهيم وان طاله النسيان، فجليل أعماله خلدت طيب ذكره للتاريخ على كل لسان.

بعد ذهاب عبد الله إبراهيم إلى باريس غالبا ما كان يقضي نهاية الشهر في ظروف جد قاسية، عاش في محل اقتناه عبد الهادي الديوري لجعله رهن إشارة الطلبة المغاربة، وبه قطن عبد الرحمن اليوسفي وامحمد بوستة وأحمد العلوي بنجلون والمهدي بنعبود وغيرهم، هناك احتك عبد الله ابراهيم بمجموعة من التيارات الفكرية اليسارية والوطنية، مكنته من بلورة نموذج فكري يزاوج بين ما راكمه كثقافة عربية اسلامية، وانماط الفكر الغربي التي تدعو لاستخدام العقل والاحتكام للمنطق، جاء ذلك في كتابه “الإسلام في أفق سنة ألفين” الذي يعتبر قراءة تدعو إلى أن يتبوأ العقل درجة من التقدير والاحترام، تسمح بالتجديد والاجتهاد وتخويل النصوص جميع الدلالات التي تستلزمها دينامية تطور المجتمع، كما ساهم في التنسيق بين الحركات الوطنية المغربية والمغاربية، وإرساء الدولة الوطنية التي من شأنها احتضان الفاعل السياسي والمجتمع المدني، تجربة ظلت تراوده كأمل وطموح حاول تنزيلها بالمغرب.

قال عنه محمد الحبيب الفرقاني بهذا الخصوص، “لقد ذهب أستاذنا إلى فرنسا شخصا معينا، ليعود منها شخصا آخر في أفكاره وتوجيهاته ومنهجياته، مما أسدى لنا جميعا خدمات شتى في مختلف فروع المعرفة”، وكان من مآخذ عبد الله ابراهيم على حزب الاستقلال وقيادته بعد مغادرته الصف الحزبي من دون قطيعة سياسية، ضعفه الفكري وافتقاره لرؤية واضحة المعالم بعيدا عن هيمنة منطق “الزاوية” في العمل التنظيمي.

إلتحق بالنضال وعمره لا يتجاوز 16 سنة، ليصبح مسؤولا في المجلس الأعلى لكتلة العمل الوطني فيما بين 1934 و 1936 ليتوجه مساره الوطني كواحد من الموقعين على عريضة 11 يناير 1944.

اذا كان علال الفاسي يعتبر في ادبيات حزب الاستقلال زعيما سياسيا، فعبد الله ابراهيم اعتبر قائدا وطنيا، لذلك ظلت الحكومة التي ترأسها تحمل اسمه حتى الآن اعتبارا لاتساع فكره، وتعدد مشاربه، وتنوع مجالات اهتماماته فكرا وممارسة ومبادئ شخصية تابته ومواقف سياسية راسخة ، على امتداد سبعين سنة، باعتباره عاش الكثير من التجارب وخبرها منذ السابعة عشرة من عمره.

لم تعرف أي حكومة في تاريخ المغرب وعددها حتى اليوم- 30 حكومة – الشهرة التي اكتسبتها الحكومة الوطنية التي اشتهرت باسم رئيسها الراحل الأستاذ عبد الله إبراهيم- توفي عام 2005 – و ذلك نظرا لجليل أعمالها الاقتصادية والاجتماعية و القانونية ،ورسمها لأول مرة في تاريخ المغرب برنامج عمل حكومي عرف باسم سياسة المخطط .

يقول عبد الله إبراهيم :” مبدئيا أنا لم أكن أبحث عن المناصب، بل هي التي كانت تبحث عني، ذلك أن الثوابت الوطنية تمنعني من قبول أي منصب بدون اقتناع كامل، غير أن الملك محمد الخامس خلال هذه المرة كان يدعوني بإلحاح للتعاون معه باعتبار ذلك واجبا وطنيا يعلو فوق كل شيء”.

تحت ضغط والحاح من المغفور له محمد الخامس شخصيا وشيخ الاسلام محمد بالعربي العلوي، قبل عبد الله ابراهيم منصب كاتب دولة مكلف بالأنباء وناطق باسم الحكومة، في أول تجربة سياسية مغربية مباشرة بعد الاستقلال، وهي أول حكومة في مغرب الاستقلال، علما أنه لم يتكلم بهذه الصفة إلا مرة واحدة . في الحكومة الثانية التي ترأسها البكاي أيضا، اضطلع عبد الله إبراهيم بوزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، والتي دخل خلالها في صراعات مريرة مع الموالين للاستعمار وأصحاب رؤوس الأموال، حكومة على مقاس محميي الاستعمار المعمرين الجدد المناهضين لوضع أول تشريع وطني لممارسة العمل النقابي وقانون الحريات العامة تبناه عبد الله ابراهيم من منصبه الحكومي.

