أعمدة الرأي

“الأرشيف العامة” بين “حق الاطلاع” و”هاجس السر المهني”

-بقلم: عزيز لعويسي

بعد أن سلطنا الضوء في مقال سابق (مخالفات قانون الأرشيف: أي دور للشرطة القضائية؟) على مخالفات أحكام القانون رقم 69.99 المتعلق بالأرشيف، والصادر بتنفيذه الظهير رقم 167.07.1 في 30 نونبر 2007، وما ترتب عنها من عقوبات زجرية سالبة للحرية، وما تثيره معاينتها من إشكاليات موضوعية، خاصة من جانب الضابطة القضائية، نؤكد في هذا المستوى، أن “الأرشيف العامة” ليست فقط، وثائق لصون التاريخ وحفظ الذاكرة الجماعية، ولكن أيضا، هي وثائق حاملة لمعلومات أو معطيات متعددة المستويات، حرص المشرع الأرشيفي على وضعها تحت تصرف الجمهور وفق شروط معينة، في إطار الحق في الاطلاع على المعلومة، وهي معلومات أو معطيات، تقتضي من الموظفين أو المستخدمين المكلفين بحملها أو المحافظة عليها، التصرف في إطار من السرية والكثمان، بما يضمن المحافظة على “السر المهني”، وعليه، سنحاول من خلال هذا المقال، وضع “الأرشيف العامة” بين الحق في الاطلاع (أولا) وكثمان السر المهني(ثانيا).

أولا: حق الاطلاع على الأرشيف العامة.

نشير ابتداء أن المادة 3 حددت “الأرشيف العامة” في “جميع الوثائق التي تكونها في إطار مزاولة نشاطها: الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العامة، الهيئات الخاصة المكلفة بإدارة مرفق من المرافق العامة، في ما يتعلق بالأرشيف الناتجة عن نشاط هذا المرفق”، وهي أرشيف عامة، حق الاطلاع عليها، تخللته جملة من التقييدات، المرتبطة إما بالأجالات أو بخصوصيات وطبيعة بعض الوثائق الأرشيفية، ويمكن رصد ذلك، حسب المعطيات التالية :

– تظل الوثائق المسلمة إلى “أرشيف المغرب” ومصالح الأرشيف العامة الأخرى، موضوعة بالرغم من أحكام المادتين 16 و17، رهن تصرف الأشخاص والإدارات والهيئات والمؤسسات التي قامت بتسليمها (المادة14).

– يمكن لكل شخص راغب في الاطلاع، دون مراعاة أي أجل، على بعض الوثائق التي توضع عادة رهن إشارة الجمهور، أو على الوثائق التي يرخص قانون خاص بالاطلاع عليها (المادة 15).

– يمكن للجمهور- مع مراعاة لأحكام المادة 15- أن يطلع بكل حرية على الأرشيف العامة عند انصرام أجل ثلاثين سنة من تاريخ إنتاجها، باستثناء الحالات التي نصت عليها المادة 17 (المادة 16).

– يرفع أجل الثلاثين سنة الذي يمكن عند انتهائه، الاطلاع بكل حرية على الأرشيف العامة إلى :

1- مائة سنة:

أ-ابتداء من تاريخ ولادة المعني بالأمر، فيما يتعلق بالوثائق المشتملة على معلومات فردية ذات طابع طبي، وبملفات المستخدمين.

ب-فيما يتعلق بالأصول والفهارس لدى الموثقين والعدول، سجلات الحالة المدنية وسجلات مصلحة التسجيل.

2- ستين سنة:

أ-ابتداء من تاريخ العقد، فيما يتعلق بالوثائق التي قد يمس الاطلاع عليها بما يلي: أسرار الدفاع الوطني، استمرارية سياسة المغرب الخارجية، أمن الدولة أو السلامة العامة أو سلامة الأشخاص، المساطر القضائية والمساطر التمهيدية المتعلقة بها، وكذا سريرة الحياة الخاصة.

ب-ابتداء من تاريخ الإحصاء أو البحث المتعلق بالوثائق التي تم جمعها في إطار الأبحاث الإحصائية للمرافق العامة، والمشتملة على معلومات فردية لها علاقة بالحياة الشخصية والعائلية، وبصفة عامة بالأفعال والتصرفات الخاصة.(المادة 17).

لكن، واستثناء من أحكام المادتين 16 و17، يمكن أن تسمح “أرشيف المغرب “لأغراض البحث العلمي، وبعد موافقة الإدارة الأصلية، بالاطلاع على “الأرشيف العامة” على ألا يمس ذلك، بأسرار الدفاع الوطني أو أمن الدولة أو الحياة الخاصة(المادة 18)، وبالقدر ما نثمن، وضع بعض الوثائق رهن إشارة الجمهور لأغراض البحث العلمي، دون التقيد بالأحكام التي تحول دون ذلك، بالقدر ما نرى، أن التطبيق الأمثل لهذا المقتضى، قد تعترضه بعض الصعوبات العملية، لتوقفه على انتظار “موافقة الإدارة الأصلية” وعدم المساس بأسرار الدفاع الوطني أو أمن الدولة أو الحياة الخاصة، وهي أسرار قد يصعب على “أرشيف المغرب “تحديدها أو تقديرها، ما لم يتم أخد رأي الجهة أو الجهات المنتجة للوثائق الأرشيفية المعنية، وهذا، قد يشكل عرقلة أمام البحث العلمي، بشكل تفقد فيه المادة، أهدافها ومقاصدها في تشجيع الباحثين وإطلاق العنان للبحث العلمي.

