الشروط الواجب توافرها من أجل ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة

بقلم : المختار السريدي (-)

الشفعة سبب قانوني من أسباب اكتساب الملكية شأنها شأن البيع والهبة والإرث والوصية والحيازة … وهي تابثة بالسنة النبوية الشريفة ، حيث وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن مشروعية الشفعة وتحض عليها حفاظا على مصالح الأطراف لا ضرر ولا ضرار (1).

ويعرف القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية ، الشفعة في المادة292 كما يلي : ” الشفعة أخذ شريك في ملك مشاع أو حق عيني مشاع ، حصة شريكه المبيعة بثمنها بعد أداء الثمن ومصروفات العقد اللازمة والمصروفات الضرورية النافعة عند الإقتضاء ” .

وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن حق الشفعة لايثبت إلا في العقارات سواء كانت عقارات بطبيعتها أوبالتخصيص.

وهذا ما تبنته المادة 298 من مدونة الحقوق العينية التي نصت على : ” تكون الشفعة في العقارات سواء كانت قابلة للقسمة أم غير قابلة لها ، وتكون في الحقوق العينية القابلة للتداول .”

أما في الميدان الجبائي فليس هناك تعريف دقيق ومحدد للشفعة كحق للدولة تمارسه لفائدتها ، باستثناء مانصت عليه المادة 143 من المدونة العامة للضرائب التي جاء فيها : ” بصرف النظر عن حق المراقبة المنصوص عليه في المادة 217 أدناه ، يجوز للوزير المكلف بالمالية أوالشخص الذي يفوض إليه ذلك أن يمارس ، لفائدة الدولة ، حق الشفعة على العقارات والحقوق العينية العقارية التي تكون محل نقل ملكية رضائي بين الأحياء بعوض أو بغيرعوض ، باستثناء الهبات بين الأصول والفروع ، إذا بدا له أن ثمن البيع المصرح به أوالتصريح التقديري لا يناسب القيمة التجارية للعقارات وقت التفويت ، وأن أداء الواجبات المفروضة بناء على تقديرالادارة لم يتأت الحصول عليه بالمراضاة .

يمارس حق الشفعة المشار إليه أعلاه وفق الإجراءات والشروط المنصوص عليها في المادة 218 أدناه .”

وعليه تكون الشفعة بالمعنى الجبائي هي حق الدولة الثابت في وضع يدها على عقار أو حق عيني عقاري من مشتريه ، ولو جبرا عنه بنفس الثمن مع المصاريف ، إذا تبين لمفتش الضرائب المكلف بالمراقبة أن الثمن المصرح به أو المعبر عنه في العقد أوالإتفاق ، لايطابق القيمة التجارية الحقيقية في تاريخ التفويت ، وأن أداء الواجبات التكميلية المفروضة بناء على تقدير الإدارة الضريبية لم يتسن تحصيلها بشكل ودي .

يتضح إذن ومن خلال قراءة متأنية للمقتضيات الآنفة الذكر ، أن ثمة شروطا يجب توافرها من أجل ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة وهي:

1 ـ أن تنصب الشفعة على عقارات أوحقوق عينية عقارية ، وهو نفس ما نصت عليه المادة 298 من مدونة الحقوق العينية سالفة الذكر ، قال الإمام مالك : ” أنه بلغه أن سعيد بن المسيب سئل عن الشفعة هل فيها من سنة ؟ فقال نعم الشفعة في الدور والأرضين …” (2).

ويقصد بالعقارات العقارات بطبيعتها والعقارات بالتخصيص (3) .

أما الحقوق العينية العقارية فهي التي ورد ذكرها بالمادتين 9-10 من مدونة الحقوق العينية وهي حق الملكية وحق الإرتفاق والتحملات العقارية وحق الإنتفاع وحق العمرى وحق الإستعمال وحق السطحية و حق الكراء الطويل الأمد وحق الحبس وحق الزينة وحق الهواء والتعلية والحقوق العرفية المنشأة بوجه صحيح ، بالإضافة إلى الحقوق العينية التبعية كالإمتيازات والرهن بنوعيه الرسمي والحيازي .

2 ـ أن تكون العقارات أوالحقوق العينية العقارية موضوع تفويت رضائي بين الأحياء ، إذ الأصل في العقود التراضي والتوافق بين المتعاقدين وباتفاقهما على المحل ( وهوالشيء موضوع التفويت أوالحق والثمن وشروط العقد الأخرى ).

3 ـ أن تتم عملية التفويت بعوض أو بدون عوض ، باستثناء الهبات بين الأصول والفروع أو بين الفروع والأصول ، وهذا يخالف الشفعة في الشريعة الإسلامية التي توجب أن تتم عملية نقل الملكية بعوض ، أما إذا كانت بلا عوض كالهبة والصدقة والوصية والإرث… فلا شفعة . أما مدونة الحقوق العينية في مادتها 303 فتقول بأنه ” لا شفعة فيما فوت تبرعا مالم يكن التبرع صوريا أو تحايلا ” .

وهنا نتساءل لماذا تم استثناء الهبة بين الأصول والفروع لوحدهم ، دون أن يمتد الإستثناء إلى غيرهم من المقربين كالهبة بين الأزواج والهبة بين الإخوة والأخوات والهبة بين الكافل والمكفول ، عملا بقاعدة توحيد المقتضيات الجبائية وتجانسها ، كما هو الشأن بالنسبة للهبة المعفاة من الضريبة على الدخل المترتبة على الأرباح العقارية المنصوص عليها في المادة 63 من المدونة العامة للضرائب والهبة التي تخضع لواجب التسجيل المخفض بنسبة 1,50 % المنصوص عليها في المادة 133ـ I ـ ج 4 من نفس المدونة ، وكلتا الحالتين تشترطان أن تكون الهبة مبرمة بين الأصول والفروع وبين الأزواج وبين الإخوة والأخوات وبين الكافل والمكفول.

4 ـ أن يكون ثمن التفويت المصرح به أوالمعبرعنه في العقود والإتفاقات ، لايطابق ولا يوافق القيمة التجارية الحقيقية للعقارات والحقوق العينة العقارية في تاريخ إجراء التفويت أووقت نقل الملكية أوالحق .

5 ـ أن يباشر عملية التصحيح والمراقبة للأثمان أوالتصريحات التقديرية ، مفتش الضرائب المكلف بالتسجيل ، طبقا لمقتضيات المادتين 217 و220 من المدونة العامة للضرائب ، والذي يعمد بناء على عناصر المقارنة المتوفرة لديه إلى تبليغ المفوت له بالأساس الجديد الواجب اعتماده وعاء لتصفية واجبات التسجيل وكذا مبلغ الضريبة التكميلي الناتج عن هذا الأساس ، دون أن يتوصل معه إلى أية تسوية ودية ، بشرط أن تكون عناصر المقارنة المعتمدة في التصحيح قوية وواقعية ومتطابقة ويمكن الاحتجاج بها في حالة وقوع منازعة ما .

6 ـ أن يطلب وزير المالية أوالمدير العام للضرائب أومن يفوض إليه ذلك ، ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة كتابة ، داخل أجل الستة (6) أشهرابتداء من تاريخ تسجيل العقد أوالإتفاق ، غيرأنه في حالة نقل الملكية أوالحق تحت شرط موقف للتنفيذ لا يسري الأجل المذكور إلا ابتداء من تاريخ تسجيل تحقق هذا الشرط ، طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 218 من المدونة العامة للضرائب .

ونتساءل في هذه الحالة أيضا لماذا لايتم الإحتكام إلى مقتضيات مدونة الحقوق العينية في مادتها 306 التي توجب أن يقدم طلب الشفعة إلى رئيس المحكمة الإبتدائية المختصة مرفوقا بعرض عيني حقيقي للثمن والمصروفات الظاهرة للعقد أو إيداع ذلك في صندوق المحكمة عند رفض المشفوع منه للعرض .

7 ـ أن يتم تبليغ مقرر الشفعة وفق مسطرة التبليغ المنصوص عليها في المادة 219 من المدونة العامة للضرائب إلى:

– كل طرف من أطراف العقد أوالإتفاق ، مالم يسبق إقامة صك للإثبات .

– قاضي التوثيق المختص ، إذا تعلق العقد أوالإتفاق بعقارات غير محفظة ، وتم تحريره من طرف عدلين .

– المحافظ على الأملاك العقارية التابع له موقع الملك موضوع الشفعة ، إذا تعلق العقد أوالإتفاق بعقارات محفظة أو في طور التحفيظ .

غيرأنه إذا كانت العقارات المذكورة تقع في دوائر نفوذ عدة قضاة للتوثيق أوعدة محافظين على الأملاك العقارية ، وجب تبليغ مقرر الشفعة إلى كل قاض أو محافظ يعنيه الأمر.

وبمجرد تسلم تبليغ مقرر الشفعة تدرج حقوق الدولة في سجل التضمين الذي يمسكه قاضي التوثيق أوتسجل بسجلات المحافظة العقارية بحسب الوضعية التي توجد عليها العقارات محفظة كانت أو في طور التحفيظ كما هو مبين بالفقرة الثانية من المادة 218 من المدونة العامة للضرائب .

8 ـ أن يتسلم المفوت له المنزوعة منه العقارات أوالحقوق العينة العقارية موضوع الشفعة ، خلال الشهر الموالي لتبليغه مقرر الشفعة (4) مبلغ الثمن المصرح به أوالقيمة المعبر عنها بالعقدة والإتفاق بالإضافة إلى :

– واجبات التسجيل ورسوم المحافظة العقارية المؤداة سلفا .

– تكاليف ومصاريف العقد القانونية ، المحددة جزافا في نسبة 5 % من الثمن أوالقيمة المصرح بها.

ويترتب عن تمام هذه الإجراءات على الوجه القانوني الأكمل والصحيح ، حلول الدولة محل المفوت له المنزوعة منه ملكية العقارات أو الحقوق العينية العقارية موضوع الشفعة ، فيما يرجع للمنافع والتحملات الخاصة بالعقد أوالإتفاق ابتداء من تاريخ التفويت .

وتعتبر كأن لم تكن جميع الحقوق في العقارات الممارس بشأنها حق الشفعة التي تخلى عنها المفوت له قبل ممارسة حق الشفعة ، ويشطب عليها إذا سبق إدراجها في الدفاتر التجارية .

هذا وأن العقارات والحقوق العينة العقارية التي صدر بشأنها مقرر الشفعة لفائدة الدولة لا يمكن بيعها من جديد إلا عن طريق المزاد العلني ، تمشيا مع مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 218 من المدونة العامة للضرائب ، إذ لا يتصور بيعها بطريقة غير هذه الطريقة بعدما أصبحت في ملكية الدولة الخاصة . أما النفقات المتعلقة بممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة فيمكن إدارجها في الحساب الخصوصي للخزينة المسمى ” الحساب الخاص باستبدال أملاك الدولة.”

عصارة القول أنه إذا كانت هناك رضائية في العقود وحرية في التعاقد فهذا لايعني إطلاق الأمورعلى عواهنها وترك الحرية المطلقة للأطراف لتفعل ما تشاء وتصرح بما تشاء من القيم والأثمنة ، هروبا من الحقيقة وتملصا من الضريبة دون حسيب ولا رقيب ” فثمة رقابة النظام العام مادام الفرد يعمل في الجماعة ويتعين عليه أن يراعى المصلحة الجماعية العليا ، للمحافظة على التوازن الإقتصادي والإجتماعي ، من ثم لاحظنا تدخل الدولة في جوانب كثيرة من المعاملات رعيا منها لمبدإ التوازن بين مصلحة الفرد والجماعة ، مع العلم أن الدولة وإن تدخلت فإن تدخلها لايقصد مبدأ التعاقد في حد ذاته ، بل تنظيم هذه الحرية وتمكين خزينة الدولة من حقوق مالية قصد القيام بمصالح اجتماعية تعود بالنفع على الجميع ” (5) .

فقاعدة الرضائية في هذه الحالة يتجاذبها مبدأ سلطان الإرادة من جهة ومبدأ النظام العام من جهة أخرى ، لذلك فان التصريح بالقيمة أو بالثمن في هذا العقد أوهذا الاتفاق ليس متروكا لحرية أومزاج المتعاقدين ، وإنما يجب أن يكون محددا تحديدا دقيقا لاغشاوة عليه ومطابقا للقيم التجارية المتداولة والجاري بها العمل في سوق العقار ، وإلا تدخلت الإدارة الضريبية ذات النظر وفق مقتضيات القانون وطبقا لإجراءات ومساطر خاصة وأعادت الأمورالى نصابها ، حفاظا على حقوق الأطراف من جهة ودفاعا عن حقوق خزينة الدولة من جهة ثانية ، لأن العبرة بالثمن الحقيقي لا بالثمن الظاهر ، والإدارة تصحح هذا الوضع وتقومه بحسب المعطيات والمقارنات التي تتوفر عليها لتحول دون تحايل المتعاقدين على الواقع وعلى القانون في نفس الآن .

وبالرغم من كل ذلك ورغم وجود مقتضيات جبائية صريحة وواضحة ، فإن هذه المقتضيات لازالت جامدة وأن ممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة مازال معطلا بالمرة ، ويعزى هذا لعوامل متشابكة عدة توجد على رأسها عدم شجاعة الإدارة الضريبة وعدم جرءتها في اتخاذ مقررات حاسمة ومناسبة من هذا القبيل وعدم توفرها على نفس طويل في سلوك مساطر قد تشغلها عن مهمتها الأساسية المتمثلة في ربط ومراقبة وتحصيل الضريبة وجنوحها إلى سلوك السبل الودية في تسوية مختلف منازعاتها مع الخاضعين للضريبة (6) .

ونحن على يقين بأنه إذا تم تعديل المقتضيات الجبائية المتعلقة بممارسة حق الشفعة لفائدة الدولة خاصة المادتان 143 و218 من المدونة العامة للضرائب وجعلها متطابقة ومنسجمة مع باقي مقتضيات هذه المدونة ومواكبة أيضا لما جاء في مدونة الحقوق العينية (7) وفق الملاحظات والتساؤلات التي سلفت الإشارة إليها ، وتفعيل تلك المقتضيات وتنزيلها على أرض الواقع كلما تبين للإدارة الضريبية أن الأثمنة والقيم التقديرية المصرح بها من لدن أطراف العقد لا توافق ولا تطابق الأثمنة والقيم التجارية الحقيقية وأنه استعصى عليها إقناع الأطراف بذلك أو لم يتسن التوصل إلى حلول حبية ، فإننا سنضرب عصفورين بحجر واحد ،

سنقضي على ظاهرة الصورية في التصريح بالقيم والأثمنة (8) وسنرفع من المداخل الجبائية للدولة بعزم وحزم ومسؤولية دونما إفراط أو تفريط ولا ضرر ولا ضرار.

هوامش :

1- صحيح البخاري المجلد الثاني كتاب الشفعة دار صادر بيروت .

2- الموطأ للإمام مالك برواية يحي بن يحي بن كثير الليثي القرطبي كتاب الشفعة الصفحة من 398 إلى 401 .

3- المادة 5 من مدونة الحقوق العينية .

4- من الأفضل استبدال أجل الشهر بأجل ثلاثين يوما (30) وذلك حفاظا على وحدة وتناسق الآجال في الميدان الضريبي ، بالرغم من أن المادة 132 من قانون الإلتزامات والعقود المغربي تنص على أنه عندما يكون الأجل مقررا بالأشهر فإن المقصود بالشهر هو مدة ثلاثين يوما كاملة .

5 – محاضرات في القانون المدني ، الدكتور عبد الرحمان بلعكيد ، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية عين الشق الدار البيضاء ، السنة الجامعية 1991/1990 .

6- انظر مقالنا ” حق الشفعة لفائدة الدولة معطل رغم وجود مقتضيات جبائية ” المنشور بجريدة العلم عدد 21336 ركن المجتمع والقانون بتاريخ 22 أبريل 2009 الصفحة 7 .

7- الظهير الشريف رقم 1.11.178 الصادر بتاريخ 22 نونبر 2011 بتنفيذ القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية .

8- جاء في المادة 142 من المدونة العامة للضرائب ” يعتبر باطلا وعديم الأثر كل عقد صوري ، وكل اتفاق يهدف إلى إخفاء جزء من ثمن بيع عقار أو أصل تجاري أو تخل عن زبناء ، أو إخفاء كل أو جزء من ثمن التخلي عن حق في الإيجار أو وعد بإيجار عقار أو جزء منه ، أو مدرك في معاوضة أو قسمة واقعة على أموال عقارية ، أو أصل تجاري أو زبناء ، ولا يحول البطلان الواقع دون استخلاص الضريبة الواجب أداؤها إلى الخزينة إلا إذا حكم به قضائيا ” .

انتهى.

-إطار ضريبي

2020-05-12 2020-05-12
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

المشرف العام