أسند لعبد الله إبراهيم منصب وزير الشغل والشؤون الاجتماعية، مع العلم أنه رغم مرور أقل من عشرة أشهر على تحمله مسؤولية وزارة الأنباء فإنه استطاع بنجاح باهر تطهير جهاز الإذاعة الوطنية من كافة التقنيين الفرنسيين الذين كانوا يرفضون الخضوع لتعليمات الوزارة، وكانوا يرفضون كذلك بث البلاغات الرسمية والتعريف بأنشطة الحكومة وانجازاتها.

24 دجنبر 1958 عين عبد الله ابراهيم رئيسا لرابع حكومة في تاريخ المغرب ، تابع الرجل نشاطه بحماس يحدوه الأمل بغد مشرق، معتمدا على ثقة ودعم الملك محمد الخامس، وعلى الحماس الشعبي الكبير الذي كانت قرارات حكومته تحظى به لدى مختلف الفئات الشعبية، وإذا كانت حكومة عبد الله إبراهيم مشكلة من 11 وزيرا، فإنه كان شخصيا يزاول إلى جانب مهام الرئاسة مهام الداخلية ومهام وزارة الخارجية والإعلام والسياحة عند غياب إدريس لمحمدي خارج البلاد، فكان لا ينام سوى أربع ساعات يوميا، مما أثر على صحته تأثيرا كبيرا جعله يتردد لاحقا لفترة طويلة على المستشفيات بعد إقالته.

تولي عبد الله ابراهيم رئاسة الحكومة كانت بالنسبة له فرصة لتوظيف دكائه وتراكم تجاربه لتقويم بعض التنازلات السياسة والأخطاء التفاوضية التي أحاطت بتوقيع اتفاقية اكس ليبان، اتفاق وقع عليه وفد حزب الاستقلال المفاوض كان يقضي بضمان استقلال نوعي بالمغرب، أو ما كما خطط له الفرنسيون «الاستقلال داخل التبعية» Indépendance dans l’interdépendance استقلال مشروط بالتبعية الاقتصادية لفرنسا.

طالب عبد الله ابراهيم بتحرير الاقتصاد من قبضة الفرنسيين الذين بقوا بعد الاستقلال، وانشأ قطاع عمومي يلعب دور المحرك لقوة الدفع التي يستلزمها الاقلاع الاقتصادي للمجتمع المغربي الفلاحي بالدرجة الأولى، فتأسس المركب الكيماوي بأسفي، وإنشاء وحدات صناعية من أجل تركيب وصناعة الشاحنات (اتفاقية المغرب ـ بيرلي) ، إنشاء وحدة صناعة العجلات (اتفاقية جنرال طاير)، وصناعة مركب للوحدات النسيجية ( كوفيسط بفاس)، والاتفاق مع الإيطاليين لبناء محطة لتكرير النفط بالمحمدية (سامير) ، اتفاقية ماطيي التي كانت في طور الإعداد لتركيب وصناعة السيارات (صوماكا)، تأميم مناجم جرادة والشركة الشريفة للبترول، تأميم استيراد الشاي والسكر وبدء العمل بتعريفة جمركية جديدة، تركيب الجرارات وصناعتها (اتفاق لابورليي)، كان هدف عبد الله ابراهيم من انشاء هذا المصنع هو الرقي بالفلاحة المغربية التي يحترفها ثلثي المغاربة وتطوير أساليبها من استخدام الأنماط التقليدية كالمحراث الخشبي والدواب الى الوسائل العصرية كالجرار والمحراث الحديدي، لضمان رفع الانتاج وتأمين الاحتياط الغذائي وتنوعه مع حماية منتوجاتنا الوطنية.

بموازاة تطلعات المجال الفلاحي توجه عبد الله ابراهيم نحو التفكير للتأسيس لتوجه صناعي بإحداث معمل الصلب والحديد بالناظور وورشة بناء السفن بالحسيمة بشراكة مع الإتحاد السوڤييتي ،على أن يصبح المشروعان بعد عشر سنوات مغربيان مائة في المائة، بعد إمضاء الإتفاقيات إتصل الجنرال آيزنهاور، رئيس الولايات المتحدة، برئيس الحكومة المغربية عبد الله إبراهيم لتحديد لقاء بينهما، مباشرة عقب اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لسنة 1959م، أثناء اللقاء الذي جرى بالبيت الأبيض، صرح الرئيس الأمريكي لضيفه عن اعتراضه، وبقية المنظومة الأطلسية، على تواجد الإتحاد السوڤييتي في مدخل بوغاز جبل طارق، و ما يمثله ذلك التواجد من إنشاء قاعدة لحلف وارسو، بذكاء سياسي وحنكة دبلوماسية نفى رئيس الدبلوماسية المغربية عبد الله إبراهيم فرضية تأسيس أية قاعدة عسكرية أجنبية فوق التراب المغربي، وليعرض عليه إنشاء معامل لصناعة الطائرات في الحسيمة، بنفس الشروط الموقعة مع الإتحاد السوڤييتي، ووافق الرئيس الأمريكي على ذلك.