ثانيا: هاجس السر المهني.

باستقراء مقتضى المادة المذكورة، يلاحظ أن المشرع الأرشيفي ألزم الموظفين والمستخدمين المكلفين بجمع الأرشيف أو بالمحافظة عليها، بكتمان السر المهني، وهو كثمان تم ربطه حصريا، بالوثائق التي لا يمكن بحكم القانون، وضعها رهن إشارة العموم، وفي هذا الصدد، نصت المادة 13 على ما يلي : يلزم كل موظف أو مستخدم مكلف بجمع الأرشيف أو بالمحافظة عليها، بكثمان السر المهني في ما يتعلق بكل وثيقة لا يمكن قانونيا وضعها رهن إشارة العموم”.

وبالقدر ما تبدو هذه المادة واضحة المعالم ولا تترك أي مجال للشك أو الارتباك، بالقدر ما نؤكد أنها تقتضي أن يكون الموظف أو المستخدم، على بينة وإدراك، بالوثائق الأرشيفية التي لا يمكن قانونا، وضعها رهن إشارة العموم، وإلا سقط في مستنقع “إفشاء السر المهني”، وفي هذا المستوى، قد تسري عليه مقتضيات القانون الجنائي، وتحديدا المادة 446 التي نصت على أن “الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة، وكذلك الصيادلة والمولدات، وكل شخص يعتبر من الأمنــاء على الأسرار بحكم مهنته أو وظيفته، الدائمة أو المؤقتة، إذا افشى سرا أودع لديه، وذلك في غير الأحوال التي يجيز له فيها القانون أو يوجب عليه فيها التبليغ عنه، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة من ألف ومائتين إلى عشرين ألف درهم.”.

وما قد يجعل “السر المهني” يشكل هاجسا بالنسبة للموظفين والمستخدمين المكلفين بجمع الأرشيف والمحافظة عليها، هو أن وضع الوثائق رهن تصرف الجمهور، مرتبط بآجالات محددة، بحسب نوعية وطبيعة الوثيقة الأرشيفية، كما ورد ضمن مقتضيات المادة 17 المشار إليها سلفا، علما أنه يمكن لأرشيف المغرب، أن تسمح بالاطلاع على بعض الوثائق لأغراض البحث العلمي – استثناء لأحكام المادتين 16و17- بشرط موافقة الإدارة الأصلية، وألا يمس ذلك، بأسرار الدفاع الوطني أو أمن الدولة أو الحياة الخاصة(المادة 18)، وكلها معطيات، تفرض على الموظف أو المستخدم المكلف بالأرشيف والمحافظة عليها، تملك أليات الدقة والضبط والحرص المستدام على مواكبة “حياة” الوثائق الأرشيفية، لضبط الأجل الذي يسمح بوضعها رهن تصرف الجمهور، حرصا على الالتزام بالسر المهني، مع التأكيد أن هذ السر المهني، لا يمكن اختزاله في حدود وضع وثيقة رهن تصرف الجمهور خلافا لما ينص عليه القانون، ولكن أيضا، في التزام السرية والكثمان، بعدم إفشــاء ما يصل إلى علمه من معطيات أو أسرار للغير.

عموما وبناء على ما سلف، ستظل “الأرشيف العامة” متأرجحة بين “حق الاطلاع ” الذي يقتضي وضعها رهن تصرف العموم، تجسيدا للحق في الحصول على المعلومة، الذي تعزز بالقانون رقم 31.13، و”هاجـس المحافظة على السر المهني”، بالنظر إلى ما تحمله هذه الأرشيف العامة من معطيات بعضها يلامس الأمن الداخلي والخارجي وبعضها الآخر يرتبط بالحياة الخاصة التي تحميها التشريعات ذات الصلة، مما يفرض الحرص المستدام على عدم كثمان السر المهني، تحت طائلة التعرض إلى العقوبات المنصوص عليها في مقتضى المادة 446 من القانون الجنائي، وسواء تعلق الأمر بحق الاطلاع أو كثمان السر المهني، هي فرصة للتنصيص أن “المؤسسة الحاضنة لأرشيف المغرب” (مؤسسة أرشيف المغرب)، تبقى مطالبة بإخضاع موظفيها ومستخدميها إلى التكوين المستمر بشكل مستدام، للارتقـاء بمستوى قدراتهم المعرفية وكفاياتهم المهنية والمهاراتية، بما يضمن تدبير أمثل وأنجــع لأرشيف عامة، صونها وحمايتها، هو صون للتاريخ الوطني ورعاية للهوية والتراث وحماية للذاكرة الجماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى