غصة القوميين المغاربة: سقوط المشروع الايديولوجي

الحسن زهور:

الذين يتباكون على ضعف التجاوب الشعبي مع دعوة المنظمين لمسيرة الاحد 9 نونبر 2020 الفلسطينية، لم يجدوا شماعة يعلقون عليها ضعف المشاركة ( بدأت منذ سنوات مع عودة المغاربة إلى قضاياهم الوطنية) سوى لوم بعض الامازيغيين و الصاق التهم بهم، متهمين اياهم بمعاداة القضية الفلسطينية و العروبة و الاسلام و …و… إلى آخر تلك الشعارات التي تفيض بها قواميسهم اللغوية و السياسية و “الايديولوجية الثورية” التي دمرت بلدانها و جعلتها قاعا صفصفا تتقاتل فيها الفصائل و الطوائف.. و هي نفس التهم التي يوزعونها فيما بينهم كلما دب بينهم خلاف يمزقهم كل ممزق ليذهب كل فريق بما أخذ من نصيبه في النضال و يؤسس دكانه السياسي، الى ان تشابهت علينا و عندنا الدكاكين. الى هؤلاء نقول: – القضية الفلسطينية قضية إنسانية عادلة، قضية شعب محتل يريد تكوين دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشرقية، و لا داعي للتذكير بهذا المبدأ الذي لن نتخلى عنه. لكن اريد ان أذكر فقط المتاجرين بهذه القضية النبيلة بأن الكثير من المغاربة وعوا الآن بأن هذه القضية العادلة يتاجر بها، و سيتاجر بهذه المأساة الإنسانية ما دامت تدر ارباحا سياسيا و تعبوية. – كانت القضية الفلسطينية عند اليسار المغربي ورقة سياسية داخلية يتم اللجوء إليها للضغط على الدولة المغربية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية و في نفس الوقت لكسب الأتباع و لتجييش المشاعر للانتخابات. و منذ نهاية التسعينات و ضعف اليسار بدأت الدولة بدورها تدخل الساحة النضالية بهذه القضية مثل اليسار لكنها في اتجاه معاكس. فإذا كان اليسار يستغلها للضغط السياسي الداخلي فالدولة بدورها استغلتها لتصريف الأزمة الداخلية نحو الخارج في مساعدتها لتعبئة المسيرات التي يقوم بها اليسار في بعض المحطات الفلسطينية التي ترى فيها الدولة فائدة لها، و التعبئة هنا غايتها التنفيس عن ضغط المشاكل الداخلية. – عند هؤلاء اي المتباكين تسخن الجبهة النضالية الى حد التبخر حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، و تبرد الجبهة النضالية الى حد التجمد او العدم حين يتعلق الأمر بالشعوب الاخرى غير العربية، فمثلا لم نسمع منهم وقفات نضالية تنديدا بالمجازر التي و قعت للايزيديين و للاكراد.. – ان تبدي موقفك الديموقراطي و العقلاني من قضية إنسانية مثل القضية الفلسطينية التي احتكروها و جعلوا صكا تجاريا، يتهمونك بمعاداة العروبة و الاسلام، و تفسير ذلك بسيط يدخل فيما نسميه بحماية صرح المقدسات الايديولوجية التي بني عليه كل مشروعهم القومي في المغرب. فإذا كان التكفيريون يرمون خصومهم بالكفر لمجرد اختلاف في الرأي، فهؤلاء بدورهم يقيسون الامور بنفس المقياس فيتهمون المختلف عنهم بمعاداة العروبة و الاسلام لاستمالة المريدين و الأتباع الذين تشبعوا بهذه الايديولوجية المهيمنة منذ الستينات على كل شيء: في المدرسة و مقرراتها, الاعلام, المساجد, الاحزاب، الصحافة… أي في زمن كان فيه التيار القومي الناصري و البعثي هو المهيمن على الساحة المغربية يوم كان المغربي لا يعرف الا تاريخ شبه الجزيرة العربية، و يتهمون حكومتهم المغربية آنذاك بشتى النعوت السياسية القدحية في حين يمجدون الأنظمة العسكرية القومية التي تمثل في ايديولوجيتهم القومية النموذج الثوري التي يجب ان يحتذى بها، مماترك جرحا بليغا في الهوية المغربية كهوية قاتلوا من اجل اجتثاثها او مسخها. نقول لهؤلاء: – العربية لغتنا، كما الأمازيغية لغتنا. العربية لغة جميلة تذوقنا بها روائع الاشعار العربية، من عمرو بن كلثوم الى ابي نواس و المتنبي و ابي العلاء الى شوقي و عبد الكريم الطبال. العربية لغتنا، كما الأمازيغية لغتنا، بالعربية قرأنا و حفظنا القرءان او جزءا منه، و بها نؤدي صلواتنا ( للذين يصلون، و الانسان حر في ان يعبد ما يريد او ان لا يعبد)، فلا تتزايدوا علينا بالعربيةو بالاسلام كصك تجاري تستغلونهما كما استغللتم القضية الفلسطينية. – الفرق بيننا و بينكم هو في مبدإ الولاء لهذه الارض. نعم الولاء لهذه الارض هو ما يجعلنا مختلفين. و الولاء يعني البر بهذه الارض التي احتضنتنا جميعا. الولاء تعني ان تكون الأولوية لهذه الارض، اي ان تنتمي اليها نفسيا و ثقافيا و حضارة. ان تكون مغربيا يعني ان تحس بأن لك تاريخا موغلا في القدم، و تفتخر برموزك التاريخية: يوكرتن، ماسينيسا، يوبا، ابوليوس ، القديس اوغسطين …الى الرموز الوطنية الآن, فتاريخنا لا يبدأ من شبه الجزيرة كما درستموه لنا , تاريخنا ملتصق بهذا الارض يبدأ منذ فجر التاريخ فيها و ما قبله، ما قبله كاول انسان وجد على البسيطة في منطقة ئغود ومنها انتشر الى باقي جهات الارض. ان تكون مغربيا يعني ان القضية الوطنية الأولى هي ارضك اولا و وحدتها: الصحراء المغربية، سبتة و مليلية، الديموقراطية، محاربة الفقر و الهشاشة، فك العزلة عن المغاربة في المناطق النائية و ادخالهم الى القرن 21.. فلم نسمع منكم منذ بداية استرجاع المغرب لصحرائه ان قمتم مليونية من اجلها، المليونية الوحيدة كانت منذ ست سنوات و كان تنظيمها رسميا فرفضت زعيمة حزب يساري قومي المشاركة فيها بدعوى انها مخزنية، و هل قضية الوحدة الترابية نميز فيها بين المخزني و غير المخزني؟ منطق عجيب!!! ان تكون مغربيا هو ان تفتخر بلغتيك الامازيغية و العربية و لا نفرق بينهما على اساس الايديولوجيا، لأن معاداة الأمازيغية التي هيمنت على الساحة الايديولوجية في المغرب منذ الستينات الى 94 سنة الخطاب الملكي و التصالح مع الذات لن يولد الا طرفا مضادا سيعادي العروبة و هذا طبيعي، لكن حكمة القيادة صححت الانزلاق بالاعتراف الرسمي بالأمازيغية، لتلتحق بها الأحزاب اليسارية خجولة و التي طالما عادت الأمازيغية، فاصبحت الملكية التي كان ينعتها هؤلاء القوميون بشتى النعوت هي التي تقود لواء التقدمية ( الامازيغية) و انكشفت رجعية هذه الاحزاب اليسارية في ما يتعلق بالأمازيغية. نعيد و نؤكد: – القضية الفلسطينية قضية شعب تحت الاحتلال، و الوقوف معه مبدأ انساني غير قابل للمساومة و لا للمتاجرة به. فأية محاولة تدفع نحو حل القضية حسب القرارات الدولية بما يرضي الفلسطينيين( دولة فلسطينية و عاصمتها القدس الشرقية، أما المقدسات الدينية فيتم الاتفاق حول كيفية إدارتها بين الفلسطينيين و الإسرائيليين)، و ليس بما يرضينا نحن، فنحن نؤيدها و لكن ليس على حساب قضيتنا الوطنية التي هي خط احمر بالنسبة لنا كمغاربة، و هذا هو مبدأ الخلاف بيننا و بين المتاجرين بها. ذ. الحسن زهور

كلمات دليلية , ,
2020-02-11 2020-02-11
عبد اللطيف بتبغ