بمجرد حصول التوقيع على عقد الاتفاقية، طالبه بأن تدفع الولايات المتحدة لحكومة المغرب ثمن تأجيرها لقواعد عسكرية في المغرب بأثر رجعي، منذ احتلالها سنة 1942 الى 1963، فأجاب آيزنهاور بأن ثمن الكراء كانت تأخذه الدولة الفرنسية، ليجيبه مولاي عبد الله إبراهيم، بأن المغرب كان تحت نظام الحماية الفرنسية، و كانت هناك دولة مغربية على رأسها السلطان محمد الخامس، و لم تكن تخضع لنظام استعماري ، ليتفقا في الأخير على الإحتكام لمحكمة العدل الدولية، وصدر الحكم لصالح المغرب كي تدفع أمريكا بضعة ملايير ثمنا لتأجير تلك القواعد.

بعد نجاح خطة إسقاط حكومة عبد الله ابراهيم، تراجعت الدولة المغربية، بضغط فرنسي أمريكي، عن كامل الإتفاقيات مع الإتحاد السوڤييتي، لتلغي الولايات المتحدة اتفاقية الشراكة في معمل الطائرات، بل و تتراجع حتى عن اتفاقها مع الرئيس عبد الله إبراهيم ، فقط لو علمنا، أنه في فترة حكومة عبد الله ابراهيم كان الإسبان و البرتغاليون، “يحرگون” للعمل في المغرب، ومن تداعيات ذلك أيضا على المستوى السياسي داخليا، حل الحزب الشيوعي المغربي يوم 10 فبراير 1960.

كشف محمد لومة نادرة غريبة لم يسبقه إليها أحد، ففي نهاية إحدى الجلسات التي جمعت الملك وقادة الكتلة الوطنية فيما بين نونبر 1971 وأبريل 1972، وكان الوقت ليلا، وضع الملك الحسن الثاني سلهامه على عبد الله إبراهيم وهو يودعه على عادته مع كبار ضيوفه كعربون رضا عنهم وعلامة على الارتياح لهم، إلا أن عبد الله إبراهيم بمجرد أن وصل إلى منزله سحب سلهام الملك من على ظهره وسلمه إلى سائق سيارة القصر الملكي، ملتمسا منه إعادته فور رجوعه إلى صاحبه، ولم يتقبل الحسن الثاني رفض هديته فامتلكه غضب شديد، إذ لم يكن متعودا على أن يرفض أحد هداياه.

كما أكد محمد لومة، على لسان عبد الغني برادة، أن عبد الله إبراهيم دأب على رفض إرسال ملفاته الطبية الشخصية والعائلية إلى التعاضدية العامة للتربية الوطنية رغم أنه يعتبر من المنخرطين بها، إذ كان يفضل تحمل مصاريف علاجه وعلاج أسرته اعتمادا على إمكانياته المادية الخاصة رغم واجب الانخراط الذي ظل يقتطع من راتبه الشهري كأستاذ جامعي؛ أكثر من ذلك ظل يرفض على مدى أكثر من ثلاثين سنة تقاضي راتب التقاعد كرئيس سابق للحكومة/للوزراء، وقد تم كشف هذا الأمر حينما أسر محمد كريم العمراني (الوزير الأول السابق) للملحق الصحفي بديوان عبد الله إبراهيم، محمد العلمي، بأنه رفض عرض الملك الحسن الثاني القاضي باستفادته من راتب تقاعدي قدره 70 ألف درهم شهريا وذلك بأثر رجعي، إذ أبلغ الملك أنه يفضل الاكتفاء بأجر تقاعده كأستاذ جامعي.

مارس عبد الله ابراهيم الدبلوماسية الخارجية بحنكة واقتدار، وادارها بدكاء وكفاءة عالية، ولج متاهات السياسة مبكرا، و”اعتزلها” طيب السمعة نقي التلابيب مبكرا أيضا، لعب بصفته الحكومية الدور الأساس والأهم في وضع حكومة ذات برنامج وطني اجتماعي و اقتصادي مضبوط، يتجاوز الخلافات الحزبية والصراعات السياسية والتجاذبات الذاتية التي طبعت عمل جل الحكومات اللاحقة الى اليوم.

رغم أن حكومة عبد الله ابراهيم لم يكن لها طابع حزبي و لم يكن يجمع أعضاءها فكر معين، إلا أن الانسجام حصل بين اغلبهم، وكانت الخطة الأولى إزالة جميع القواعد العسكرية الأجنبية فوق التراب المغربي، تبعها الإعلان عن فصل الفرنك الفرنسي عن الفرنك المغربي تمهيدا لاصدار ظهير شريف أعلن عن تأسيس الدرهم كعملة وطنية، لهذا اصطلح عليها اسم “حكومة الوحدة الوطنية”، لم تعش تلك الحكومة أكثر من 20 شهرا، (520 يوما)، إلا أنها فتحت أوراشا مصيرية في تاريخ الشعب المغربي لم تتمكن أي حكومة، قبلها ولا بعدها من تبني صيغة عمل مماثلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى